إعداد وتحرير: صباح جلّول
رجلٌ يرتدي قفطاناً أبيض وطربوشاً بشراشيب، راكعٌ أرضاً، كفّاه مفرودتان على الأرض تحمِلان وزنه فيما هو يخرّ إلى أدنى، إلى حيث تقف قدمان بحذاء رياضي أبيض، وما يبدو أنه بزّة رسمية. الصورة مقتطعةٌ عند الخصر، فلا نرى وجه الرجل ولا وجه الصبيّ الواقف مرتدياً بزة بيضاء ناصعة قربه. تلك هي الصورة التي تتربع على غلاف أغنيةٍ بعنوان "نشيد"، لمغني "الراب" المغربي مهدي اليوبي، المعروف باسمه الفنّي Mehdi Black Wind. بعض البحث يُظهر سياق الصورة، فقد التُقطَت عام 1970، وتظهر الصورة الكاملة مواطناً مغربياً يقبّل أقدام الملك محمد الثاني، وإلى جانبه ولي العهد آنذاك، طفلٌ هو الملك الحالي للمغرب محمد السادس. ينظر الطفلُ إلى الرجلِ من علٍ، كأنه قدرٌ أن يكونا حيث هما..

مناسبة استحضار الصورة هي حملة اعتقالات تتجدّد في المغرب، تطالُ مغنّي راب وأصحاب رأي ومدوِّنين، كان أحدثهم مغني الراب طارق التازي، المعروف باسم "تي-فلو"، وقد ألقت الشرطة المغربية القبض عليه في مدينة فاس، بعد نشره لمقطع فيديو على صفحته على انستغرام، يوجّه فيه انتقادات لاذعة وشتائم للحكومة المغربية برئاسة عزيز أخنوش. في الفيديو، يقول "تي-فلو" إن الحكومة "تعتدي على المواطن المغربي"، متسلّحاً بآية من سورة البقرة ليقول بضرورة ردّ هؤلاء "المعتدين": "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أنّ الله مع المتّقين". وما هي إلا ساعات حتى اختفى المقطع عن صفحته وقُبض على "تي-فلو" من منزله.

"في البريمير (الابتدائي) حفظونا النشيد، كذبوا علينا
"أنوار بلاد الأحرار"، ساعة كبرنا لقينا
البلاد حاكمينها الأشرار، كلّها ظلمات
لا تلوموني عالحق، هيّ اللي بغت".
الكلّ فكّر يدير بروجيه (مشروع) يخدم معاه إخواته
نبقاو كاملين في المغرب، ياك وعليه نموتوا (أن نبقى جميعاً في المغرب ونموت من أجله) ".
هذه الكلمات من أغنية "نشيد" لزميل "تي-فلو"، مغني الراب مهدي اليوبي، الذي اعتقلته الشرطة القضائية في المطار في مدينة الرباط في تموز/يوليو الماضي، بتهمة "القذف والسبّ أو المسّ بالحياة الخاصة لشخص الملك أو شخص ولي العهد". اليوبي الذي يقيم في فرنسا منذ عام 2017، والذي يغني عن كلّ الأسباب التي تجعله يريد لنفسه البقاء في بلده، والموت من أجلها وإصلاحها، اعتُقل أثناء زيارة بلده، ومُنع من العودة إلى فرنسا. وبعد 18 يوماً في السجن، تحت ضغط حملات عالمية مطالِبة بحريته، أطلِق سراحه في أول آب / أغسطس، على أن يبقى منتظِراً محاكمته في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر القادم، بينما ينتظر "تي-فلو" محاكمته في فاس في 27 آب / أغسطس الحالي، وتتأخر مواعيد المحاكمات بسبب إضراب المحامين في البلاد.
يصف اليوبي نفسه بالفنان "الملتزِم"، وقد صرّح غير مرّة برأيه بلزوم اختلاط السياسة والنضال في الفنّ والرياضة وشتى المجالات، وهو يُعتبر من أهم فناني الراب في الساحة المغربية، ويميّزه تماسُك طرحه وثقافته السياسية والموسيقية، التي جعلت منه محرِّضاً واسع التأثير لدى الشباب في المغرب والشتات، فقد برزت أعماله مع ثورات الربيع العربي.
وبالمجمل، تثير ساحات الاحتجاج الشعبية قلق السلطات كما هي مركز اهتمام الشباب والناشطين، خاصة بعد تظاهرات "جيل زد" التي انفجرت عام 2025، إذ عادت السلطات تكثِّف ممارسة القمع الصريح للأصوات الجريئة المنتقدة لـ"المخزن" و"البَطانة"، وهي تعبيرات محلّية تعني حاشية الملك وأصحاب المناصب المنتفِعين، وتذكرها أغاني الراب بكثرة، وبكثير من السخرية والشتم.
ثمة أدلة على قرار تكثيف الاعتقالات والقمع المباشر، إلى جانب حالة "تي-فلو" و"مهدي بلاك ويند". قبل يوم واحد من اعتقال مهدي اليوبي، اعتُقِل الصحافي المغربي علي المرابط، وحُكِم على مغني الراب صهيب قبلي، الملقّب بـ"الحاصل"، بالسجن ثمانية أشهر بسبب أغانٍ وتدوينات انتقد فيها الفساد في المغرب واستمرار السلطات في التطبيع مع إسرائيل. كذلك صدر حكم بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ بحق زينب خروبي، وهي من أبرز ناشطي حركة "جيل زد" الاحتجاجية، التي قادها شباب وشابات للمطالبة بتحسين الخدمات الصحية، وإصلاحات في قطاع التعليم، بدل البذخ على المنشآت الفارغة والفساد. وقد تمكنوا من تحشيد تحرك شعبي واسع في الشارع العام الماضي، واجهته السلطات بعنفٍ خلّف ثلاثة قتلى ومئات المعتقلين.


تعليقاً على الاعتقالات المتتالية، كتب مغني الراب المغربي حمزة رائد (الذي ينتظر هو الآخر محاكمته في شهر أيلول/ سبتمبر القادم!) على صفحته على انستغرام: "العلاقة التعاقدية اللي عندنا مع الدولة تكفل لنا حرية التعبير/ والانتقاد للسلطة والحكومة مكفول بالرأي والفن (...)" وأضاف أن الناس لم تأتِ إلى منزلكم تدقّ عليكم الأبواب بعد، لكن عليكم ربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبِراً أنّ الناس سيحاسِبون المسؤولين بطريقتهم إن لم يتّعظوا. سخر رائد مما وصلت إليه الأمور، فشارك أسماء الفنانين المنتظِرين محاكماتهم مع تواريخها، قائلاً: هذه ليست تواريخ حفلاتنا القادمة، بل محاكماتنا!
أعاد الشباب والناشطون ومجتمع "الراب" عبارة ووسم #Free_Koulchi (أي "الحرية لجميع المعتقلين") إلى الواجهة، وهي عبارة انتشرت في المظاهرات والتحركات التي رافقت الربيع العربي، في وقت تبدو فيه فكرة السلطة حول ضبط الشارع والمعترِضين تتخذ شكلاً واحداً، تعتبره طريقاً مختصراً للملمة الأمور، هو القمع. على هذا ردّ مهدي اليوبي "بلاك ويند" يوماً، بالتحذير من أنّ هذا الضغط سيؤدّي بالشباب إلى الحقد واحتمال السجن والأذى ثمناً لأملهم بالتغيير...
"غَندير فالراپ الكوديطا،
الدراري معايا حاقدين، بالسيف حياتهُم موڤيطا،
غير خودوني - البانضا فعيني،
حلّوا تزمَمارت ولوحوني."
(في الراب سأقوم بانقلاب،
مع رفاقي الحاقدين، طبعا لأن حياتهم عواصف،
... هَيّا، خذوني، اعصبوا عينيّ،
أعيدوا فتح تزمَامارت[1]، وارموني فيه).
- أشهر سجون المعتقلين السياسيين السرية في المغرب. اعتُبر رمزاً للقمع وإسكات الأصوات في عهد الملك الحسن الثاني. ↑


