أمضت صفاء[1]، العاملة ذات الـ 29 ربيعاً أربع سنوات، في إحدى شركات "الكابلاج" (صناعة ضفائر الأسلاك الكهربائية) في مدينة القنيطرة (شمال الرباط)، لتصف بعدها تجربة قاسية تجاوزت حدود الوظيفة الشاقة، تاركة ندوباً غائرة في جسدها وتفاصيل حياتها اليومية.
عرضت الشابة فحوصات وشهادات طبية توثق إصابات في الظهر والعمود الفقري، نتيجة ساعات الوقوف الطويلة داخل المصنع. التحقت صفاء بهذا القطاع فور حصولها على الإجازة في علم الاجتماع، متخذة منه حلاً مؤقتاً ريثما تظفر بفرصة أفضل، بعيداً عن أي اختيار مهني متعمَّد. غير أنها أدركت، بعد مرور أشهر قليلة، الاستنزاف الحاد لوقتها وطاقتها.
تتجاوز هذه المعاناة حالة صفاء الفردية، لتتقاطع مع شكاوى عاملات في مصنع للضفائر الكهربائية في الصخيرات، تحدثن عن الحرمان من تعويضات الساعات الإضافية، والتضييق على العمل النقابي، والشعور بالمهانة داخل فضاء العمل. وتكتسب هذه الشهادات دلالتها حين توضع إلى جانب مكانة الكابلاج داخل صناعة السيارات المغربية، التي وفرت أكثر من 250 ألف وظيفة مباشِرة، وحققت تعاملات تجاوزت 196 مليار درهم (حوالي 19 مليار دولار) سنة 2024، وفق بيانات بارومتر الصناعة المغربية. فيما بلغت قيمة صادرات "الكابلاج" 57.8 مليار درهم (حوالي 5.7 مليار دولار) سنة 2025 . وقد عززت الدولة هذا المسار بثمانية مشاريع في قطاع الأسلاك الكهربائية، بقيمة 1.7 مليار درهم (حوالي 170 مليون دولار)، يُنتَظر أن توفِّر حوالي 12 ألف وظيفة مباشِرة، وتوسِّع تصنيع الموصلات ومحطات حزم الكوابل والأسلاك الخاصة بالسيارات الكهربائية.
طنجة: نِساءٌ من قماش
01-03-2020
نساء تصبير السمك: لقمة عيش بطعم المهانة، بمقابل إنتاج ثروات مهولة
17-03-2020
تدل هذه المفارقة على أن أهمية "الكابلاج" الاقتصادية لا تلغي الأسئلة المتعلقة بطبيعة العمل الذي يقوم عليه. إذ يندرج هذا النشاط ضمن منظومة سيارات موجهة إلى الأسواق الخارجية، ويعمل داخل سلاسل إنتاج تمتد بين شركات ومواقع وبلدان متعددة. لذلك يفتح "الكابلاج" على سؤال أوسع، يتعلق بموقع المغرب داخل تقسيم الإنتاج العالمي، وبمنطق "الأوفشورينغ"[2] الذي يعيد توزيع مراحل الإنتاج وفق الكلفة والقرْب والتنافسية ضمن اقتصاد نيوليبرالي، بما يسمح بقراءة هشاشة العمل خارج حدود المصنع، وداخل الشروط الاقتصادية التي تُنظِّم وجوده.
عمل يتبعه عمل
تبدو صناعة ضفائر الأسلاك الكهربائية ("الكابلاج") من الخارج عملية تقنية دقيقة التخصص، غير أن قسطاً وافراً من إنتاجها يعتمد أساساً على مهام يدوية متكررة، تشمل قَطع الأسلاك وتجهيزها، وتركيب الموصلات وتجميعها في ضفائر، وتثبيت الملحقات، وصولاً إلى فحص المنتَج النهائي. وتؤكد الدراسات المتخصصة في هندسة تصنيع الضفائر صعوبة تحقيق الأتمتة الكاملة حتى اليوم، مما يجعل مراحل التجميع مرتهِنة بدرجة كبيرة لليد البشرية.
يبدو أن العامل في "الكابلاج" يشتغل وفق وتيرة عمل يتبعه عمل، إذ ينفذ مرحلة محددة ضمن سلسلة متصلة، فتُقسَّم عملية الإنتاج إلى مهام دقيقة تُضبَط أوقاتها وتُراقَب جودتها وإنتاجيتها. وهو يؤدي المهمة نفسها مرة بعد أخرى وفق إيقاع خط الإنتاج، وحين تنتهي قطعة تبدأ أخرى، وعندما تنتهي دورة تبدأ دورة جديدة.
عرضت صفاء فحوصات وشهادات طبية توثِّق إصابات في الظهر والعمود الفقري، نتيجة ساعات الوقوف الطويلة داخل المصنع. التحقت الشابة بهذا القطاع فور حصولها على الإجازة في علم الاجتماع، متخذة منه حلاً مؤقتاً ريثما تظفر بفرصة أفضل، بعيداً عن أي اختيار مهني متعمَّد. غير أنها أدركت، بعد مرور أشهر قليلة، الاستنزاف الحاد لوقتها وطاقتها. وتحدثت عاملات في مصنع للضفائر الكهربائية في الصخيرات عن الحرمان من تعويضات الساعات الإضافية، والتضييق على العمل النقابي، والشعور بالمهانة داخل فضاء العمل.
وتفرض حركة الخط وصول كل ضفيرة إلى المحطة التالية في الوقت المحدَّد، لتصبح السرعة والانضباط جزءاً من العمل نفسه. وقد وثقت شهادات صحافية داخل مصنع للكابلاج حضوراً مكثفاً للمشرِفين، وضبطاً للحركة وفترات الراحة، إلى جانب الورديات الطويلة.
تكتسب تجربة النساء في هذا السياق أهمية بالغة، إذ تتسم صناعة ضفائر السيارات بشمال إفريقيا بطابع نسائي ملموس. وتقدِّر إحدى الدراسات عدد المشتغِلين بهذا النشاط في المغرب وتونس ومصر بما يفوق مئة ألف، غالبيتهم من النساء. كما تؤكد شركة "سوميتومو إلكتريك" في المغرب حضوراً لافتاً للنساء في قطاع "الكابلاج"، مبرزة في تقاريرها تشغيل شبكة واسعة من العاملات داخل مصانعها المغربية[3].
يثير الحضور الكثيف للنساء في "الكابلاج" سؤالاً عن الأسباب، التي جعلت هذا النشاط يستقطب نسبة مرتفعة من اليد العاملة النسائية، في صناعة تعتمد على أعمال دقيقة ومتكرِّرة، وداخل بيئة تظل فيها قدرة النساء على التفاوض في سوق الشغل محدودة. وتساعد شهادات العاملات على فهم هذه العلاقة بصورة أوضح. تؤكد نجية[4] التي عملت سنةً في مصنع "كابلاج" في عين عودة (ضواحي مدينة الدار البيضاء)، وقوفها ثماني ساعات متواصلة مقابل دقائق معدودة للراحة، مقترِنة بصعوبة الولوج إلى الحمام. وتلخص تجربتها المهنية في التعرض للشتائم، والضغط المستمر، وتنامي الرغبة في مغادرة القطاع. وتتوازى ظروف هذه العاملة مع إفادات صحافية لعاملات أخريات نُشرت سنة 2019، تناولت قسوة الحياة اليومية، وحجم الضغوط المتعلقة بساعات العمل، والتعويضات المادية، وظروف المعاملة داخل الفضاء الصناعي. ويظهر أن المهام الدقيقة والمكررة تستقطب أعداداً هائلة من العاملات، في حين تفضح الشهادات السابقة حجم الضغط القاسي المرافق لأداء تلك الأعمال.
الزمن الأوروبي الذي أنهك المغاربة
25-04-2026
تظل هذه الشهادات، على الرغم من ارتباطها بتجارب محددة، مهمة في ضوء ما توثِّقه الدراسات المتخصصة حول طبيعة العمل ومخاطره الجسدية. وفي هذا السياق، رصدت الدراسات مخاطر فعلية في عمليات تجميع ضفائر السيارات، تشمل الحركات المتكررة، والوضعيات الشاقة للذراعين والكتفين والظهر والرسغين. ويفسر هذا المعطى صعوبة اختزال "الكابلاج" في عمل لا يحتاج إلى تأهيل عالٍ، فعلى الرغم من بساطة المعرفة المطلوبة بعد التدريب، قد تكون كلفة العمل الجسدية مرتفعة، بسبب تكرار المهمة طوال ساعات الوردية.
أجر قليل وعمل كثير
تظهَر معالم الهشاشة بوضوح، عند تقاطع مستويات الأجور مع ظروف العمل، ومدى الاستقرار، وآفاق الترقي. في هذا السياق، تطرقت نائبة برلمانية مغربية، ضمن سؤال كتابي موجه إلى الحكومة عن أوضاع شغيلة "الكابلاج"، إلى تلقي شكاوى من عدة مدن. وتؤكد هذه الشكاوى قضاء عمال وعاملات زهاء 8 إلى 12 ساعة عمل يومياً مقابل فترات راحة شحيحة، وتَقَاضِي أجور تقارب 2600 درهم (حوالي 260 دولاراً) في بعض الحالات، ويقل هذا المستوى عن الحد الأدنى القانوني للأجر البالغ 3,422.72 درهماً (حوالي 350 دولاراً شهرياً)، فضلاً عن تجاوزات تتصل بالعمل الإضافي والحقوق النقابية وشروط الصحة والسلامة.
تكشف هذه الأرقام عن فجوة واضحة بين الوزن الاقتصادي للقطاع، وما يحصل عليه العامل مقابل جهده. وتبرز الهشاشة أيضاً في محدودية المهارة المطلوبة لبعض المهام. فحين تقتصر الوظيفة على خطوات محددة ومتكررة، يصير انتقال العامل بين المهام أو استبداله أسهل، فيما تظل خبرته مرتبطة بجزء ضيق من عملية الإنتاج. ويحدّ هذا التخصص المجزأ من قدرته على التفاوض، ويجعل بناء مسار مهني أكثر استقراراً أمراً أصعب.

على الرغم من صعوبة العمل، تدفع الحاجة العامل في "الكابلاج" إلى الاستمرار فيه، استجابة لمتطلبات الوفاء بالإيجار وإعالة الأسرة.
نساء الحي الصناعي: ومع ذلك ما زلن يعملن
19-06-2014
وبموازاة ذلك، تجسد حالة العاملة كوثر[5]، وجهاً إضافياً لصور الهشاشة المهنية. إذ التحقت سنة 2012 بمصنع للكابلاج في منطقة عين السبع بالدارالبيضاء، ومكثت فيه عامين قبل أن تقرر إدارة المصنع نقل خطوط الإنتاج إلى وحدتها في مدينة برشيد (40 كيلو متراً جنوب الدار البيضاء). وعجزت العاملة عن الالتحاق بالموقع الجديد، لتنتهي علاقتها المهنية مع الشركة، وتبدأ رحلة بحث طويلة عن عمل، مستمرة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2014. تبين هذه الواقعة أن نقل موقع الإنتاج قد يكون قراراً سهلاً للشركة وفقاً لمصالحها وحساباتها الاقتصادية، لكنه قد يعني للعامل فقدان وظيفته عندما يتعذر عليه الانتقال.
تفتح صناعة الضفائر أو "الكابلاج" على سؤال أوسع، يتعلق بموقع المغرب داخل تقسيم الإنتاج العالمي، وبمنطق "الأوفشورينغ" الذي يعيد توزيع مراحل الإنتاج وفق الكلفة والقرْب والتنافسية ضمن اقتصاد نيوليبرالي، بما يسمح بقراءة هشاشة العمل خارج حدود المصنع، وداخل الشروط الاقتصادية التي تُنظِّم وجوده.
وفرت صناعة الكابلات أكثر من 250 ألف وظيفة مباشِرة، وحققت تعاملات تجاوزت 196 مليار درهم (حوالي 19 مليار دولار) سنة 2024، وفق بيانات بارومتر الصناعة المغربية. فيما بلغت قيمة صادرات "الكابلاج" 57.8 مليار درهم (حوالي 5.7 مليار دولار) سنة 2025 .
ترصد منظمة العمل الدولية سلاسل التوريد العالمية، التي قد توفر مناصب شغل أكثر من بعض الفرص المهنية البديلة المحلية، ولكنها لا تمنع استمرار الأجور المتدنية وساعات العمل الطويلة وأشكال التشغيل المرنة. فظروف العمل داخل المصنع ترتبط ببنية إنتاج تمتد إلى خارج حدوده.
عندما تُرَحَّلُ مراحل الإنتاج
ترتبط إقامة الصناعة في المغرب بالحاجة إلى العمل اليدوي، وانخفاض كلفة الإنتاج، والقرب من أوروبا. كما أن المراحل التي رُحّلت إلى شمال إفريقيا هي بالذات تلك التي يمكن فصلها عن بقية عملية التصنيع ونقلها إلى موقع آخر، مع بقاء حلقات أعلى من السلسلة في الخارج.
يحتل المغرب هذا الموقع بفضل قربه من أوروبا، وموانئه وطرقه، ومناطق التسريع الصناعي، واتفاقياته التجارية، وقوة عمل قابلة للتدريب. وترى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن قطاعي السيارات والطيران دخلا إلى المملكة، الى حدٍ كبير، عبر مراحل كثيفة الاستخدام للقوى العاملة، مستفيدين من الكلفة والموقع وتوافر اليد العاملة. بيد أن اندماج المغرب في سلاسل الإنتاج لا يعني أنه يحتفظ بكل القيمة التي تدخل في صادراته. إذ تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD إلى أن القيمة المضافة الأجنبية تمثل حوالي ربع القيمة الإجمالية للصادرات المغربية، أي أن جزءاً من قيمة هذه الصادرات يتولد خارج البلاد. وتتركز بعض الأنشطة داخل المغرب في التجميع والكابلاج والمقاعد، بينما تأتي مكونات ومواد أخرى من الخارج. لذلك لا تعكس قيمة المنتَج النهائي وحدها مقدار القيمة التي ينتجها المغرب، لأن مراحل تصنيعه تتوزع بين بلدان وشركات مختلفة.
يكشف "الكابلاج" بوضوح، عن إحدى خصائص الأوفشورينغ، أي تحويل مرحلة من عملية صناعية واسعة إلى نشاط يمكن نقله إلى موقع آخر، ما دامت اليد العاملة والبنية اللوجستية والكلفة تلائم متطلبات السلسلة. وقد استفاد المغرب من هذه المعادلة، غير أن الاعتماد الكبير على العمل اليدوي يجعل موقعه معرضاً بدوره لإعادة الترتيب مع تطور الأتمتة. ولا تتوقف هذه الطريقة في توزيع الإنتاج عند ضفائر السيارات، فهناك النسيج الموجه أساساً إلى السوق الأوروبية، وصناعة الطيران التي تشمل في المغرب الأنظمة الكهربائية والتجميع والهندسة والصيانة، من دون إغفال الأوفشورينغ الخدمي، الذي ينقل إلى المغرب مراكز النداء وخدمات تكنولوجيا المعلومات، وتطوير البرمجيات، وخدمات الأعمال، وقد بلغ عدد العاملين فيه أكثر من 148 ألف عامل سنة 2024، مع صادرات تجاوزت 26 مليار درهم. وتختلف هذه الأنشطة في طبيعة العمل وقيمته وشروطه، لكنها تشترك في توزيع مراحل الإنتاج، أو الخدمة بين المغرب ومواقع أخرى خارج حدوده.
تتحدد مواقع الإنتاج وفق مجموعة من العوامل تتجاوز كلفة العمل. فقد أشارت منظمة الأونكتاد إلى توجه الشركات نحو تنويع المورِّدين، وتقليل مخاطر سلاسل الإمداد، وتقريب بعض مراحل التصنيع من الأسواق النهائية، فيما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية استمرار انتشار سلاسل القيمة، وتوزُّع الإنتاج والخدمات والمدخلات بين اقتصادات متعددة. لذلك يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه داخل هذه الشبكات والانتقال إلى مراحل أعلى قيمة، مما يفسر توجه السياسة الصناعية نحو توطين المكونات، وتعميق الاندماج المحلي، والارتقاء في صناعة الأسلاك وسواها.
عمل هش في ظل النيوليبرالية
يحوِّل منطق المنافسة العالمية خفض الكلفة ورفع الإنتاجية والقدرة على التكيف، إلى شروط لاستمرار الشراكات داخل سلاسل الإنتاج. وتنتقل آثار هذا الضغط إلى المصانع ومقرات العمل، عبر الأسعار وآجال التسليم وتقلُّب الطلب، الذي تربطه منظمة العمل الدولية بتأثيرات مباشرة في الأجور وساعات العمل وظروف التشغيل لدى العمال الموجودين في أسفل السلسلة. وتتحمل الشركات جزءاً من هذه الضغوط، غير أن العامل يملك قدرة أقل على التعامل معها، إذ يستطيع صاحب العمل تغيير المُورِّد أو إعادة تنظيم الإنتاج، في حين يرتبط العامل بوظيفته ودخله ومكان عيشه.
وتتمظهر تجليات هذه المشكلة، في مثال عزوف عدد من العمال عن الاستمرار في الكابلاج بطنجة، حيث ارتبطت مغادرتهم بمستوى الأجر ومشقة العمل وضغطه. وتضيف الأتمتة مستوى آخر من عدم اليقين، إذ تشير الدراسة الخاصة بصناعة ضفائر السيارات في شمال إفريقيا، إلى أن دفع الشركات نحو الأتمتة ونقْل الإنتاج إلى مصانع التجميع الأوروبية الأقرب، قد يهدد موقع بعض البلدان النامية ضمن مراحل الإنتاج.
تكتسب تجربة النساء في هذا السياق أهمية بالغة، إذ تتسم صناعة ضفائر السيارات بشمال إفريقيا بطابع نسائي ملموس. وتقدِّر إحدى الدراسات عدد المشتغِلين بهذا النشاط في المغرب وتونس ومصر بما يفوق مئة ألف، غالبيتهم من النساء. كما تؤكد شركة "سوميتومو إلكتريك" في المغرب حضوراً لافتاً للنساء في قطاع "الكابلاج"، مُبْرزة في تقاريرها تشغيل شبكة واسعة من العاملات داخل مصانعها المغربية.
يُحوِّل منطق المنافسة العالمية خفض الكلفة ورفع الإنتاجية والقدرة على التكيف، إلى شروط لاستمرار الشراكات داخل سلاسل الإنتاج. وتنتقل آثار هذا الضغط إلى المصانع ومقرات العمل، عبر الأسعار وآجال التسليم وتقلُّب الطلب، الذي تربطه منظمة العمل الدولية بتأثيرات مباشرة في الأجور وساعات العمل وظروف التشغيل لدى العمال الموجودين في أسفل السلسلة.
تحاول السياسة الصناعية للمغرب مواجهة هذا القيد عبر الانتقال إلى مراحل أعلى قيمة، من خلال توطين الموصلات، ومحطات حزم الكوابل والكابلات الخاصة بالسيارات الكهربائية، وتطوير مهن تكنولوجية ومراكز للهندسة الكهربائية. غير أن ارتفاع قيمة الإنتاج لا يعني بالضرورة تحسن وضع العمل، إذ يحتاج الارتقاء الصناعي إلى انتقال موازٍ، في مهارات العامل وفرص ترقّيه واستقراره، حتى يستفيد العامل نفسه من انتقال الصناعة إلى مهام أكثر تعقيداً وقيمة، ولا يبقى محصوراً في الأعمال الأكثر تكراراً وقابلية للاستبدال.
يشي هذا المشهد بتأثير منطق النيوليبرالية في علاقات الشغل، إذ تدفع المنافسة الشركات إلى خفض الكلفة ورفع الإنتاجية والحفاظ على قدرتها على التكيف مع تغيرات السوق، فيما تحرص الدول على إبقاء مواقعها الصناعية جاذبة للاستثمار. وتنتقل آثار هذه الخيارات إلى العامل، حين يتحول ضغط الأسعار والطلبيات وإعادة تنظيم الإنتاج، إلى ضغط على الأجر والزمن والاستقرار المهني.
لذا، سيظل هذا العمل هشّاً..
يجسد قطاع "الكابلاج" في المغرب مفارقة تنموية صارخة، إذ أفلح في دفع عجلة التصنيع، وتحفيز الصادرات واستحداث آلاف الوظائف، بيد أنه كرس نمطاً مهنياً يرتهن لرتابة التكرار، واستنزاف الإنتاجية، وضآلة الأجور، ومحدودية الآفاق المهنية.
وعليه، لا تتعلق هذه القضية برفض "الأوفشورينغ"، وإنما بشروط الاندماج فيه. ويحتاج المغرب، مع توسُّع هذه الصناعات، إلى الاحتفاظ بجزء أكبر من المعرفة التقنية والقيمة المضافة، بالتوازي مع رفع مهارات العامل وأجره وفرص تقدمه المهني. حينها يمكن للتصنيع أن يصبح رافعة للترقي والاستقرار الاجتماعي، وليس وسيلة للحفاظ على التنافسية عبر خفض كلفة العمل وحدها. أما إذا استمرت التنافسية مرهونة بمدى تحمُّل العامل لضغوط التكرار والمرونة، فسيظل "الكابلاج" هشاً وتجسيداً لعمق المأزق النيوليبرالي، إذ قد تتوسع أرقام التشغيل، فيما تترسخ الهشاشة كحقيقة قاسية وملموسة في الواقع المعاش للعمال.. والعاملات بدرجة أقسى.
- شهادة منشورة في منصة "هن". ↑
- " ترحيل الخدمات"، أي إعادة توطين عدد من أعمال الشركات الكبرى الأجنبية، في البلدان ذات الأجور والتكاليف المنخفضة، حيث يمكنها أن تجد المهارات اللازمة للتقليل من التكاليف، وهي عادة تكون منظَّمة من خارج العملية الانتاجية والضريبية والقانونية للبلد المستقبِل. ↑
- في المغرب تحديداً، تظهر البيانات المنشورة لدى «سوميتومو إلكتريك» مدى الحضور النسائي في القطاع، إذ كانت المجموعة تشغّل 14,398 امرأة مقابل 3,590 رجلاً، أي حوالي 80 في المئة، من مجموع عامليها بالمغرب، خلال العام 2015. ↑
- شهادة منشورة في منصة "هن". ↑
- شهادة منشورة في صحيفة "ليكونوميست" الورقية المغربية. ↑



