إعداد وتحرير: صباح جلّول
لسنا سذجاً. نعرف أن العالَم لن ينقلب ويصير ألطف لمجرد أننا نبحّ حناجرنا بالصراخ ضدّ الوحوش. ولسنا مجانين، لنترك للوحوش كل الساحات ونوكِل أمرنا إلى القدر، ونقرّ بعجزٍ أبدي، وإن كان العجز لصيقاً شريراً للأيام الكالحة التي شهدناها ونشهدها.
شيءٌ ما يتحرك تحت جمر هذا العالم، فكّرنا عندما استعرضنا تحركات "جيل زد"، والطلاب في أنحاء مختلفة من العالم. ثمّ استمرت الأحداث بالتسارع، مٌحْدِثة مفاجآت وتقدّمات صغيرة أو كبيرة، تجعل المرء راغباً بالتوقف لبعض الوقت عندها، والتفكير.
ثمة ما هو ساحِر في فكرة اجتماع الناس حول قضية مشتركة وفي تصوّر قوتهم، وتخيّل قدرة ما على تغيير ما يبدو راسخاً و"ميؤوساً منه".
قد لا تتغير الدنيا كثيراً (وهي لن تتغير كثيراً دفعة واحدة). قد لا تأتي النتائج على قدر المأمولات. لكن يكون المطلوب أحياناً تذكير "الراسخين" بأنهم ليسوا بأمانٍ كما يتخيلون، وأنّ التقدم خطوة بعد أخرى ليس سابع المستحيلات.
البرازيل هزمت.. ترامب!
في البرازيل، فاز لولا دا سيلفا على بولسونارو الابن. هرب الأخير على متن طائرة خاصة إلى الولايات المتحدة خوفاً من محاسبته في قضايا غسيل أموال وتهريب عملات. احتفل الناس في الشوارع بنجاتهم من السقوط في يد اليمين المتطرف، الذيلي للولايات المتحدة، واحتفلوا بحماية غابات الأمازون من استغلال الشركات، وبلفظ الفاشيين الذين كانوا قريبين جداً من تولي شؤون حياتهم.
وإن كنا بعيدين جغرافياً عن هؤلاء المحتفِلين، يجب أن نتذكر أننا لسنا في عالمٍ من الجزر المنفصلة، ولسنا بعيدين عن التأثّر والتأثير.
على صفحته على انستغرام، كتب المناضل البرازيلي من أجل فلسطين، تياغو آفيلا: "كلما داهمكم التعب، تذكروا أنه مهما بدا الأمر صعباً، ومهما شعرنا بضآلتنا أمام خصومٍ عظام، كرؤساء الإمبراطوريات أو شركات التكنولوجيا العملاقة مثل "ميتا"، فإننا نمثل قوةً أكبر، ونحن أقوى، وبإمكاننا الانتصار! إن طاقتكم لها تأثيرٌ مباشِر، ليس في البرازيل فحسب، بل في العالم أجمع! (...) ستُعلّم البرازيل العالمَ كيف يهزم الفاشية!"


بدءاً من انتصار البرازيل على فاشييها، وعلى ترامب نفسه، نستكمل جولتنا على أبرز ما يُحرِّك انتفاضات الشعوب المتفرقة، في هذه المرحلة الدقيقة في كل مكان..
اليونان: التعليم أساس المطالِب
شهدت اليونان يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026 احتجاجات واسعة قادها الطلاب والمعلّمون، امتدت إلى أكثر من 50 مدينة، على خلفية تدهور التعليم العام وارتفاع تكاليف المعيشة. كما في فرنسا وصربيا والهند، وكما في إيطاليا التي تشهد مظاهرات متتالية ضد حكومة ميلوني منذ 16 تشرين الأول/أكتوبر، يبرز التعليم مجدداً كأحد أهمّ مطالِب المتظاهِرين، الذي يؤكدون في اليونان على ضرورة زيادة تمويله وتحسين الإنشاءات المدرسية وتقليص أعداد الطلاب في الصفوف الدراسية، كما يطالبون برفع أجور المعلِّمين وتوظيف المزيد من الكوادر، بالتوازي مع مواجهة الغلاء المعيشي، في ظل تراجع القدرة الشرائية إلى أدنى المستويات.
في أثينا وحدها، شارك نحو 10 آلاف متظاهر في الاحتجاجات، على إيقاع قرع الطبول، كما أضرب المعلمون والطلاب، وانضمت إليهم مجموعات نقابية. في ساحة "سينتاغما"، نصب الطلاب خيماً على مقربة من البرلمان اليوناني، كناية عن معاناتهم مع أزمة السكن وعدم قدرتهم على دفع الإيجارات المرتفعة عند وجود السكن.

ليست هذه التحركات حالات منفصلة عن الصورة الأكبر التي تُرسَم تفاصيلها في أكثر من دولةٍ أوروبية، من فرنسا إلى ألبانيا وإيطاليا. المتظاهِرون أنفسهم عبّروا عن رغبتهم بربط تحرّكهم بتحركات أخرى، عبر شِعارات مثل: "من اليونان إلى فرنسا، نناضل من أجل تعليم عام ومجاني"، و"العالَم كله لنا". هناك شعور عارم بين الناس أن تراجع الخدمات والحماية الاجتماعية بات شيئاً لا يُطاق، وأن مكافحة هذا الانكشاف المجتمعي أمام الظروف المزرية يأتي جماعياً. هذه احتجاجاتٌ قولها واحِد: كِفاية!
صربيا: أسقِط النظام في الشارع وبالانتخابات
"لسنوات طويلة، فشلنا في أداء واجبنا"، هكذا خاطب أحد مذيعي التلفزيون الصربي الرسمي مشاهديه، معتذراً عن التغطية المنحازة للحزب التقدمي الصربي الحاكم برئاسة فوتشيتش، وهي تغطية كانت متغاضية عن أخطاء نظامه وفساد أجهزته. لم يقم التلفزيون الرسمي بهذه الخطوة إلا بعد مطالَبات شعبية بالإمساك بوسائل الإعلام وإجراء إصلاحٍ شاملٍ لها. هذه اللحظة التي شهدها الصربيون على الشاشات وفي الشوارع هي وليدة فوز الحركة الطلابية ومناصريها في الانتخابات البرلمانية بنسبة 52 في المئة، والخسارة المدوية التي مُنيَ بها معسكر الرئيس ألكسندر فوتشيتش، حاكِم البلاد منذ نحو 14 عاماً.
"النار في حاويات النفايات تخيف الزبالة"
19-10-2026
بدأت الحركة الاحتجاجية في صربيا تكتسب زخمها منذ نحو عامين فقط، بعد انهيار مظلّة خرسانية في محطة قطارات "نوفي ساد" في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، مؤدية إلى مقتل 16 شخصاً، لتنفجر المطالَبات الغاضبة بمحاسبة المسؤولين عن الإهمال والفساد والاستهتار بأرواح المواطنين.
ما بدأ في حرم الجامعة بأصوات الطلاب، سرعان ما تحوّل إلى موجة احتجاجات أوسع ضدّ الفساد والمحسوبية، قادتها حركة طلابية وشعبية، استطاعت في نهاية المطاف تجيير ما جمعته في الشارع نحو الانتخابات وتغيير جهاز السلطة.

"يوم تاريخي".. حقق فيه الطلاب وداعموهم ما عجزت أحزاب المعارَضة الوطنية عن تحقيقه لسنوات، وأحدثوا فرقاً في صناديق الاقتراع، مكّنهم من تحدّي المؤسسات السياسية الراسخة. الشعور المستحَقّ بالإنجاز واستعادة القدرة، عبّر عنه الشارع باحتفالات استمرت طوال ليل 25 تشرين الأول/أكتوبر.
عمّال الموانئ: "في خدمة الإنسان، لا الحرب!"
تحت شِعار "الموانئ من أجلِ السلام والعمل اللائق"، تُجهّز نقابات عمال الموانئ لتحركٍ دَولي منسّق في عدد كبير من الدول يوم 30 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تُفعّل فيه جبهة من العمّال الرافضين لنقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى دول ترتكب جرائم حرب، وفي مقدمتها دولة الاحتلال الإسرائيلي.
تأتي هذه المبادرة عقب الاجتماع الدولي الثالث لنقابات عمال الموانئ في البحر المتوسط وأوروبا، الذي عُقد في إسطنبول في أيار/مايو 2026، بمشاركة نقابات من فرنسا واليونان وإقليم الباسك وتركيا والمغرب وإيطاليا، تمثّل عمالاً من أكثر من 40 ميناءً أوروبياً ومتوسطياً، وبمشاركة متوقعة من نحو 100 ميناء حول العالم.
لقد شهدنا على امتداد الأعوام الثلاثة الماضية على محاولات ناجحة في أكثر من مناسبة لإيقاف شحنات السلاح المتوجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، منها التحرك الذي نظمه عمال الموانئ الإيطاليون الذين وضعوا أنفسهم في خدمة أسطول الصمود العالمي أثناء توجهه إلى غزة في خريف 2025، مهدّدين الدول الأوروبية بقطع إمداداتها الصناعية والتجارية و"إغلاقها" من بوابة البحر.
يحدث هذا عندما يعي العمال (والطلاب والفئات الأكثر هشاشة اقتصادياً وأمنياً...) أنّهم في الواقع يمتلكون من القوة الكثير، إذا ما كانوا جَمعاً. في ما يحدث الآن في أماكن متعددة حول العالَم نذير هذا الوعي بالقدرة: الاحتجاج والتظاهر ما زال يجدي، الإضراب ما زال يؤلِم، ورفض التوحش والإبادات بصوتٍ عالٍ قد يفضي إلى نتائج – وإن كانت هذه في إطار المأمول الذي لا يدرَك جلّه فلا يُترَك كلّه...
وتحضيراً لهذا الحراك، دعت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع المركزيات النقابية المغربية إلى الانخراط في التحرك العالمي المقرر في 30 تشرين الأول/أكتوبر. تحت شعار "عمال الموانئ لا يخدمون الحرب". سيشارك العمال المغاربة بالإضرابات والاحتجاجات، على اعتبار أن النظام المغربي عمد إلى استغلال موانئ البلاد، ومنها موانئ طنجة المتوسط والدار البيضاء، للسماح برسو وتفريغ وشحن سفن محمّلة بعتاد عسكري متوجهة إلى كيان الاحتلال، وهو ما نددت به الجبهة المغربية لدعم فلسطين، مذكِّرة بأنّ المغرب ملزَم بقرارات محكمة العدل الدولية ومعاهدات منع الإبادة الجماعية.


من تظاهرات ضد استعمال موانئ المغرب لتمرير شحنات السلاح إلى دولة الاحتلال (الصورة عن وسائل التواصل الاجتماعي).
الأمثلة على هذا العار حاضِرة: في حزيران/يونيو 2026، أفادت حركة المقاطعة بأن شحنة من الفولاذ ذي الاستخدامات العسكرية، نُقلت على متن السفينة "أنجليكا ميرسك"، عبرت ميناء طنجة المتوسط قبل وصولها إلى ميناء بورسعيد في مصر. بحسب الحركة، كانت الوجهة النهائية للشحنة شركة "آي إم آي سيستمز" التابعة لشركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية للصناعات العسكرية. وفي نيسان/أبريل 2025، احتجّ نشطاء على مرور سفن تابعة لشركة "ميرسك"، اشتُبِه في نقلها مواداً وقطعاً لطائرات إسرائيلية مقاتِلة. هذه الحوادث المشينة، والتي كانت تتمّ فيما كان الاحتلال الإسرائيلي يرتكب أفظع جرائم الإبادة في غزة ولبنان، عززت اندفاع عمال الموانئ نحو المشاركة في التحرك محلياً وعالمياً، رافضين أن يكون دورهم تزويد "آلة الحرب" الإسرائيلية وتغذيتها بالنواقص، وتحويل بحر المغرب وبرّها إلى معبر لتسهيل الإبادة.
الأمل.. والخوف منه وعليه..
"إن فكرة أن الأمل وحده كفيل بتغيير العالم، وما يترتب عليها من أفعال تنطلق من هذه السذاجة، ليست سوى طريقٍ مؤكدٍ نحو اليأس والتشاؤم والاستسلام للقدر. وفي المقابل، فإن محاولة خوض غمار النضال من أجل تحسين العالم دون الاستناد إلى الأمل (وكأن هذا النضال لا يعدو كونه مجرد إجراءاتٍ محسوبة أو نهجٍ علميٍ بحت) هي وهمٌ عبثي. فمحاولة الاستغناء عن الأمل، الذي يرتكز بدوره على الحاجة إلى الحقيقة كقيمةٍ أخلاقيةٍ في مسيرة النضال، تعني تجريد هذا النضال من إحدى ركائزه الأساسية. وجوهر الأمر هو أن الأمل - بوصفه حاجةً وجوديةً - يتطلب تجذراً في الممارسة العملية ليتحول إلى واقعٍ تاريخيٍ ملموس. ولهذا السبب، لا يكمن أي أملٍ في مجرد "التأمّل"، فما نصبو إليه لا يتحقق بمجرد التمني، فأن تأمل فحسب، يعني أن تأمل عبثاً. من دون حدٍّ أدنى من الأمل، لا يمكننا حتى البدء في النضال. ولكن دون النضال، يتلاشى الأمل..."
هذه الكلمات هي للفيلسوف الماركسي وعالم الاجتماع البرازيلي باولو فريري، صاحب كتاب "بيداغوجيا المقهورين" و"بيداغوجيا الأمل"، اللذين ينظِّر فيهما للتعليم كأداة تحرّرية تبدأ من وعي الإنسان بظروف حياته وقدرته على التغيير. ليست صدفة أن معظم الحراكات التي نشهدها اليوم تتعلق بمطلب التعليم وتربطه بالاستغلال والحروب وصعود الفاشية والتطبيع مع الإبادة. وليس نافلاً التعامل مع الأمل بوصفه عملاً مستمرا،ً بدءاً من الأجيال الأصغر سنّاً، التي تصدّرت المشهد بشكلٍ عضوي، ببديهية، ودون أن يطلِب منها أحد ذلك.
___________________________



