لم تقتصر دلالات الانتخابات التشريعية المغربية في 23 أيلول/ سبتمبر 2026 على تغيير موازين القوى بين الأحزاب، إذ أفرزت مفارقة سياسية تختزل بعض التحديات التي تواجه البلاد، تمثلت في تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج، وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري برئاسة الحكومة، في سابقة تاريخية (لجهة تكليف امرأة بتشكيل الوزارة). في المقابل، لم تتعدَ المشاركة الانتخابية نسبة ال38 في المئة، واستمرت حاضرة المطالب الاجتماعية التي لم تجد طريقها إلى المؤسسات التمثيلية.
بدأت الحكومة الجديدة ولايتها تحت ضغط مطالب التشغيل والصحة والتعليم، بالتوازي مع الاستعدادات لمونديال 2030، وما يرتبط بها من استثمارات والتزامات مالية. وهي تواجه بذلك اختباراً مزدوجاً: إنجاز المشاريع الكبرى والاستجابة للحاجات الاجتماعية الملحّة، في وقت تعكس فيه محدودية المشاركة الانتخابية فتوراً في علاقة قطاع مهم من المواطنين بالأحزاب والمؤسسات التمثيلية.
جيلٌ خارج صناديق الاقتراع
تقدِّم نسبة المشاركة مدخلاً أساسياً لفهم حدود الدلالة السياسية للنتائج. فقد كانت المشاركة في انتخابات سنة 2021 حوالي 50 في المئة، ما يعني انخفاضاً يقارب 12 نقطة مئوية مع الانتخابات التي جرت في 2026. ولم يتجاوز عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 15.8 مليوناً من أصل حوالي 27 مليون شخص في سن التصويت، مع تراجع عدد المسجلين بحوالي 12 في المئة مقارنة بالاستحقاق السابق.
يقتضي تفسير هذه الأرقام التمييز بين عدم التسجيل في اللوائح والامتناع عن التصويت. إذ تُحتسب نسبة المشاركة انطلاقاً من المسجلين، ولا تشمل من ظلوا خارج اللوائح الانتخابية أصلاً. وبحسب الأرقام الإجمالية، يناهز عدد الأشخاص في سن التصويت غير المسجلين 11.2 مليوناً، ما يجعل ضعف المشاركة مرتبطًا بمرحلتين مختلفتين: الانخراط في التسجيل، ثم التوجه إلى صناديق الاقتراع.
الشباب المغربي مُحاصَر
14-11-2018
وتتعدد دوافع العزوف بين ظروف شخصية وعملية، وضعف الاهتمام السياسي، وفقدان الثقة في الأحزاب والمؤسسات، والاعتقاد بأن التصويت لن يغير الأوضاع المعيشية. وقد يتخذ الامتناع لدى بعض المواطنين طابعاً احتجاجياً على العرض الحزبي وشروط المنافسة، في حين يرتبط لدى آخرين بضعف الصلة بالعمل السياسي أو الشعور بالتهميش. وتختلف هذه الدوافع باختلاف السياقات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية، كما لا تسمح الأرقام وحدها بتحديد وزن كل منها. ويطرح هذا التعدد سؤالًا عن قدرة الأحزاب على إقناع المواطنين بجدوى المشاركة الانتخابية، وتجديد صلتها بالفئات التي ابتعدت عن صناديق الاقتراع.
تكتسب هذه الفجوة بُعداً عمرياً واضحاً، إذ لم تتجاوز حصة الفئة بين 18 و24 عاماً، 4 في المئة من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية سنة 2026، مقابل أكثر من 29 في المئة للفئة التي تبلغ 60 سنة فأكثر. تعكس هذه النسب انكفاء ومحدودية حضور جيل الشباب الأصغر سناً داخل الهيئة الناخبة المسجلة، من دون أن تحدد وحدها أسباب ضعف تسجيلهم أو مستوى مشاركتهم الفعلية يوم الاقتراع
يتوقف تقييم حكومة المونديال على قدرتها على ضبط كلفة المشاريع الكبرى، مع ضمان تمويل الخدمات الاجتماعية وخلق فرص شغل مستدامة، وقياس الأثر الفعلي للاستثمارات على حياة المغاربة بعد انتهاء البطولة. فنجاح الاستعدادات للمونديال لا يقاس بمجرد إنهاء الأشغال في موعدها.
يمكن للمشاريع الكبرى أن تترك أثراً إيجابياً طويل الأمد، إذا حسّنت التنقل وربطت المدن والأسواق ووسعت النشاط السياحي، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا تجاوزت كلفتها التقديرات، أو لم تُستَغل المنشآت بالشكل الذي يبرر النفقات. لذا، ينبغي تقييم الاستثمارات انطلاقاً من فائدتها الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط من قدرتها على تحقيق أهداف تنظيم البطولة.
من ناحية أخرى، لا يعني ضعف الانخراط الانتخابي غياب الشباب عن المجال السياسي العام. فقد جسّدت احتجاجات حركة "جيل زد 212" في خريف 2025 جانباً من الفارق المسجّل بين المطالب الاجتماعية وقنوات الوساطة السياسية الحزبية المتكلِّسة، من خلال مطالبتهم بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ومكافحة الفساد، والاستجابة لمشكلة البطالة. وقد شهدت مدن مغربية عدة، بينها أكادير والرباط والدار البيضاء، احتجاجات واجهتها تدخلات أمنية واعتقالات. تؤكد هذه التحركات حضور مطالب اجتماعية خارج الأطر الحزبية التقليدية، من دون أن تمثِّل بالضرورة مواقف الشباب جميعاً، أو تفسر وحدها عزوفهم عن التصويت.
وفي ظل محدودية المشاركة، يضع تصدّر "الأصالة والمعاصرة" بـ97 مقعداً الحزب أمام اختبار الحكم، ويعيد الاهتمام إلى مساره السياسي منذ نشأته والجدل الذي رافقه، وصولاً إلى قدرته على تحويل الفوز الانتخابي إلى نتائج ملموسة.
فوز تحوم حوله الشكوك
منذ تأسيسه عام 2008، ظل حزب الأصالة والمعاصرة (ويسمى اختصاراً بـ"البام"/PAM) محاطاً بجدل، يتعلق بعلاقته مع مراكز القرار وحدود استقلاليته السياسية. إذ ارتبط ظهوره بفؤاد عالي الهمة، وزير الداخلية المنتدَب سابقاً ومستشار الملك محمد السادس لاحقاً، ما دفع منتقديه إلى تصنيفه ضمن الأحزاب الإدارية، التي تستمد جزءاً من قوتها من قربها المفترض من دوائر السلطة. وذهب بعض الباحثين، منذ مرحلة التأسيس، إلى أن الحزب نشأ لمواجهة تنامي نفوذ حزب العدالة والتنمية، والقوى الإسلامية آنذاك، فيما قدمه مؤسِّسوه باعتباره مشروعاً للتحديث السياسي والمجتمعي.
ارتبط صعود "الأصالة والمعاصَرة" أيضاً باستقطاب الأعيان والمنتخِبين ذوي النفوذ المحلي، ممن يمتلكون شبكات اجتماعية واقتصادية وقدرات على التعبئة الانتخابية. فقد أكدت دراسة تناولت تطور ظاهرة الأعيان في الانتخابات المغربية، ونشرتها منصة صحافية محلية سنة 2016، أن الحزب انفتح بقوة على هذه الفئة خلال انتخابات 2009، واستقطب شخصيات سبق أن ترشحت باسم أحزاب أخرى. وتُوفِّر هذه الشبكات للمرشحين موارد تنظيمية وعلاقات محلية تعزز حظوظهم في المنافسة، خاصة في الدوائر التي تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والروابط العائلية والولاءات المحلية. ولا ينفرد "الأصالة والمعاصَرة" بهذه الممارسة، إذ تتنافس أحزاب مغربية متعددة على استقطاب الأعيان، غير أن حضورهم في تجربة الحزب منذ بداياته جعل طبيعة قاعدته الانتخابية إحدى نقاط الجدل حوله.
تجاوزت الانتقادات حدود النشأة والتركيبة الانتخابية إلى اتهامات مرتبطة باستعمال المال لاستمالة الناخبين. ففي سنة 2015، نشرت منصة هسبريس الإخبارية أسماء منتخِبين ومرشحين من الأصالة والمعاصرة ضمن قائمة أشخاص مشتبه فيهم في شراء الأصوات خلال انتخابات مجلس المستشارين، إلى جانب أشخاص ينتمون إلى أحزاب أخرى. وتقتضي الدقة التمييز بين ورود أسماء في ملفات الاشتباه، وثبوت المسؤولية بحكم قضائي. فهذه المعطيات لا تكفي لإثبات وجود سياسة مؤسساتية لشراء الأصوات، لكنها توضح أن الاتهامات المتعلقة بتأثير المال في المنافسة الانتخابية ليست جديدة في النقاش المحيط بالحزب وبالممارسة الحزبية المغربية عموماً.
عادت هذه الشبهات والشكوك إلى الواجهة خلال انتخابات 23 أيلول/سبتمبر2026، مع الواقعة التي اشتهرت إعلامياً باسم "صاك البام" (حقيبة حزب الأصالة والمعاصرة) في طنجة. فقد أوقِفَ شخص داخل محيط مركز اقتراع بمدرسة القدس وبحوزته حقيبة تضم أوراق تصويت، وأفادت تقارير صحافية بأن مئات الأوراق كانت تحمل علامات تصويت مسبقة لفائدة مرشحي الأصالة والمعاصرة. وأعلنت النيابة العامة لاحقاً عن أن الأبحاث الأولية كشفت، بحسب بلاغها، عن مشاركة مشتبه فيهم في وضع علامات على أوراق التصويت، كما أشارت إلى معطيات تقنية تتعلق بالاتصالات وتسجيلات كاميرات المراقبة.
واتسع التحقيق ليشمل مسؤولين محليين، من بينهم عمدة طنجة منير الليموري، فيما قرر الحزب تجميد عضويته وعضوية أمينه الإقليمي بطنجة في هياكله، على خلفية الواقعة. في المقابل، رفض الحزب ما اعتبره محاولة لربطه بالواقعة، ووصف التغطية التي رافقتها بأنها حملة تستهدفه. وظل الملف في مسار التحقيق القضائي، إذ أُرجِئ الاستنطاق التفصيلي للعمدة إلى 3 تشرين الثاني /نوفمبر المقبل.
تقدِّم نسبة المشاركة مدخلاً أساسياً لفهم حدود الدلالة السياسية للنتائج. فقد كانت المشاركة في انتخابات سنة 2021 حوالي 50 في المئة، ما يعني انخفاضاً يقارب 12 نقطة مئوية مع الانتخابات التي جرت في 2026. ولم يتجاوز عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 15.8 مليوناً من أصل حوالي 27 مليون شخص في سن التصويت، مع تراجع عدد المسجلين بحوالي 12 في المئة مقارنة بالاستحقاق السابق.
بحسب الأرقام الإجمالية، يناهز عدد الأشخاص في سن التصويت غير المسجلين 11.2 مليوناً، ما يجعل ضعف المشاركة مرتبطاً بمرحلتين مختلفتين: الانخراط في التسجيل، ثم التوجه إلى صناديق الاقتراع.
يكتسب هذا الجدل أهمية إضافية مع انتقال الأصالة والمعاصرة إلى قيادة الحكومة بعد حصوله على 97 مقعداً، ضمن أغلبية ائتلافية تضم أربعة أحزاب متمثلة في: حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، وحزب التقدم والاشتراكية، وحزب الاتحاد الاشتراكي، بإجمالي مقاعد يصل إلى 207 مقاعد. إذ تضع قيادة هذا الحزب للسلطة التنفيذية أمام مسؤولية إثبات قدرته على التدبير وفق قواعد الشفافية والمساءلة، وتمنح أداءه الحكومي وزناً حاسماً في تقييم صورته السياسية. ويشمل ذلك الوفاء بالتزاماته الانتخابية، وفي مقدمتها إحداث مليون منصب شغل صاف، وتقليص نسبة البطالة إلى 7 في المئة بحلول 2031، بحسب برنامجه الانتخابي.
من ناحية أخرى، يتجه النقاش الحالي من السجال حول نشأة الحزب وطبيعة شبكاته الانتخابية، إلى حصيلة السياسات التي سيقودها. وستشكِّل الاستثمارات المرتبطة بمونديال 2030، ومدى إسهامها في خلق فرص شغل مستدامة وتحسين الخدمات العامة، أحد أبرز معايير تقييم أداء الحكومة الجديدة.
سباق البنية التحتية وضغط الأولويات الاجتماعية
تتولى الحكومة الجديدة مرحلة متقدمة من الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030، بما يشمل تطوير السكك الحديدية والطرق والمطارات والملاعب والبنية السياحية والحضرية. وقد قدّر صندوق النقد الدولي الاستثمارات المرتبطة بتطوير البنية التحتية للنقل والسياحة خلال الفترة 2024–2030 بحوالي 190.3 مليار درهم (حوالي 19 مليار دولار)، أي ما يعادل 11.9 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي لسنة 2024. وتشمل هذه الاستثمارات تحديث السكك الحديدية والطرق والمطارات، وبناء الملاعب أو تجديدها، وتحسين البنية الحضرية والسياحية.
لا تتحمل الميزانية المركزية وحدها كلفة هذه المشاريع. إذ ستتوزع مساهمات التمويل بين المؤسسات والمقاولات الحكومية، وأيضاً المجالس والبلديات المحلية. ويعني ذلك أن تقييم الالتزامات المالية يحتاج إلى النظر في مصادر التمويل المختلفة، وليس إلى الاعتمادات المدْرجة في الميزانية العامة فقط. كما يحذر الصندوق من مخاطر تجاوز التكاليف، وضعف كفاءة الإنفاق، والالتزامات التي قد تنتج عن بعض أساليب التمويل خارج الميزانية.
تبين المؤشرات أن تحسن معدل البطالة العام لا يعني بالضرورة تحسن فرص الشباب، كما أن خلق الوظائف لا يتوزع بالتساوي بين المدن والقرى. لذا، لن يكون كافياً أن تعلن الحكومة عن عدد إجمالي للمناصب التي أحدثتها الاستثمارات المرتبطة بالمونديال، وإنما يتعين تحديد نسبة الوظائف المستدامة، وحصة الشباب منها، وتوزيعها الجغرافي، ومدى ارتباطها بالتكوين المهني وبالحاجات الفعلية للاقتصاد.
تكمن أهمية هذه التحذيرات في أن نجاح الاستعدادات للمونديال لا يقاس بمجرد إنهاء الأشغال في موعدها. إذ يمكن للمشاريع الكبرى أن تترك أثراً إيجابياً طويل الأمد، إذا حسّنت التنقل، وربطت المدن والأسواق، ووسعت النشاط السياحي، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا تجاوزت كلفتها التقديرات، أو لم تُستَغل المنشآت بالشكل الذي يبرر النفقات. لذا، ينبغي تقييم الاستثمارات انطلاقاً من فائدتها الاقتصادية والاجتماعية، وليس فقط من قدرتها على تحقيق أهداف تنظيم البطولة.
يضع البرنامج الانتخابي للأصالة والمعاصرة التشغيل في قلب هذه المعادلة. إذ خصص الحزب 360 ألف منصب عمل من هدفه الإجمالي البالغ مليون منصب للأنشطة المرتبطة بالمونديال، بصورة مباشِرة وغير مباشِرة، خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2031. كما حدد أهدافاً لتطوير الخدمات ذات القيمة المضافة، والصناعة، والتشغيل في العالم القروي، واقتصاد الرياضة، مع ربط تحقيق الالتزامات بإطار اقتصادي وتمويلي أوسع.
بيد أن الأرقام المستهدَفة تطرح أسئلة تتعلق بطبيعة الوظائف وتوزيعها الزمني والقطاعي. إذ إن جزءاً من فرص العمل المرتبطة بالبناء والتجهيز سيكون مؤقتاً بطبيعته، فيما يحتاج تقليص نسبة البطالة بصورة مستدامة إلى نمو قطاعات قادرة على استيعاب العاملين بعد انتهاء الأشغال. كما أن إحداث مليون منصب صاف يتطلب احتساب المناصب الجديدة بعد خصم الوظائف المفقودة، وليس الاكتفاء بإجمالي فرص العمل التي تنتجها المشاريع.
بالموازاة، توضح بيانات المندوبية السامية للتخطيط حجم هذا التحدي. إذ أحدث الاقتصاد المغربي 193 ألف منصب شغل خلال سنة 2025، منها 203 آلاف في الوسط الحضري، مقابل فقدان عشرة آلاف منصب في الوسط القروي. وارتفع عدد الوظائف في الخدمات والبناء والصناعة، فيما فقد القطاع الفلاحي والغابوي والصيد 41 ألف منصب. وانخفض معدل البطالة العام من 13.3 إلى 13 في المئة، لكن بطالة الشباب بين 15 و24 سنة ارتفعت من 36.7 إلى 37.2 في المئة، كما زاد معدل الشغل الناقص من 10.1 إلى 10.9 في المئة .
تبين هذه المؤشرات أن تحسن معدل البطالة العام لا يعني بالضرورة تحسن فرص الشباب، كما أن خلق الوظائف لا يتوزع بالتساوي بين المدن والقرى. لذا، لن يكون كافياً أن تعلن الحكومة عن عدد إجمالي للمناصب التي أحدثتها الاستثمارات المرتبطة بالمونديال، وإنما يتعين تحديد نسبة الوظائف المستدامة، وحصة الشباب منها، وتوزيعها الجغرافي، ومدى ارتباطها بالتكوين المهني وبالحاجات الفعلية للاقتصاد.
يزداد هذا الاختبار تعقيداً عند النظر إلى الكلفة المعلنة في البرنامج الانتخابي، التي تبلغ 350 مليار درهم (حوالي 35 مليار دولار) خلال خمس سنوات. إذ يربط الحزب تمويل جزء مهم من التزاماته بالموارد الإضافية، التي يفترض أن يولِّدها النمو الاقتصادي. بيد أن تحقق هذه الموارد يظل مشروطًا ببلوغ معدلات النمو المتوقَعة، وبقدرة النشاط الاقتصادي على توليد إيرادات حكومية فعلية. وإذا جاء النمو أدنى من المتوقع، فقد تضطر الحكومة إلى إعادة ترتيب أولوياتها أو البحث عن مصادر تمويل بديلة.
وعليه، يتوقف تقييم حكومة المونديال على قدرتها على ضبط كلفة المشاريع الكبرى، مع ضمان تمويل الخدمات الاجتماعية وخلق فرص شغل مستدامة، وقياس الأثر الفعلي للاستثمارات على حياة المغاربة بعد انتهاء البطولة.
وبالتوازي مع اختبار الأداء الاقتصادي والاجتماعي لحكومة المونديال، يَفتح تعيين امرأة لأول مرة على رأس الحكومة ملفاً آخر يتعلق بتمثيل النساء في المؤسسات المنتخَبة، علماً أن رئيسة الوزراء لم تعيّن بالطبع ضمن الكوتا، ولكن وعلى ذلك، يُثار دورها في تصحيح اختلال التمثيل، والجدل حول ما يُعرف بـ"الريع السياسي".
صعود المرأة والكوتا: إنجاز أم ريع؟
يشكل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية، سابقة تاريخية في مسار التمثيل السياسي في المغرب. بيد أن دلالته تظل مرتبطة بمدى انعكاس هذا التحول على حضور النساء في المؤسسات. ففي انتخابات 2026، فازت النساء بـ107 مقاعد من أصل 395، أي ما يعادل 27.1 في المئة، توزعت بين 90 مقعداً عبر اللوائح الجهوية المخصصة لهن و17 مقعداً في الدوائر المحلية المفتوحة للتنافس بين الرجال والنساء. ويدل هذا التفاوت على استمرار الهوة بين الحضور النسائي الذي تتيحه آليات التمييز الإيجابي (الكوتا) وفرص الفوز عبر المنافسة المباشرة.
المغربيات.. يحميهنّ القانون ويظلمهنّ الواقع
02-01-2022
يستند المدافعون عن الكوتا إلى استمرار العوائق التي تحد من وصول النساء إلى مواقع القرار، وفي مقدمتها محدودية الموارد المالية، وضعف فرص الحصول على التزكيات في الدوائر التنافسية، وهيمنة شبكات النفوذ المحلية، فضلاً عن التصورات الاجتماعية التي تربط القيادة السياسية بالرجال. من هذا المنظور، تمثل الحصص النسائية آلية لتصحيح اختلالات لا تستطيع المساواة القانونية وحدها تجاوزها، وقد أسهمت في توسيع حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة. ويعتبر أنصار الكوتا أن اشتراط المنافسة المتكافئة قبل توفير شروطها الفعلية قد يكرس الإقصاء بدلاً من إنهائه، خاصة في بيئة انتخابية، تتفاوت فيها إمكانات المرشحين التنظيمية والمالية.
في المقابل، يرى منتقدو الكوتا أن اعتماد اللوائح المخصصة للنساء قد يدفع الأحزاب إلى التعامل معها باعتبارها المسار الأساسي لتمثيلهن، مع إبقاء الدوائر المحلية الأكثر تنافسية تحت هيمنة المرشحين الذكور. وتدعم بيانات الترشيح هذه المخاوف، إذ لم تتجاوز النساء اللواتي ترأسن اللوائح المحلية 121 مرشحة من أصل 1615، أي حوالي 7.5 في المئة، فيما بلغ عدد المرشحات في هذه الدوائر 875 من أصل 5505 مرشحين.
وتعيد هذه المسألة السياسية طرح الجدل حول اعتبار الكوتا آلية لتصحيح اختلال التمثيل النسائي أو شكلاً من أشكال "الريع السياسي". إذ يستند الوصول إلى البرلمان عبر المقاعد المخصصة للنساء إلى آلية قانونية، ولا ينتقص في حد ذاته من كفاءة المرشحات أو استحقاقهن. ويتركز النقاش أساساً حول دور الأحزاب في اختيار المرشحات وتوزيع التزكيات، ومدى اعتماد معايير واضحة تتيح تكافؤ الفرص، بدلاً من إخضاع التمثيل لاعتبارات الولاء والعلاقات الشخصية.
يعيد صعود فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة طرح السؤال عن العلاقة بين وصول النساء إلى مواقع القيادة السياسية وشروط تمثيلهن انتخابياً. إذ بلغت المنصوري أعلى منصب تنفيذي في البلاد، فيما لا تزال غالبية المقاعد البرلمانية التي تشغلها النساء تأتي عبر اللوائح المخصصة لهن، مقابل حضور محدود في الدوائر المحلية. وتؤشر هذه المفارقة إلى أن وصول امرأة إلى قمة السلطة لا يعكس بالضرورة تحولاً مشابهاً وموازياً في فرص النساء داخل المنافسة الانتخابية
تقع مسؤولية معالجة هذا الاختلال أساساً على الأحزاب، باعتبارها الجهة التي تحدد المرشحين ومواقعهم في اللوائح، وتوزِّع الموارد التنظيمية والمالية للحملات. فقصر ترؤس النساء على نسبة محدودة من اللوائح المحلية يطرح سؤالاً عن استعداد القيادات الحزبية لمنحهن فرصاً فعلية للفوز، بدلاً من حصر التمثيل النسائي في المسارات المخصصة لهن. كما أن تعيين المنصوري لا يعني أن التمثيل داخل السلطة التنفيذية قد بلغ مستوى مماثلاً من التقدم، إذ تضم الحكومة الجديدة سبع نساء من أصل 32 عضواً، بينهن رئيسة الحكومة ووزيرتان تتوليان حقيبتي الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، والأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، إلى جانب أربع وزيرات منتدَبات، مقارنة بخمس وزارات كاملة في الحكومة السابقة.
يعيد صعود فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة طرح السؤال عن العلاقة بين وصول النساء إلى مواقع القيادة السياسية وشروط تمثيلهن انتخابياً. إذ بلغت المنصوري أعلى منصب تنفيذي في البلاد، فيما لا تزال غالبية المقاعد البرلمانية التي تشغلها النساء تأتي عبر اللوائح المخصصة لهن، مقابل حضور محدود في الدوائر المحلية. وتؤشر هذه المفارقة إلى أن وصول امرأة إلى قمة السلطة لا يعكس بالضرورة تحولاً مشابهاً وموازياً في فرص النساء داخل المنافسة الانتخابية، لتظل الكوتا في صلب النقاش، بين دورها في فتح المجال أمام التمثيل النسائي، وحدود أثرها في تغيير قواعد الوصول إلى مواقع القرار.
وبالمجمل..
أفرزت انتخابات 2026 مفارقة لافتة، تكمن في وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة للمرة الأولى، بالتزامن مع استمرار ضعف المشاركة السياسية، لا سيما لدى جيل زد الشبابي. وفي ظل الاستعدادات لمونديال 2030، تواجه الحكومة اختباراً يتعدى إنجاز المشاريع الكبرى، إلى الاستجابة لمطالب التشغيل والصحة والتعليم، واستعادة ثقة فئات تشكك في جدوى الوساطة الحزبية. فهل ستنجح حكومة المونديال في تحويل الاستثمارات المعلنة إلى تحسن ملموس في الأوضاع المعيشية للمغاربة، أو ستظل حصيلتها دون مستوى تطلعاتهم؟


