ربما يكون الأثر الأكثر إلهاماً في تجربة الكتابة عن قرية البسايسة هو ذلك الرجل الذى عمل بغير ضجيج ، واستخدم علمه ومعارفه وهمته في محاولة النهوض بقريته. فعندما حصل صلاح عرفة على الدكتوراه في الفيزياء، ثم صار أستاذاً بالجامعة الأمريكية في القاهرة، ظل يحتفظ بهموم قريته بداخله، يراوده ذلك الحلم، الذي عمل على تحقيقه بالنهوض بتلك القرية، ومحاولة حل مشاكلها، بدلاً من التنكر لها كما يفعل كثيرون.
في سبعينيات القرن الماضي، كان الدكتور صلاح عرفة في زيارة إلى أوروبا عندما شاهد ألواح الطاقة الشمسية لأول مرة، فأحضر معه واحداً منها إلى مصر. مجرد وحدة صغيرة لا يزيد حجمها على 30 سم، ولا تزيد قدرتها على 12 فولت. حينها كانت قرية البسايسة لم تعرف طريقها إلى الكهرباء بعد. واحدة من مئات القرى المصرية، التي ظلت غارقة في الظلام لفترات طويلة.
استطاع الدكتور صلاح أن يقوم بتشغيل الراديو الترانزستور، الذي كان يعمل بالبطارية بواسطة لوح الطاقة الشمسية الذي أحضره، ثم جاءت القفزة الهائلة عندما استطاع تشغيل جهاز التليفزيون أيضاً .
حكى لي محمد علي منصور، رفيق رحلة الدكتور صلاح، والمسؤول عن جمعية تنمية المجتمع في القرية، أنهم كانوا في ذلك الوقت من السبعينيات يذهبون إلى قرى بعيدة للغاية، لمشاهدة مباريات كرة القدم التي كان يبثها التليفزيون، نظراً لعدم وجود كهرباء في قريتهم.
مصر.. عن القطيعة بين السلطة والقرى
30-07-2023
كانت لحظة تنوير حقيقية، تَعانَق فيها العلم مع الانتماء، والرغبة الصادقة في تحسين أحوال الناس. بدت تلك الخطوة وكأنها تعطى إشارة إلى أنه بوجود هذا المتعلِّم، وبوجود هؤلاء الأهالي الذين تجمعهم الرغبة في التطور، يمكن للقرية أن تحقق نقلة نوعية في أوضاعها. كان ما فعله صلاح عرفة خطوة لها ما بعدها، وقد جاء بعدها سريعاً، عندما بادر مع رفاقه في القرية الى إنشاء تلك الجمعية التي لا تزال مستمرة في عملها حتى الآن، والتي قرروا من خلالها رفع مستوى القرية على كافة الأصعدة، من دون انتظار قطار الدولة، الذي يأتي بطيئاً للغاية، أو لا يأتي في غالب الأحوال.
جمعية تنمية المجتمع بقرية البسايسة
في تلك الفترة، كان عرفة يسافر إلى القرية كل يوم جمعة، للعمل على دراسة الوسائل اللازمة، لرفع شأن قريته برفقة 650 متطوعاً، هم كل سكان القرية في ذلك الحين. وبمشاركة هؤلاء ابتكروا، نهجاً متكاملاً للتنمية، شملت برامجه دورات تدريبية في الزراعة، والاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، ودروساً في محو الأمية، وتعزيز مفاهيم العمل الجماعي، والتفكير الإبداعي، وبناء المجتمع من خلال أصحابه.
في ذلك المبنى الذى بدأ متواضعاً للغاية، من غرفتين تم بناؤهما بالطوب اللِبن، بدأت الفكرة بإنشاء مجموعة من الورش، التي تعمل في الحدادة والنجارة والخياطة وأفران الخبز، وتقوم بتقديم خدماتها إلى أهل القرية بأسعار شبه رمزية. وكان العمل في تلك الورش وسيلة لتدريب الشباب، وتأهيلهم للالتحاق بسوق العمل.
في سبعينيات القرن الماضي، كان الدكتور صلاح عرفة في زيارة إلى أوروبا عندما شاهد ألواح الطاقة الشمسية لأول مرة، فأحضر معه واحداً منها إلى مصر. مجرد وحدة صغيرة، حينها كانت قرية البسايسة واحدة من مئات القرى المصرية، التي ظلت غارقة في الظلام لفترات طويلة. استطاع الدكتور صلاح أن يقوم بتشغيل الراديو الترانزستور، بواسطة لوح الطاقة الشمسية الذي أحضره، ثم جاءت القفزة الهائلة عندما استطاع تشغيل جهاز التليفزيون أيضاً.
ومن خلال الأرباح البسيطة، التي بدأت في التراكم، جرى الإنفاق على أنشطة الجمعية، وعلى رأسها مشروع الطاقة الشمسية، التي كانت جمعية البسايسة من أوائل الأماكن التي قامت بتشغيله في مصر.
في البداية، جرى العمل على تشغيل الألواح الشمسية مباشرة، للحصول على الطاقة أثناء النهار. ومع بداية الألفية الثالثة، استخدمت البطاريات لتخزين الطاقة التي يتم توليدها أثناء فترات السطوع، لاستخدامها في الليل.
كانت الجمعية تعمل على مواكبة أي تطور، أو تحديث في ألواح الطاقة الشمسية، التي كانت سعتها في تزايد مستمر. وفي العام 2017 تمّ تشغيل عشرة ألواح كبيرة، بقوة 10 كيلووات، بلغت تكلفتها حينها 220 ألف جنيه، قامت بمنح الطاقة لمبنى الجمعية، ما عدا أجهزة ورشة النجارة وماكينات اللحام، كما قامت بتزويد المسجد المجاور بالطاقة مجاناً، علاوة على بيع كمية منها لعدد محدود من البيوت المجاورة، بقدر معين، يساعدهم في تشغيل الإنارة والأجهزة المنزلية، نظير 50 جنيهاً شهرياً.
وربما تكون هذه البيوت القليلة أحد تلك الأماكن المحظوظة، التي لم تتعرض لمأساة عملية تخفيف أحمال الكهرباء، التي لجأت إليها الدولة بقطع الكهرباء ساعاتٍ طويلة خلال العامين الماضيين! فعطلت حياة الناس، وتسببت في خسائر فادحة، تجاوزت ذلك الحد الذى ظنّت الحكومة أنها تقوم بترشيده، إذ إنه كان يمكن لهؤلاء أن يستخدموا البديل الشمسي للطاقة فور انقطاع التيار الكهربي عن بيوتهم.
ولكن لماذا لم يتم التوسع في المشروع لتوصيل تلك الخدمة إلى عدد أكبر من البيوت؟ جاء الجواب من المسؤول: أسعار الوحدات الشمسية لا تزال باهظة، علاوة على زيادة تلك الأسعار بشكل كبير، بعد التدني الشديد للجنيه المصري أمام الدولار، خاصة أن جميع مشتملات تلك الخدمة مستورَدة بالكامل.
خطأ شائع
في كل الكتابات التي نُشرت عن قرية البسايسة، تم الجزم بأن كل بيوت القرية تعمل بالطاقة الشمسية، وهو خطأ وقعت فيه صحف كبرى وكتّاب بارزون، من غير التثبت من حقيقة الأمر، إذ إن استخدام وحدات الطاقة الشمسية، اقتصر على مبنى الجمعية، والمسجد المجاور، وعدد من البيوت القريبة، لا تتجاوز ستة إلى عشرة بيوت. وعلى ذلك، وعلى الرغم من هذا العدد المحدود، تظل التجربة ملهِمة وبالغة الأهمية. ويظل ما جرى هناك هو الحافز الأهم في عملية التحديث الشاملة، التي جرت بعد ذلك في البسايسة الجديدة .
قرية البسايسة الجديدة
أدرك الدكتور صلاح عرفة أن الوادي يضيق بسكانه، وأن مساحة الأراضي الزراعية المحدودة لم تعد كافية لعدد السكان، الذى كان ينمو بوتائر متسارعة،. ففي العام 1992 وعلى مسافة 200 كيلو متراً من البسايسة الأم، وفي مدينة رأس سدر بصحراء سيناء، بدأ إنشاء قرية البسايسة الجديدة، التي امتدت على مساحة 750 فداناً، كمشروع تنموي متكامل، يستجلب فكرة الاستدامة والاكتفاء الذاتي. بدا كأن القرية الجديدة تحاول تحقيق كل ما لم تستطع تحقيقه هناك في الوادي الضيق. ومنذ بداية نشأتها اعتمدت القرية على الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء وتسخين المياه، واستخدام تقنية إعادة تدوير المخلّفات الزراعية لإنتاج الغاز الحيوي (البيوغاز)، الذي يُستخدم بدورة في توليد الطاقة.
كان ما فعله صلاح عرفة خطوة لها ما بعدها، وقد جاء بعدها سريعاً، عندما اتفق مع رفاقه في القرية على إنشاء تلك الجمعية التي لا تزال مستمرة في عملها حتى الآن، والتي قرروا من خلالها رفع مستوى القرية على كافة الأصعدة، من دون انتظار قطار الدولة، الذي يأتي بطيئاً للغاية، أو لا يأتي في غالب الأحوال.
كان عرفة يسافر إلى القرية كل يوم جمعة، للعمل على دراسة الوسائل اللازمة، لرفع شأن قريته برفقة 650 متطوعاً، هم كل سكان القرية في ذلك الحين. وبمشاركة هؤلاء ابتكروا، نهجاً متكاملاً للتنمية، شملت برامجه دورات تدريبية في الزراعة، والاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، ودروساً في محو الأمية، وتعزيز مفاهيم العمل الجماعي، والتفكير الإبداعي، وبناء المجتمع من خلال أصحابه.
نُفِّذت الفكرة على محورين رئيسيين. المحور الأول هو هجرة الشباب الذين يستطيعون شراء 5 أفدنة في الأرض الجديدة، ولديهم القدرة على استصلاحها. والمحور الثاني هو قيام زملاء وأصدقاء الدكتور صلاح عرفة، الذين لديهم الرغبة والقدرة على الاستثمار الزراعي، بشراء مساحات كبيرة من الأراضي، يعمل فيها الشباب الذين لم يمتلكوا القدرة على شراء أراضٍ جديدة. وفى خلال مدة وجيزة، استطاع هؤلاء الشباب أيضاً امتلاك قطع صغيرة من الأراضي المستصلحة، أسهمت في امتداد الرقعة الزراعية للبسايسة الجديدة.
وعلى مدى عامين من إنشاء القرية، تأسست 48 ورشة تدريبية، على غرار الورش التي تم إنشاؤها في البسايسة القديمة، والتدريب على الزراعة تحت الصوب (تحت النايلون)، وزراعة النباتات الطبية والعطرية، ومناحل العسل، وتربية المواشي. وتركزت الزراعة في البسايسة الجديدة بشكل رئيسي في الزيتون، والصناعات القائمة عليه، من مثل استخراج الزيوت، وبيع المشتقات.
نموذج عمارة حسن فتحي كان حاضراً
اعتمدت القرية في بناء منازلها على النموذج الفذ الذي ابتكره المهندس حسن فتحي في البناء، والذي كان يَعتبِر أن العمارة فعلٌ إنسانيٌّ، يربط بين احتياجات الناس المادية والروحية، وبيئتهم المحلية. وهو صاحب مقولة: "انظر تحت قدمك وأبني"، إذ دعا إلى استخدام مواد محلية متوفرة ورخيصة، من مثل: الطين والطوب اللِبن، للحصول على منازل مريحة متجددة الهواء، متوائمة مع البيئة الصحراوية القاسية، بدلاً من المواد المستورَدة، أو الطوب الأحمر المُكلف.
في بناء منازلها، اعتمدت قرية البسايسة الجديدة، المنشأة في صحراء سيناء، على النموذج الفذ الذي ابتكره المهندس حسن فتحي، والذي كان يَعتبِر العمارة فعلٌ إنسانيٌّ، يربط بين احتياجات الناس المادية والروحية، وبيئتهم، فدعا إلى استخدام مواد محلية متوفرة ورخيصة، من مثل: الطين والطوب اللِبن، للحصول على منازل مريحة متجددة الهواء، متوائمة مع البيئة الصحراوية القاسية، بدلاً من المواد المستورَدة، أو الطوب الأحمر المُكلف.
على مدى عامين من إنشاء القرية، تأسست 48 ورشة تدريبية، على غرار الورش التي تم إنشاؤها في البسايسة القديمة، والتدريب على الزراعة تحت الصوب (تحت النايلون)، وزراعة النباتات الطبية والعطرية، ومناحل العسل، وتربية المواشي. وتركزت الزراعة في البسايسة الجديدة بشكل رئيسي في الزيتون، والصناعات القائمة عليه، من مثل استخراج الزيوت، وبيع المشتقات.
بدا وكأن البسايسة الجديدة، في شكل عمارتها، وطريقة نشأتها، وطبيعة المشروعات التي قامت فيها بدون الاعتماد على أي دعم حكومي، تقدِّم إلهاماً رائعاً ونموذجاً قابلاً للتنفيذ، في أي مكان آخر .
جنة الوادي... البسايسة الثالثة!
واحدة من أحلام صلاح عرفة كانت استنساخ تجربة البسايسة الجديدة، ونقلها الى أماكن أخرى. وهو ما حدث بنقل الفكرة إلى الوادي الجديد، وإنشاء قرية "جنة الوادي الجديد"، التي امتدت على مساحة 1400 فدان في هذه المرة.
وفى حوار منشور للدكتور عرفة مع جريدة الأهرام[1] قال عن قرية "جنة الوادي"، التي انطلقت المراحل الأولى لإنشائها بالأسلوب نفسه الذي قامت عليه البسايسة الجديدة، إن "القرية تُقام على مساحة 1400 فدان، وهى تناهز ضعف مساحة البسايسة الجديدة، والعمل قد بدأ بالفعل في إقامتها كمجتمع جديد بمحافظة الوادي الجديد (على طريق أسيوط الخارجة)، على مسافة 25 كيلو متراً من مدينة الخارجة، وجميع إجراءات التخصيص ورسم الحدود مع المحافظة والإدارة المحلية قد انتهت بالفعل، وبدأت عملية تسوية الأراضي وتخطيطها، وإنشاء الطرق الأساسية والفرعية، علاوة على القيام بحفر أربع آبار عميقة، تعمل كل بئر على خدمة 250 فداناً على الأقل".
في قرية البسايسة الثالثة، "جنة الوادي"، جرى الاعتماد على الطاقة الشمسية، في إقامة مولد شمسيّ جماعي يَحصل منه كل منزل على إضاءة لمبتين، وتشغيل جهاز تلفزيون وجهاز كومبيوتر، ثم يتم تقسيم التكلفة على الجميع، ولا تحتاج إلى أيّ دعم خارجي، فيما تتكاتف القرية في طريقة المعيشة والإنتاج والخدمات، التي تتم جميعها بشكل تعاوني.
"وسوف تُستخدم في جنة الوادي معظم الأدوات والأساليب، التي استخدمت في البسايسة القديمة بالشرقية أو الجديدة بسيناء، وسوف يكون الأساس في عملية توزيع الأراضي 5 أفدنة أو 10 أفدنة لكل عضو مشارك، بالإضافة إلى مساحة 400 متر مربع لبناء منزل عائلي وحديقة خاصة".
وفي جنة الوادي أيضاً جرى الاعتماد على الطاقة الشمسية، في إقامة مولد شمسيّ جماعي يَحصل منه كل منزل على إضاءة لمبتين، وتشغيل جهاز تلفزيون وجهاز كومبيوتر، ثم يتم تقسيم التكلفة على الجميع، ولا تحتاج إلى أيّ دعم خارجي، فيما تتكاتف القرية في طريقة المعيشة والإنتاج والخدمات، التي تتم جميعها بشكل تعاوني.
في الثلاثين من تموز/ يوليو 2025، انتقل صلاح عرفة إلى رحاب الله، بعد أن قدّم برهاناً ساطعاً على إمكانية تحقيق الأحلام، وبناء المستقبل في أحد أكثر البلدان تمسكاً بعراقيل البيروقراطية المعيقة والمتجذرة. اعتمد فقط على إرادة الجموع ورغبتهم في العيش الكريم، ثم بدأ العمل .
ولكن مسيرة التنمية لم تنقطع برحيل الرجل، فمن خلفه استكمل الدكتور أحمد إبراهيم، رئيس منتدى الطاقة الجديدة، ورفيق رحلة الإبداع، طريق التنمية المتواصل، لتأكيد مقولة الدكتور صلاح عرفة: "جائزتي الحقيقية تتمثل في معرفة أننا قادرون على تحويل المعتقدات التقليدية الراسخة، وطرق التفكير القديمة، التي استقرت على مدى السنين، إلى أخرى إيجابية تُلائم عملية التنمية المستدامة. وأعتبر أن ذلك في حد ذاته يمثل خطوة الى الأمام".
- جريدة الأهرام، 31 كانون الثاني / يناير 2018. https://gate.ahram.org.eg/daily/News/202543/78/635393/ ↑





