التعليم المغربي "جيد".. أكذوبة فرنسية؟

تتأسس النظرة الفرنسية الرسمية تجاه المنظومة التعليمية المغربية، على انتقائية تعزل القمة عن القاعدة، حيث تنظر باريس إلى المدرسة المغربية من خلال عدسة "الأقسام التحضيرية"، والمتخرجين في مدارس المهندسين، الذين يندمجون بسلاسة في نسيجها الأكاديمي والاقتصادي. فهم يصلون إلى سوق العمل الفرنسي جاهزين للاستغلال. وتتغاضى هذه النظرة الدبلوماسية عن السياق الشامل الذي يُنتِج هذه النخبة، لتتعامل مع الكفاءات المصدَّرة كمؤشر إلى عافية المنظومة ككل، متجاهلة التكلفة الباهظة التي يتكبدها المجتمع المغربي، لإنتاج هذه القلة القليلة على حساب الأغلبية الساحقة.
2026-07-02

سعيد ولفقير

كاتب وصحافي من المغرب


شارك
ثانوية التميز في "بنجرير"، المغرب

"الخارج لا يرى من مدرستنا سوى النخبة التي تنجح في عبور الحدود". تلخص هذه العبارات التي نطق بها كمال، المدرِّس في إحدى قرى جنوب أكَادير (وسط غرب المغرب) عمق المفارقة إزاء كلام الرئيس الفرنسي ماكرون الذي يبدو كمديح، أو ككذبة غير مُقْنِعة تجاه التعليم المغربي برمته، إذ يراه الأفضل والأجود على الإطلاق في إفريقيا، استناداً إلى كفاءة المتخرجين المغاربة داخل المدارس الفرنسية الكبرى. لكن هذا الخطاب السياسي المُحتفي بالنخبة المصدَّرة، يقف على النقيض تماماً من يوميات هذا المدرِّس المثقلة بضعف التحصيل اليومي للتلاميذ، ومحاربة الهدر المدرسي، التي تعكس هوة منظومة تعليمية مصممة لإنتاج مسارات شديدة التناقض.

في المقابل، يتجسد الوجه المشرق لهذا التفاوت في مسار أحمد (19 عاماً)، ابن مدينة الجديدة وابن مدرِّس للفيزياء. إذ يترقب هذا الطالب متابعة دراسته في الأقسام التحضيرية بـ"ثانوية التميز" في مدينة بنكرير، وولوج أعرق كليات الهندسة في فرنسا كـمدرسة "البوليتكنيك"، لينضم إلى أقلية تدرس في الخارج، ولا تتجاوز 5 في المئة من أصل 1.4 مليون طالب مسجَّل في التعليم العالي المغربي. ويختزل هذا المشهد المزدوج حقيقة التعليم المغربي، الذي تعلوه قمة براقة تفرز كفاءات جاهزة للاستقطاب الدولي، وقاعدة عريضة تكابد الهشاشة وتآكل المكتسبات الأساسية.

تعليم جيد وآخر متعثر!

تتأسس النظرة الفرنسية الرسمية تجاه المنظومة التعليمية المغربية، على انتقائية تعزل القمة عن القاعدة، حيث تنظر باريس إلى المدرسة المغربية من خلال عدسة "الأقسام التحضيرية"[1] والمتخرجين في مدارس المهندسين، الذين يندمجون بسلاسة في نسيجها الأكاديمي والاقتصادي. وفي هذا الصدد، يعترف لوران شونباني، المدير العام للمدرسة الوطنية العليا للفنون والحرف، بأن "المغرب يُعدّ بالفعل خزاناً لمدارسنا الكبرى وشركاتنا، ولكن مع منافسة متزايدة لنا من المغرب نفسه". ويقدم جيرار بران، الملحق العلمي والجامعي في سفارة فرنسا في الرباط، تفسيراً لهذا التوجه، موضِّحاً أن الطلبة المغاربة في الخارج "لا يُمثِّلون سوى 5 في المئة من مجموع 1.4 مليون طالب في التعليم العالي المغربي، وعلى ذلك يبرزون بقوة في المؤسسات الفرنسية"، إذ يعزو ذلك إلى "جودة تكوينهم الأكاديمي، خاصة في الرياضيات والعلوم"، رابطاً هذا الحضور بـ "إرث تاريخي يتمثل في احتفاظ البكالوريا المغربية، إلى حد بعيد، بخصائص البكالوريا الفرنسية التقليدية التي كانت سائدة قبل عقود، وما يرتبط بها من تركيز قوي على المواد النظرية".

وعلى الخط نفسه، تعكس إشادة الرئيس الفرنسي الأخير حال الرضا التام عن منتَج تعليمي ناضج وعالي الكفاءة، يصل إلى سوق العمل الفرنسي جاهزاً للاستغلال. وتتغاضى هذه النظرة الدبلوماسية عن السياق الشامل الذي يُنتج هذه النخبة، لتتعامل مع الكفاءات المصدرة كمؤشر إلى عافية المنظومة ككل، متجاهلة التكلفة  الباهظة، التي يتكبدها المجتمع المغربي لإنتاج هذه القلة القليلة على حساب الأغلبية الساحقة. ويتشكل هذا الخطاب الخارجي كغطاء يضفي شرعية وهمية على نظام تعليمي يرزح تحت وطأة اختلالات عميقة، ويتحول إلى حجة تستخدمها بعض الدوائر؛ لتبرير استمرار الوضع القائم وتأجيل الإصلاحات الجذرية.

تؤكد معطيات البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات (PNEA) أن نسباً صادمة من التلاميذ يغادرون السلك الابتدائي، من دون القدرة على قراءة نص بسيط أو إنجاز عمليات رياضية أساسية، ناهيك عن نتائج المغرب المتأخرة في التصنيفات الدولية، من مثل برنامج التقييم الدولي للتلاميذ (PISA 2022)، الذي وضع المنظومة التعليمية المغربية في مراتب متأخرة جداً، تكشف عن هشاشة التحصيل العلمي، مقارنة بالدول المماثلة اقتصادياً وديمغرافياً للمغرب.

يصطدم تفكيك هذا الخطاب بالواقع الميداني التعليمي، الذي توثقه المؤسسات الرسمية المحلية والدولية، الكاشفة عن أزمة بنيوية تعصف بأساسيات التعلم. إذ تشير بوضوح إلى عجز تراكمي لدى تلاميذ التعليم العمومي في امتلاك الكفاءات التعلّمية الأساسية، من قراءة وكتابة وحساب. كما تؤكد معطيات البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات (PNEA) أن نسباً صادمة من التلاميذ يغادرون السلك الابتدائي، من دون القدرة على قراءة نص بسيط، أو إنجاز عمليات رياضية أساسية، ناهيك عن نتائج المغرب المتأخرة في التصنيفات الدولية، من مثل برنامج التقييم الدولي للتلاميذ (PISA 2022)، الذي وضع المنظومة التعليمية المغربية في مراتب متأخرة جداً، تكشف عن هشاشة التحصيل العلمي مقارنة بالدول المماثلة اقتصادياً وديمغرافياً للمغرب.

يتجسد هذا التناقض في المعايير والنتائج المتباينة في المدرسة المغربية. إذ تشتغل المنظومة التعليمية للبلد بإيقاعين مختلفين تماماً، وتخضع لمعايير تقييم متناقضة. فالإيقاع الأول ينتج "جودة" مصمَّمة خصيصاً للتصدير، وتلبية معايير القبول في المعاهد العليا الغربية، وتتلقى الإشادة والتنويه. أما الثاني، الذي يمس السواد الأعظم من أبناء الطبقات محدودة الدخل والمتوسطة، فينتج "تعثراً" مستمراً، وتفريخاً للأمية المقنَّعة والهشاشة الاجتماعية.

وعلى ذلك، يجد البلد نفسه أمام منظومة لا تعمل على رفع المستوى التعليمي للمغاربة، بقدر ما تعمل كآلية تصفية صارمة، تنتقي الطلاب الأكثر قابلية للتأهيل لتطرحهم في سوق العمل الدولي، وتترك البقية لمواجهة مصيرهم بمهارات تعليمية لا تُسْمن ضمن سوق عمل محلي، تتسم بالهشاشة وتدني فرص الإدماج.

فرنسا تقتطف الأدمغة المغربية

يمثل نظام الأقسام التحضيرية للمدارس العليا (CPGE) في المغرب تجلياً ملموساً لهذه الآلية الانتقائية، إذ صُمِّم هندسياً وبيداغوجياً على المقاس الفرنسي، ليقوم بدور المصفاة الدقيقة، التي تفرز النوابغ المغاربة في الرياضيات، والفيزياء، ومجالات التقنية والهندسة.

في هذا السياق، يحقق الطلبة المغاربة سنوياً أرقاماً استثنائية في مباريات دخول أعرق مدارس الهندسة الفرنسية، وهو ما يفسِّر حرص المسؤولين الفرنسيين على استمرارية هذا الخزان الاستراتيجي. إذ تستقطب هذه المعاهد عصارة الجهد المدرسي والأُسري المغربي، وتحصل على كفاءات شابة، تمّ تكوينها علمياً على نفقة دافعي الضرائب المغاربة، طيلة أسلاك التعليم الأساسي والثانوي، لتقدَّم كهدية مجانية وجاهزة، لخدمة الابتكار والصناعة في العاصمة الفرنسية وضواحيها.

تشير إحصاءات "كمبوس فرنسا" إلى أن الطلبة المغاربة في فرنسا بلغوا 42 ألف طالب خلال موسم 2024-2025، ويمثلون اليوم الجالية الطلابية الأجنبية الأولى في فرنسا، مع تركز 6 آلاف منهم في مدارس المهندسين و8500 في مدارس التجارة.

يجد البلد نفسه أمام منظومة لا تعمل على رفع المستوى التعليمي للمغاربة، بقدر ما تعمل كآلية تصفية صارمة، تنتقي الطلاب الأكثر قابلية للتأهيل لتطرحهم في سوق العمل الدولي، وتترك البقية لمواجهة مصيرهم بمهارات تعليمية لا تُسْمن ضمن سوق عمل محلي، تتسم بالهشاشة وتدني فرص الإدماج. 

تتحول مسارات التميز التعليمي، التي يفترض أن تكون قاطرة للتنمية المحلية، وتحديث البنية الاقتصادية الوطنية، إلى قناة مفتوحة للنزيف المستمر للأدمغة. إذ تستنزف هذه الدينامية الرأسمال البشري المؤهل، الذي يحتاج إليه المغرب بشدة، لتطوير بنيته التحتية وقطاعاته الصناعية والخدماتية. والشاهد على ذلك  إحصاءات "كمبوس فرنسا"، التي تشير إلى أن الطلبة المغاربة في فرنسا بلغوا 42 ألف طالب خلال موسم 2024-2025، ويمثلون اليوم الجالية الطلابية الأجنبية الأولى في فرنسا، مع تركز 6 آلاف منهم في مدارس المهندسين و8500 في مدارس التجارة. ويعكس هذا الرقم تحولاً عميقاً في وظيفة "التميز" داخل المدرسة المغربية، إذ لم يعد التفوق هدفاً للانخراط في بناء الدولة الوطنية، بقدر ما صار تذكرة عبور فردية إلى الاندماج في الدورة الاقتصادية لدول الشمال.

ينتج عن هذه المعادلة المختلة دعم اقتصادي عكسي، من بلد من "الجنوب" إلى بلد من "الشمال". فالمغرب يتحمل التكلفة المالية الباهظة، للتربية والتنشئة والتكوين الأساسي. إذ بمجرد أن يصل الطالب إلى مرحلة الإنتاج المادي والفكري يقطف الاقتصاد الفرنسي ثمار هذا الاستثمار الطويل، خاصة في ظل احتياج فرنسا لعشرات الآلاف من المهندسين والتقنيين، في السنين المقبلة. لا تقتصر الخسارة المغربية على الجانب المالي، وإنما تتعداها لتصل إلى درجة حرمان الاقتصاد المحلي، من كتلة لا يستهان بها من الأطر التقنية والمهندسين القادرين على خلق القيمة المضافة وتأسيس مقاولات ناشئة تنافسية، مما يكرس تبعية الاقتصاد المغربي، ويحصره في أدوار المناولة الصناعية ذات القيمة التكنولوجية المنخفضة. ولضمان استمرار هذا النزيف الممنهج وتيسير عبور هذه العقول إلى اقتصاد "المركز"، تعتمد المنظومة على آلية فرز دقيقة، تلعب فيها لغة التدريس دور العبور الحاسم.

الفرنسية كجوازِ عبورٍ

​ارتباطاً بهذه الوظيفة الاستقطابية، تتجاوز اللغة الفرنسية في المغرب حدود التواصل والتعبير الثقافي، لتتخذ طابعاً براغماتياً صرفاُ، وتتحول إلى رأسمال رمزي ومادي حاسم، في تحديد المسارات الدراسية والمهنية. وقد رسخ القانون الإطار 51.17، المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، هذا الدور المحوري للغة المستعمِر السابق، من خلال إقراره التناوب اللغوي وتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية. في هذا السياق، أكدت إكرام أمل الله، الطالبة في السنة الثالثة في المدرسة العليا الفرنسية "بوليتكنيك"، ورئيسة جمعية المغاربة في المدارس الكبرى، أن "تدريس المواد العلمية بالفرنسية يمثل ميزة، وهناك استمرارية بين النظام التعليمي المغربي والفرنسي تُسهّل علينا المهمة".

يخلق هذا الامتياز اللغوي جِدار فرز يُقصي إلى حد ما أبناء الفئات الهشة، والمجالات القروية وشبه الحضرية والهجينة. لذا، يواجه تلاميذ المدارس العمومية، الذين بالكاد يمتلكون ناصية لغتهم الأم، واللغة العربية الرسمية (الفصحى)، قطيعة إبستيمولوجية وصدمة لغوية حادة، عند انتقالهم إلى الأسلاك التأهيلية أو الجامعية حيث تتسيد الفرنسية. ليتحول هذا الحاجز اللغوي إلى مقبرة لأحلام الآلاف من التلاميذ المتفوقين في المواد العلمية، والذين يجدون أنفسهم عاجزين عن مسايرة الإيقاع الأكاديمي، بسبب ضعف رصيدهم الفرنكوفوني. وبالتالي، يتكرس الإقصاء اللغوي كآلية ناعمة وشرسة في آن واحد، تحرم المنظومة من طاقات واعدة، وتضمن احتكار أبناء الطبقات "المحظوظة"، التي تتوارث إتقان الفرنسية كتقليد عائلي، لأفضل المقاعد في المدارس الكبرى.

تتضح وظيفة اللغة الفرنسية كرأسمال براغماتي في ارتباطها العضوي بأفق الهجرة. إذ يُنظَر إلى تعلّم هذه اللغة كجواز عبور ثقافي يُسهّل الاندماج الأكاديمي والمهني في أوروبا. ويترافق الحرص على إتقان هذه اللغة مع استبطان مبْكِر لثقافة المغادرة، إذ تتحول المدرسة منذ مراحل التعليم الثانوي إلى قاعة انتظار، يتهيأ فيها التلاميذ المراهقون واليافعون لاجتياز اختبارات الكفاءة اللغوية، وتقديم ملفات الهجرة الطلابية.

ينتج عن هذه المعادلة المختلة دعم اقتصادي عكسي، من بلد من "الجنوب" إلى بلد من "الشمال". فالمغرب يتحمل التكلفة المالية الباهظة، للتربية والتنشئة والتكوين الأساسي. إذ بمجرد أن يصل الطالب إلى مرحلة الإنتاج المادي والفكري يقطف الاقتصاد الفرنسي ثمار هذا الاستثمار الطويل، خاصة في ظل احتياج فرنسا إلى عشرات الآلاف من المهندسين والتقنيين، في السنين المقبلة. 

تتضح وظيفة اللغة الفرنسية كرأسمال براغماتي في ارتباطها العضوي بأفق الهجرة. إذ يُنظَر إلى تعلّم هذه اللغة كجواز عبور ثقافي، يسهِّل الاندماج الأكاديمي والمهني في أوروبا. ويترافق الحرص على إتقان هذه اللغة مع استبطان مبكِر لثقافة المغادرة، إذ تتحول المدرسة منذ مراحل التعليم الثانوي إلى قاعة انتظار، يتهيأ فيها التلاميذ المراهقون واليافعون لاجتياز اختبارات الكفاءة اللغوية، وتقديم ملفات الهجرة الطلابية. ومن ثمة، يعيد هذا الوضع إنتاج الارتباط العضوي بالمركز الغربي، ويجعل من المنظومة التعليمية المغربية ملحقة وظيفية تساير متطلبات الهجرة الانتقائية، إذ تسهم اللغة في تفريغ البلاد من طاقاتها البشرية وأدمغتها، وتكريس التبعية الثقافية والاقتصادية المستمرة. وتتجاوز تداعيات هذا الفرز اللغوي  حدود تكريس التبعية للخارج، لترتد بقوة نحو الداخل، محدثةً شرخاً  في منظومة التعليم.

تفاوتٌ

​امتداداً إلى هذا الشرخ الممنهج، تتجسد الدينامية العميقة للمدرسة المغربية الحالية، في انسلاخها التدريجي عن دورها التاريخي، كرافعة للترقي الاجتماعي والمساواة وتكافؤ الفرص، إلى بنية شديدة التعقيد، تعيد إنتاج التفاوتات الطبقية والاجتماعية، بهندسة مؤسساتية محكمة.

مقالات ذات صلة

بالموازاة، تتوارى أسطورة "المدرسة الجمهورية" المانحة للفرص المتساوية، خلف واقع تهيمن فيه المدارس الخاصة والبعثات الأجنبية على المسارات النخبوية. إذ تستثمر الطبقات الميسورة والمتوسطة العليا بكثافة في تأمين مسارات تعليمية متطورة لأبنائها، تبدأ من الحضانة ثنائية اللغة (العربية والفرنسية، أو الفرنسية والإنجليزية)، وتمر عبر دروس الدعم المكثفة، وصولاً إلى توجيه دقيق نحو التخصصات المطلوبة دوليّاً. يتحول هذا الاستثمار المادي إلى رأسمال ثقافي، يضمن للأبناء الحفاظ على موقعهم الطبقي، والارتقاء به داخل الهرم الاجتماعي، في حين تُترك الطبقات محدودة الدخل، في مواجهة منظومة عمومية مكتظة، وتفتقر إلى أبسط مقومات الجاذبية.

يُغلَّف هذا الإرث الطبقي بغطاء "الاستحقاق الأكاديمي" و"التفوق الفردي"، ليُقدَّم كحصيلة لمجهود شخصي بحت، متجاهلاً ظروف التنشئة غير المتكافئة. ويُموه هذا الميكانيزم الذي وصفه السوسيولوجي بيير بورديو في تحليله لإعادة الإنتاج، بـ"العنف الرمزي" المُمارَس على الفئات المسحوقة، إذ يُقنع المَقصيّون بأن فشلهم الدراسي يعود إلى ضعف قدراتهم الذاتية، وليس إلى عجز مؤسساتي عن تدارك الهوة السوسيو-ثقافية.

​ولعل أخطر أبعاد هذا التمويه أنه لا يقتصر على التداول المحلي، وإنما يمتد ليصبح خطاباً دولياً؛ فعندما يحتفي الرئيس الفرنسي أو أية جهة خارجية بـ"التفوق التعليمي" المغربي، فهم في الواقع يحتفون بالناتج النهائي لهذه العملية الفرزية الصارمة. إنهم يغلفون نجاح أبناء النخب وأقلية استثنائية من الطبقات الشعبية، نجحت في الإفلات من حتمية الفشل، بجهد خرافي، ليقدموه كدليل على عافية المنظومة، متخذين من هذه النماذج الفردية "شجرةً" مضللة، تخفي وراءها غابة الإخفاق.

تمتد ظلال هذه "الشجرة" النخبوية، لتشكل لاحقاً ملامح سوق الشغل، حيث تصبح طبيعة الشهادة والمسار التعليمي مُحدديْن صارميْن للوضعية المهنية والاجتماعية. ولا يقتصر نجاح هذه النخبة على الاندماج في الخارج، بل يمتد ليشمل الاستحواذ على أفضل القطاعات داخل المغرب، وهو ما يفسر الدينامية الجديدة التي رصدها السوسيولوجي هشام جاميد، المتمثلة في ظاهرة 'العودة' لعدد من هؤلاء المتخرجين. موضحاً أن هذه العودة، تحضر بوضوح في" قطاعات المال والاستشارات والهندسة، إذ تتيح الشركات الكبرى المغربية والدولية العاملة بالمغرب مسارات مهنية مغرية، وتمنح في بعض الحالات مستويات من المسؤولية والصلاحيات، تفوق ما قد يحصل عليه هؤلاء المتخرجون داخل فرنسا".

يتكرس الإقصاء اللغوي كآلية ناعمة وشرسة في آن واحد، تَحرم المنظومة من طاقات واعدة، وتضمن احتكار أبناء الطبقات "المحظوظة"، التي تتوارث إتقان الفرنسية كتقليد عائلي، لأفضل المقاعد في المدارس الكبرى. ويُغلَّف هذا الإرث الطبقي بغطاء "الاستحقاق الأكاديمي" و"التفوق الفردي"، ليُقدَّم كحصيلة لمجهود شخصي بحت، متجاهلاً ظروف التنشئة غير المتكافئة. ويُموه هذا الميكانيزم بـ"العنف الرمزي" المُمارَس على الفئات المسحوقة ( بحسب وصف السوسيولوجي بيير بورديو)؛ إذ يُقنَع المَقصيُّون بأن فشلهم الدراسي يعود إلى ضعف قدراتهم الذاتية، وليس إلى عجز مؤسساتي عن تدارك الهوة السوسيو-ثقافية. 

وعلى ذلك، فإن هذه العودة لا تعني حضور الفرص ودمقرطتها، وإنما تكرس هيمنة المتخرجين في المدارس الكبرى -سواء المستقرون منهم أو العائدين- على شبكات النفوذ والشركات الكبرى، في حين يظل المتخرجون في الجامعات العمومية عالقين في طوابير البطالة أو المهن الهشة. وهكذا، تستكمل الدورة دورتها، ليثبت التعليم أنه صار يفصل بين من يملكون أسباب الثروة والنفوذ، ومن ورثوا التهميش والإقصاء كقدر مسطر سلفاً.

ليست أكذوبة حرفية، وإنما…

في المحصلة، يمكن القول إن الإشادة الدبلوماسية لماكرون بـ"جودة" التعليم المغربي ككل ليست أكذوبة بالمعنى الحرفي، وإنما هي قراءة مجتزأة وانتقائية لواقع شديد التركيب. إذ تلتقط هذه النظرة الخارجية نجاحات الفئة، التي استطاعت تطويع المنظومة لصالحها واستفادت من آليات الفرز اللغوي والتعليمي والطبقي، لتتحول إلى كفاءات جاهزة للاستقطاب. وبذلك، تنتج المنظومة التعليمية المغربية نتائج متناقضة بحكم بنيتها المزدوجة، فهي من جهة تعمل كجهاز انتقائي عالي الكفاءة، يغذِّي المراكز والمؤسسات الاقتصادية والأكاديمية الدولية بمهارات تقنية، ومن جهة أخرى تعجز عن تحقيق اندماج وظيفي وشامل، للكتلة التعليمية العريضة (التلاميذ والمتخرجون في المدارس العمومية) داخل السوق المحلي. ويتحول هذا التعليم من رافعة لتحقيق المساواة الاجتماعية، إلى آلية لتصريف الكفاءات، وتعميق التفاوت في الفرص المهنية والاجتماعية.

______________________

  1. الأقسام التحضيرية للمدارس العليا (CPGE) ): هي مسار تعليمي مكثف وانتقائي يمتد إلى سنتين بعد البكالوريا، يركز على التكوين المعمَّق في مجالات تقنية وعلمية  كالرياضيات والعلوم الفيزيائية والهندسة، لتأهيل صفوة الطلبة واجتياز مباريات الدخول إلى كبريات مدارس الهندسة في المغرب وفرنسا.

مقالات من المغرب

الزمن الأوروبي الذي أنهك المغاربة

لا يمكن قراءة أزمة هذا التوقيت الصيفي المستمر في المغرب، بوصفها مجرد تذمر شعبي من الاستيقاظ المبكر، بل يكمن جانبها العميق في كونها قضية "اقتصاد سياسي للزمن"، وتكثيفاً لصراع خفي...

السلام خارج الأمم المتحدة.. كيف أدخلت واشنطن المغرب إلى هندسة جديدة لإدارة الحروب

بنى المغرب جزءاً مُهمّاً من صورته الدولية على الالتزام بالشرعية الأممية، وعلى الدفاع عن الحلول السياسية متعددة الأطراف. لكنه يجد نفسه اليوم داخل إطار تقوده قوة عظمى أعلنت صراحة، عن...

للكاتب/ة

الزمن الأوروبي الذي أنهك المغاربة

لا يمكن قراءة أزمة هذا التوقيت الصيفي المستمر في المغرب، بوصفها مجرد تذمر شعبي من الاستيقاظ المبكر، بل يكمن جانبها العميق في كونها قضية "اقتصاد سياسي للزمن"، وتكثيفاً لصراع خفي...