"تَطَشَّر" (تبعثر بالعامية) العراقيون خلال العقود الأربعة الاخيرة في دول العالم، هرباً من أنظمة حكمٍ تبيع نفطهم لتزجهم في حروبٍ عبثية، أو درءاً لحصاراتٍ قاهرة ومحاصصات طائفية في كل الميادين. تتدافع أسماؤهم وصورهم لتتصدر الأخبار، وهم يقاتلون في روسيا. رحلة العراقيين من العراق إلى جبهات القتال بين روسيا وأوكرانيا مستمرة منذ 2022، ثم إلى الموت، والعودة إلى العراق كأرقام!
ظَنَّ حسام أن أوضاعه المادية ستتحسن، فالجنة التي يصفونها في روسيا، والعمل على الحاسوب والسكن النموذجي والعطلة، لا تشبه الجيش وحياة الجندي في الحرب، داخل مؤسسات العراق، التي يعرف خساراتها عن ظهر قلب، بل لا تشبه، في رفاهيتها، حياة الطبيب في العراق! من أوراق ثبوتية وجواز سفر في دولة "محترمة" إلى مستقبل مؤمَّن، ثم امرأة صالحة جميلة من الروسيات الرقيقات، التي ستصلح في دواخله ما هدمته صور الشهداء على شوارع بلده، وسيتقاعد ويمتلك كلباً ويعيش في الريف، ثم ينتهي الفيلم!
كل حربٍ نارٌ يُراد لها حطبٌ بشريٌّ كي لا تخبو، ومخزونٌ هائلٌ من الدمع كي تقارِع سابقاتها. لا تختلف الحرب الروسية-الأوكرانية عن ذلك، فعلى الرغم من بُعد روسيا حوالي مسافة 2500 كيلو متراً جواً عن العراق، فقد عانق ترابها أجساداً من أرض الرافدين.
تشير تقارير محلية إلى وجود مكاتب سياحية ومتعهدين في بغداد وروسيا، يسهِّلون الحصول على الفيزا، بحسب شهادة "متطوع" في الجيش الروسي، اضطر إلى السفر إلى القنصلية الروسية في أربيل لاستحصال التأشيرة، لأن الذي يُضبط بمحيط السفارة الروسية في بغداد "ينشال" (أي يُعتقل أو يُختطف).
في ظل غياب إحصائية دقيقة لعدد العراقيين "المتطوعين" في صفوف الجيش الروسي في حربه مع أوكرانيا التي بدأت منذ أربعة أعوام، تزداد التكهنات الإعلامية، وتتباين في أرقامها، ولا صحيح موثوق. كثيرٌ منها يوقفها عند حد الخمسة آلاف متطوع، و"آلاف العراقيين المستعدين للانضمام إلى الجيش الروسي إذا فتح الباب أمامهم"، كما صرّح السفير الروسي في العراق ألبروس كوتراشيف. وقد أدان المرصد العراقي لحقوق الإنسان[1] تصريحه في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2025. وتدنو الأرقام أكثر فأكثر من حدود الاتجار بالبشر، أو في هذه الحال، الاتجار بالموتى.
تيك توك وتليغرام: الدعاية الجديدة لعادة قديمة
تضج منصة تيك توك بمقاطع المتطوعين العراقيين الذين يعون من دون وعي منهم، أو بوعي، المراهقين العراقيين الذين يستخدمون المنصة بأعداد هائلة، إلى اعتبار هذا التطوع حلاً لمشاكلهم المادية. يظهرون فرحين، فمرتب الجندي، بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، تداولته وسائل إعلام كثيرة، يصل إلى 2800 دولار[2] وهو أربعة أضعاف مرتّب الجندي العراقي. وهؤلاء الشبان، تلقوا عروضاً، من متعهدين أو ميليشيات تابعة للجيش الروسي تقاتل في أوكرانيا. وتلك العروض في كل الأحوال غير حقيقية. لكنّها، على الرغم من زيفها، تشرئب وكأنها وردة في كومة قمامة. لا يكترثون لقذارة محيطها، إذا ما كان هناك احتمال، ولو ضئيلًا بأن يعيشوا بكرامة ويساعدوا أهاليهم.
قنوات على منصة تليغرام على الجهة الأخرى، تقدم تسهيلات منها طرق يتمكن من خلالها "المتطوعون" من تحويل النقود إلى أهاليهم في العراق، وقائمة بالجمل العسكرية مترجمة إلى الروسية. وقد اتصلت الوكالة برقم شاركته القناة، فتبين أن كل ما يحتاج إليه الراغبون هو نسخة من جواز السفر، ورقم الهاتف، وعنوان السكن!
العراق جنة ال"يوتيوبرز" وجحيم العراقيين
25-05-2022
تدخل سرديات "المتطوعين" إلى عقول المراهقين. فالبطالة التي ترمي بشباكها لتتصيد أكثر من 30 في المئة في بعض مناطق جنوب العراق، وتطال شاباً (من سن ال15 الى سن ال 24) من كل ثلاثة شباب في العراق، فضلاً على عن تسرّب الطلبة من المدارس بتشجيع من الأهل أو ضغوطهم، فيعملون في أشغال منهكة للمشاركة في تحمل تكاليف العيش، وقمع المتخرجين المتظاهرين المطالبين بحقوقهم وبفرصٍ للعمل، واليأس المتفشي لدى الجيل الجديد الذي لم تثمر له كل تضحيات السابقين عن حاضر أفضل، كلها عوامل تسهم في اختيارهم "التطوع".
لكن الواقع يختلف، فأحد المصابين الذين ترحم عليهم القائد الروسي وأعادهم إلى بلادهم، يقول في لقاء تلفزيوني[3]، إن المتطوعين يوقعون على أوراق لمحامٍ روسي يعينه المتعهد، وهي أوراق توكله أموال المنحة البالغة عشرات آلاف الدولارات، لا تُحوَّل إلى المتطوع كاملة، بل على دفعات، على أمل أن يستشهد الشاب، ويغتني بها المتعهد.
تشير تقارير محلية إلى وجود مكاتب سياحية ومتعهدين في بغداد وروسيا، يسهِّلون الحصول على الفيزا، بحسب شهادة "متطوع" في الجيش الروسي، اضطر إلى السفر إلى القنصلية الروسية في أربيل لاستحصال التأشيرة، لأن الذي يُضبط بمحيط السفارة الروسية في بغداد "ينشال" (أي يُعتقل أو يُختطف).
كثيرٌ من الاحصائيات يوقِف عدد "المتطوعين" العراقيين عند حد الخمسة آلاف متطوع، و"آلاف العراقيين المستعدين للانضمام إلى الجيش الروسي إذا فُتح الباب أمامهم"، كما صرّح السفير الروسي في العراق! فمرتب الجندي، بحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، تداولته وسائل إعلام كثيرة، يصل إلى 2800 دولار، وهو أربعة أضعاف مرتّب الجندي العراقي.
صفة "التطوع" هي محاولة لتجميل العملية، فآباء الحروب لطالما حاولوا إضفاء طابع أخلاقي وإنساني عليها. أما إطلاق تسمية "المرتزقة" فستخلع عن الجنود المتجهين إلى روسيا نبل المهمة.
الماضي يقول إن العراق كره المرتزقة، إذ عُلّقت جثث متعاقدين أمنيين مع شركة بلاك ووتر على جسر يعلو نهر الفرات في الفلوجة عام 2004، بعد أن سُحِلت. ولم يتحصل، مسلحو الميليشيات الذين قاتلوا في سوريا، وهم يدافعون عن نظام الأسد، على شيء. وحُكم في محكمة النجف بالمؤبد على شخصين بتهمة الاتجار بالبشر، وتشكيل جماعات وإرسالها إلى القتال في دول أجنبية، ضمن 17 شخصاً أعتُقلوا بحسب بيان[4] لمستشارية الأمن القومي في الثاني من شباط/ فبراير 2026، ومحاولات لإعادة الأسرى العراقيين ضمن الجيش الروسي في أوكرانيا، وإيقاف الزمالات الدراسية إلى روسيا لتجنب تطوعهم. هم اليوم يتحولون إلى سياح وجهتهم الموت بمسيرة أوكرانية على حدود البلدين، وتتوقف شاشات هواتف أهاليهم عن إظهار أية صورة من الزمن الحاضر لهم، أو مقطع فيديو يبتسمون فيه. تنتهي قصص حياة هؤلاء الشبان بهذه الطريقة، ولكنهم إذا ما عادت جثثهم، مع مكافأة مالية[5]، تدفن سراً من دون مراسيم، وليلاً، كون مجتمعاتهم توسم الفعل بالمُشين، وتبلغ مرحلة تؤدي إلى انتقال عائلة الجندي المقتول إلى محافظة أخرى.
يزداد التكتم الرسمي على تجنيد العراقيين، سوى بعض التصريحات الخجولة، واتهامات تطلق بعشوائية، وتنطفئ شعلة الحق كلما سارت عربة الزمن وخَلَّفَت عائلات ثكلى بأبنائها، تندب حظها وتقبل آخر اليوم بالأمر الواقع. لكن طيف الحرب العالي لا يهمد على الرغم من سواد سماء البلد، لا تتوقف سياحة الموت والمتعهدين ومصدِّري الشهداء.
كيف يمكن حماية الشباب؟
تبرز جملة "تشكيل لجنة" كحل سحري لا يحتاج إلى عصا ولا إلى مصباح علاء الدين، بل يرفع المسؤولية عن السلطات. ولا تنتج تلك اللجان ما يؤخذ به. وهي لا تتشكل قبل الكارثة، ولا خلالها، ولكن بعدها، بعد أن تهبط السيدة موت من عليائها، كي تقطف كل ما تطاله يدها من بستان العراق.
على الورق، يحظر الدستور العراقي، المادة التاسعة، تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار الدولة، وهذا الدستور هو المادة القانونية الأولى في العراق، إلا أن تطبيقه بالكامل يواجه صعوبات.
ترمي البطالة بشباكها لتتصيد أكثر من 30 في المئة في بعض مناطق جنوب العراق، وتطال شاباً (من سن ال15 الى سن ال 24) من كل ثلاثة شباب، فضلاً عن تسرّب الطلبة من المدارس بتشجيع من الأهل، فيعملون في أشغال منهِكة للمشاركة في تحمّل تكاليف العيش، وقمع المتخرجين، واليأس المتفشي لدى الجيل الجديد الذي لم تثمر له كل تضحيات السابقين عن حاضر أفضل، كلها عوامل تسهم في اختيارهم "التطوع".
صفة "التطوع" هي محاولة لتجميل العملية، فآباء الحروب لطالما حاولوا إضفاء طابع أخلاقي وإنساني عليها. أما إطلاق تسمية "المرتزقة" فستخلع عن الجنود المتجِهين إلى روسيا نبل المهمة. والماضي يقول إن العراق كره المرتزقة...
مؤخراً خرج عضو في مجلس النواب العراقي، وعمله تشريع القوانين والمراقبة، في فيديو مصوَّر من جرف نهرٍ ملوث وخلفه جسر الجادرية الذي شهد حالات انتحار كثيرة، ووجه، لحماية المواطنين، برفع سياج الجسر مترين ونصف! فهل لمنع تجنيد الشباب ليقاتلوا في أراضٍ وراء الحدود سيقررون بناء سور بارتفاع مترين ونصف بيننا وروسيا؟ هل سيمنعون شاباً من كل ثلاثة شبان بين الأعمار المذكورة آنفًا من التحرك لئلا يقتل نفسه؟ وكيف يمكن إشباع الموت بما يكفي كيلا يخطف العراقيين، بكل الأسباب الممكنة؟
تعبانة.. عن صحة العراق النفسية
27-06-2024
بحسب الأسطورة، عاقبتِ الآلهة سيزيف بحمل حجرٍ حتّى قمة الجبل، أنّى بَلَغها، يتدحرج الحجر، ويعيد سيزيف الكرة طوال حياته، كان العِقاب أن يُنتزع معنى حياته منه، أن يتصرف بعبثية إلى الأبد. في العراق، لا تتخذ الحياة قالباً مكرراً عبثياً، بل هو الموت الذي يفعل. هنا حالة "تطبيع" مرعبة مع الموت، باعتباره عادة، وقابلاً للحدوث، ولا يُمكن تجنبه. وموت الفتية على جبهات الحرب الروسية الأوكرانية، سبب من بين أسباب لا تعد ولا تحصى!
- -"سفير موسكو في بغداد يسوّق لتجنيد عراقيين للمشاركة في حرب روسيا"، المرصد العراقي لحقوق الإنسان، 27 تشرين الأول / أكتوبر 2025. https://shorturl.at/EkM5b ↑
- - "كيف تستدرج روسيا العراقيين للقتال في أوكرانيا؟"، موقع "الجزيرة نت"، 5 تشرين الأول / أكتوبر 2025. https://shorturl.at/Bufa6 ↑
- - "جنود روسيا العراقيون.. ضحايا مدانون | الملف 13"، قناة الرشيد الفضائية (فيديو)، 25 كانون الأول / ديسمبر 2025. https://shorturl.at/VF0cg
- -"اعتقال 17 متهماً بتجنيد عراقيين للقتال في الجيش الروسي"، موقع 964+، 26 شباط / فبراير 2026. https://shorturl.at/JH0ue ↑
- - "كيف تجند روسيا عراقيين للقتال من أجلها في أوكرانيا؟"، دويتشه فيله عربي، 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2025. https://shorturl.at/y95Av ↑






