علت صيحات الفرح وهلاهل المحتفلين، ضج الهواء بالنغم الموسيقي للحدث، حتّى بدا للشاهد كأنها مراسيم عُرسٍ، لتكشف الستارة عن شرفٍ أُعيد للعائلة والعشيرة، وعاد قطار الحياة إلى سكته بعد أن خرج عنها للحظات، على أيدي هؤلاء "الزلم" الشجعان، الذين أنجزوا المهمة. قتلوا بنتًا تبلغ من العمر 15 عامًا في النهروان شرقي بغداد، لأنها رفضت الزواج من ابن عمها. غسلوا شعار العشيرة من صوت أية امرأة تجرؤ أن تنطق بـ"لا". وكانت تلك الاحتفالات إعلاناً عن موتها.
كانت ك.ب قد تزوجت سابقًا، أي قبل أن تبلغ الخامسة عشرة، وقُتِلت لأنها رفضت الزواج للمرة الثانية في هذه السن. غريب كم للغة من قوةٍ لا ندركها، نقول مئات الملايين من الكلمات خلال حيواتنا، واحدة يمكن أن تقتلنا، مجرد حرفين!
منذ أن استعان الأمريكان، بعد احتلالهم للعراق في 2003، ببعض شيوخ العشائر الفاسدين لتنفيذ مهام مختلفة، أو ربما قبل ذلك،، وجدت العشائر في نفسها قوة تفوق أيّة قوة، إما بأسلحتها التي لا تخضع لقانون، أو بأيديها الطويلة التي تصل إلى قلب السلطة. وفي نظام ديمقراطي "نص ردن"[1]، تصير أصوات العشيرة الانتخابية قوة ونفوذاً. صارت الدواوين دويلات صغرى، أنظمة حكم لها جلسات "فصل" عشائري، للتوصل إلى تسويات ملزِمة على مختلف القضايا.
على أرضٍ انطلقت منها أولى القوانين في تاريخ البشرية، التي سنَّها حمورابي، أقر مجلس النواب قانوناً للأحوال الشخصية، أثار جدلاً واسعاً محلياً ودولياً لتهميشه الشديد للمرأة، وإجازته زواجها من دون تسجيل. وهذا يبيح زواج القاصرات المرتفعة نسبته أساساً. فبحسب يونيسف[2]، تتزوج 28 في المئة من الفتيات في العراق قبل بلوغ السن القانونية وهي 18 عاماً. وهذا يؤدي بالنساء والفتيات إلى الإنجاب في ظروف تقليدية وخطيرة، لأن المستشفى سيطلب وثائقَ تثبت زواجها لتسجيل إنجابها. و"يونامي" (بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق) تفيد بأن 22 في المئة[3] من الزيجات غير المسجلة هي لفتيات دون سن ال14 عاماً!
زواج القاصرات هذا يمنح الرجال حق "تربية" زوجاتهم، بحسب الطريقة التي يرونها مناسبة. والزواج غير المسجَّل يطيح بحقوق النساء، إذا ما قرر الرجل الرحيل بطريقة عشوائية، ويحرم الأطفال من الدراسة، ويحرم النساء من حقهن في الدعم الحكومي للمطلّقات، الذي يبلغ حوالي 80 دولاراً شهرياً.
وإن رفضت البنت الزواج، فهي معرّضة للقتل، و"محظوظة لأن هناك مكاناً يحفظ عظامها"[4] كما قال واحد من أقارب إحدى الضحايا لأمها، بعد أن قُتِلت نتيجة رفضها الزواج المدبَّر في السليمانية. وقبورهن بلا شواهد، والأمهات يزرنهن منتصف الليل، خفية. وهناك النساء اللواتي يدفنَّ على تلال مهمَلة[5] في الناصرية، لأنهن لا يستحقِقْنَ الدفن في مقبرة "وادي السلام". يبدو أن أكبر مقبرة في العالم لا تتسع لنساء العراق!
كل هذا يُنتِج شكلاً آخر للعائلة، فإن لم تكن الطاعة عن طريق "عيني وأغاتي"، فلا بد أن تكون عن طريق الضرب، أو القتل. فمقطع الفيديو الذي انتشر لبنتٍ اختُطِفت وعادت إلى أهلها، فأطلقوا عليها النار بشكل مباشر من كلاشينكوف، لـ"غسل عارها"، مثال واحد من ضمن أمثلة كثيرة أُخفيت. هذا العرف يطبَّق بدرجات متفاوتة، بين المجتمعات المختلفة في جغرافية العراق، وإن كانت ممارسته تتفاوت بحسب المناطق، والأوساط الاجتماعية. إلا أنّ القانون غير المكتوب، يخطِّط شكل الحياة.. أو الموت.
بحسب "يونيسف"، تتزوج 28 في المئة من الفتيات في العراق قبل بلوغ السن القانونية، وهي 18 عاماً. ولا يمكن توثيق هذه الزيجات رسمياً، فتبقى زواجات عُرفية، خارج المحاكم. وهذا يؤدي بالنساء والفتيات إلى الإنجاب في ظروف خطيرة، خارج المشافي التي ستطلب وثائقَ تُثبت زواج المرأة لتسجيل إنجابها. و"يونامي" (بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق) تفيد بأن 22 في المئة من الزيجات غير المسجَّلة هي لفتيات دون سن ال14 عاماً!
ننشر هنا شهادات أدلت بها نساء من جغرافية العراق بمختلف جهاته، ومختلف الأقوام والجماعات، من دون ذكر تفاصيل خاصة بهن، حفاظاً على سلامتهن، بل نعطيهن أرقاماً. وحتّى حين سُئلنَ عن إمكانية مشاركة تجاربهن، لم يبدين اهتماماً فعلياً، بل حكين فاقدات لإمكانية أن يغيِّر هذا العمل مما يواجهنه، ويضطررن إلى دفنه إلى جانب جروحٍ أخرى كثيرة في قبرٍ سري،ٍ حيث يرقد كل ما يحبِبْنُه في صدورهن.
في عام 2024، سجلت وزارة الداخلية العراقية 14 ألف حالة بلاغ عن هذا العنف الأسري، ارتفعت بنسبة 150 في المئة في 2025 لتبلغ 36 ألف حالة. وهذه الأرقام لا تمثِّل كل حالات العنف الأسري، لأن كثيراً من الضحايا، فقدوا الأمل في محاسبة حقيقية وحل دائم للمعتدين، ويرفضون اللجوء إلى الشرطة وتقديم بلاغ بالتعرض للعنف، لأن "شيسوون؟ يسجنوهم؟ والناس شلون تشوفني بعدها؟"، كما تصرح إحدى النساء، التي أُخرجت من منزلها على يد حَمْاها، لأنها رفضت الانصياع لأوامره، في وقتٍ يعمل فيه زوجها بمدينة أخرى. المنظومة الاجتماعية الخاضعة إلى درجة كبيرة لسلطة العشيرة، تسهم في إعادة المعتدي من السجن - في حال سُجنَ - وتختفي القضية بتحولها من قضية عنف إلى "ضرورة تأديب"، حينما يتعلق الأمر بالنساء والبنات. إذ تنص المادة 41 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على أنه: "لا جريمة إذا وقع الفعل استعمالاً لحق مقرَّر بمقتضى القانون، ويُعتبر استعمالاً للحق: تأديب الزوج لزوجته، وتأديب الآباء والمعلمين، ومن في حكمهم الأولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعاً أو عرفاً أو قانوناً".
ليست الأرقام هي ما يُقلِق، بل غياب دُور إيواء للمعنفين/ المعنفات، ومادة قانونية تعاقب بشكل فعلي وحقيقي المعتدين. فعلى الرغم من الضرب والإهانة والذل، يُجبَر الضحايا - من الجنسين - على إكمال الحياة مع معنّفيهم/هن، لأسباب متعددة، منها الوصمة الاجتماعية، والاتكاء المادي على الطرف المعتدي. إذا ما حاول طرف مؤسساتي خارج مظلة الحكومة التدخل لبناء ملاجئ آمنة للضحايا، فذلك الطرف وتلك المؤسسة ومرؤوسيها كلهم معرضون لخطر الاغتيال، كما حصل في اغتيال الناشطة ينار محمد التي دأبت على إنشاء دور إيواء للفتيات اللواتي عانين من عنف أسري، فنالت منها رصاصات في وسط الشارع، وغابت محاولات التحقيق في القضية، بل وحتى إصدار بيان محترم في حقها!
نُظهِر هنا شهادات أدلت بها نساء من جغرافية العراق بمختلف جهاته، ومختلف الأقوام والجماعات، من دون ذكر تفاصيل خاصة بهن، حفاظاً على سلامتهن، بل نعطيهن أرقاماً. وحتّى حين سألتهن عن إمكانية مشاركة تجاربهن، لم يبدين اهتماماً فعلياً، بل حكين فاقدات لإمكانية أن يغيِّر هذا العمل مما يواجهنه، ويضطررن إلى دفنه إلى جانب جروحٍ أخرى كثيرة في قبرٍ سري،ٍ حيث يرقد كل ما يحبِبْنُه في صدورهن.
الشهادة الأولى
ليس للمرأة رقم (1) أقارب ولا أهالي في العراق، سوى أخت واحدة حالتها أسوأ من حالة الأولى. وكونها "بلا ظهر" يجعلها فريسة سهلة ومشروع كيس ملاكمة كامل الأوصاف. تقول إنها، حين يتعب زوجها وتعمل الكحول التي يشربها على إرخاء عضلاته، يجبرها على ضرب نفسها، "حظي المصخَّم[6] يخليني اضرب نفسي أقوى بلكي أموت وأخلص من هالعيشة".
تقول إنّ هذه هي المرة الوحيدة، التي سألها أحد كيف تشعر، فمنذ أن تزوجت في عام 2000، اضطرت إلى إنجاز كل الأعمال المنزلية لعائلة تتكون من 14 فرداً، ولمّا أنجبت ابنها الأول، كانت تبني وحدها غرفة كاملة من الطين، لأن كل أفراد العائلة كانوا يهلكون في الزراعة في الطرف الآخر من مدينة أخرى. بسبب الحر والجوع، لم تقطر حلماتها حليباً، خطا الطفل أولى خطواته نحو الموت، وكاد أن يدخل بقدميه لولا الجدة التي أنقذته، وتركت أمه للعمل.
في عام 2024، سجلت وزارة الداخلية العراقية 14 ألف حالة بلاغ عن هذا العنف الأسري، ارتفعت بنسبة 150 في المئة في 2025 لتبلغ 36 ألف حالة. وهذه الأرقام لا تمثِّل كل حالات العنف الأسري، لأن كثيراً من الضحايا، فقدوا الأمل في محاسبة حقيقية وحل دائم للمعتدين، ويرفضون اللجوء إلى الشرطة وتقديم بلاغ بالتعرض للعنف.
زواج القاصرات يمنح الرجال حق "تربية" زوجاتهم، بحسب الطريقة التي يرونها مناسبة. والزواج غير المسجَّل يطيح بحقوق النساء، إذا ما قرر الرجل الرحيل بطريقة عشوائية، ويحرم الأطفال من الدراسة، ويحرم النساء من حقهن في الدعم الحكومي للمطلَّقات، الذي يبلغ حوالي 80 دولاراً شهرياً.
لم تمر سنة واحدة من العقدين ونصف منذ زواجها، ولم تتعرض فيها للضرب. لجأت إلى الشرطة، فأجبروا الزوج على التعهد بعدم الاقتراب منها مجدداً، لكنه فعل، لأن "ليش لا؟" تقول.
حاولت التواصل مع أخيها في الخارج، على أمل أن يقدم لها حلّاً ممكناً، لكنه بعث لها ب 50 دولاراً ظاناً أنها تشحذ. "هم هيج يشوفوننا، إلي بالخارج".
تنهي كلامها بأنها تتمنى أن تموت كما هو مقدّر لها، تحت ضرباته، وتستجدي أياً كان في تلك السماء، علَّه يأخذ "أمانته" ويريحها.
الشهادة الثانية
المرأة (2) تزوجت من أستاذها، وهي في الصف الثامن، بعد علاقة حب أو طيش مراهقة، لا تعرف ما تسميها، لكنها نادمة كل الندم لأن الذي علَّمها حرفاً لم يعلَّمها كيف تعيش لتدافع عن نفسها، وكاد المعلم أن يكون وحشاً في حالتها. بدأ بضربها في الشهر الثالث من زواجهما. تركت تعليمها، وصارت أماً.
بلد الجدائل المقصوصة
03-03-2025
تقول إنها لجأت إلى أهلها بعد أن ضربها، فلم يستقبلوها بسبب ضغوط اجتماعية، إذ كيف سيواجه أخوها الأكبر أهل الزوج، هل سيقول لهم إنّه حوى طفلة طائشة هربت من بيت زوجها بعد الكف الأول؟ ولأنها تحتاج إلى تأديب فهي ليست "ساكنة"، هي صغيرة وتحتاج إلى أن تتعلم كيف تكون المرأة الحقيقية، التي تحمل بيتها على ظهرها وتتعلم التضحية من أجل عائلتها.
الشهادة الثالثة
المرأة (3) تعلمت التدخين؛ لأنها سمعت من أبيها، وهو يحاور رفيقاً له، أن النيكوتين يساعد على تهدئة الأعصاب. تزوجت لأن أباها رأى أن بقاءها "عانساً" حتّى ذلك العمر "يجيب كلام" للعائلة، لأنها من المستحيل أن تكون شريفة وتبقى بلا زواج حتّى الثلاثين من عمرها، حسبما يعتقد. اعتاد على ضربها لأتفه الأسباب بغرض تربيتها، وأوقف دورتها الشهرية لعدة شهور نتيجة لركلة في البطن. زَوَّجها وهي في الثالثة والثلاثين، من مصور فوتوغرافي قصير القامة، ولأنّه لم يبلغ بيده رأسها، كان يطلب منها الانحناء ليصفعها. ويطفئ السجائر على زنده وزندها، ويجبرها على الضحك، إذا ما قلصت عضلات وجهها أو بَيَّنَت وجعها، ثم يضربها أكثر. صارت يدها حقل تبغ محترق.
فتاة كقصبة ال"بامبو"
29-09-2024
"أبي قال لي ألا أعود لبيته غاضبة وهو حي، لأي سبب!" فلم أعد، وصرت أسرق من سجائر زوجي. تُنهي كلامها وتهشم ما تبقى من عقب سيجارتها في الأرض. غير آبهة بما آلت إليه حالها. "أتمنى أن يموت أبي كي أبصق على قبره، فهو يستحق دموعاً من نوع آخر".
الشهادة الرابعة
المرأة (4) كانت السبب في تنصيب كاميرات مراقبة على طول أطراف المنزل للمرة الأولى، فنضجها بين عائلة كاملة من الذكور أكسبها بعض "الرجولية"، التي لا تناسب القالب المصنوع للزوجة. لم تكن ضحكتها وتصرفاتها "المعيبة" تعجب عائلة زوجها. تقول: يعطونني 50 ألف دينار عراقي مصروفاً شهرياً أي 35 دولاراً. حين ظهرت آثار ضربه لها علناً، وبشكل لا يمكن إخفاؤه بعد، بصقتْ عليه. "عَيرَني بكل ما اشتراه لي، فأعطيته كل الأغراض، شققتُ ثيابي التي ارتديها وأنا في الشارع - تلك التي اشتراها لي - وتوجهتُ نحو بيت أهلي، الذين ضربوني علاوة على ضربه".
ليست هذه الكلمات، تنظيراً ولا نظرةً فوقية إلى مجتمع نحن منه وهو مِنّا. هذه صور، إذا جاز للكلمات أن تستعير المشاهد وتحتل ذهن المتلقي.
- - "نص ردن": هي تسمية تُطلَق على القمصان بنصف الأكمام، أي غير الكاملة. ↑
- https://www.hrw.org/ar/news/2025/03/10/iraq-personal-status-law-amendment-sets-back-womens-rights ↑
- https://iraq.un.org/sites/default/files/202204/CCA ↑
- https://www.aljazeera.com/features/2021/3/8/as-if-she-had-never-existed-the-graveyards-for-murdered-women ↑
- https://www.aljazeera.net/women/2020/6/26/ ↑
- - الأسود في اللهجة المحلية. ↑



