يُنظر إلى عطيات الابنودي[1] كواحدة من أبرز صنَّاع الأفلام التسجيلية في مصر والوطن العربي. ويعود جزء كبير من إبداعها إلى أنها استطاعت بحرفية كاملة ووجدان شديد الرهافة أن تنقل الصورة الواقعية للمصريين بدون أي افتعال. بدا أبطالها وكأنهم تمّ تصويرهم بدون كاميرا. مارسوا أمامها حياتهم كما يمارسونها كل يوم، بتلقائية. تكلموا كما يتكلمون كل يوم، بالعفوية نفسها. وفي كل مرة أحست أن أبطالها يتعمدون التجمل أو التمثيل، كانت تتدخل لتجعلهم على سجيتهم تماماً، حتى بدوا وكأنهم صُوِّروا خلسة أثناء يومهم المعتاد. .
نقلتْ عطيات الأبنودي الواقع المصري المهمَّش والبعيد عن العاصمة، فقدّمت المعادل البصري لقصص يوسف إدريس وأشعار عبد الرحمن الأبنودي وحكي خيرى شلبي، وآلام النساء وهن يمضغن الفقر والحكمة، ويستعنَّ بالصبر والأمل. أدركت بقايا القرية المصرية، قبل أن تعبث بها الحداثة وتتلاشى الفوارق بينها والمدينة، فسجلت اللحظات التي مرت إلى الأبد.
الصعيد المصري أنهكه النسيان
07-09-2021
يمكن تلخيص فلسفة عطيات الأبنودى في صناعه أفلامها في تلك اللافتة التي وضعتها في مقدمة فيلم "السندوتش"، التي تقول إن هذا الفيلم "صُوِّر في قرية أبنود بمحافظة قنا من صعيد مصر عام 1975". تبعد هذه القرية 600 كيلو متراً عن القاهرة جنوباً، ولا تتوقف عندها القطارات الفاخرة التي تحمل الأفواج السياحية المتجهة إلى الأقصر. ذهبت عطيات إلى تلك القرية التي لا يلتفت إليها أحد، لتنقل واقع سكانها بكل خشونته وشظفه.
شُنّت ضدها حملة عنيفة عقب عرض فيلم "الأحلام الممكنة"، لاظهاره مشاهد الفقر، وغياب الخدمات الأساسية، وحرمان الفتيات من التعليم بسبب العادات السائدة. وجرى التشكيك في أهداف الفيلم الذي أُنتج بالتعاون مع التلفزيون الألماني، لدرجة أن البعض طالب بإسقاط الجنسية المصرية عنها. كما اتهمها نقيب السينمائيين بتأليب الطبقات الفقيرة، عند إخراجها فيلم "إللي باع وإللي اشترى"، الذي أثار جدلاً فكرياً وسياسياً حاداً نتيجة تعرضه لسياسات الانفتاح والخصخصة.
صنعت سينماها طبقاً لرؤيتها وثقافتها ونظرتها إلى الحياة والناس. وقد تسبب لها ذلك في كثيرٍ من المشكلات مع الجهات الرقابية، التي كانت ترفض عرض أفلامها في التليفزيون، بحجة أن مشاهد الفقر الشديد التي كانت تحتشد بها يمكن أن تسيء إلى "سمعة مصر"!
تلك هي الأماكن التي أحبتها عطيات الأبنودي وأحبت ناسها، وظلت تربطها علاقات دائمة مع كثيرات من بطلات أفلامها بعد الانتهاء من صناعة تلك الأفلام، مثل عزيزة في فيلم "الأحلام الممكنة"، وراوية في فيلم "أحلام البنات"، وسواهن.
الثلاثي وعطيات
في نهاية خمسينيات القرن الماضي، التقى ثلاثة أدباء من صعيد مصر، تجمعهم الرغبة الجامحة في الوصول بأدبهم إلى آفاق أكثر رحابة، هناك في العاصمة الواسعة الأكثر تأثيراً وزخماً، حيث يمكن لأدبهم أن ينطلق. أحدهم كان عبد الرحمن الأبنودي، الذى صار إحدى علامات الشعر الغنائي في مصر، وقد تزوج من السيدة عطيات. والثاني هو أمل دنقل الذى صار أحد رموز الشعر الحديث، وحفرت بعض أشعاره ممراً صخرياً، عندما كتب قصيدته "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، ثم قصيدة "لا تَصالح"، وقد وثقت عطيات تجربته ورحلته من داخل غرفته بمعهد الأورام بمدينة القاهرة، قبل وفاته بعام واحد في الفيلم الذى حمل عنوان "حديث الغرفة رقم 8". أما يحيى الطاهر عبد الله فقد صنع لنفسه مكاناً مميَزاً في القصة القصيرة، قبل أن يلقى مصرعه في حادث سير على طريق الواحات في العام 1981. وعندما شعرت عطيات الأبنودي بأهمية أن تجمع أوراقه وتراثه لحفظها وصيانتها، عادت من منزله وهي تحمل معها ابنته أسماء[2]، التي تكفلت برعايتها وظلتا معاً حتى رحيل عطيات.
فعلتْ ما تريد
أخبرتني أسماء أن عطيات صنعت سينماها طبقاً لرؤيتها وثقافتها ونظرتها إلى الحياة والناس. وقد تسبب لها ذلك في كثيرٍ من المشكلات مع الجهات الرقابية، التي كانت ترفض عرض أفلامها في التليفزيون، بحجة أن مشاهد الفقر الشديد التي كانت تحتشد بها يمكن أن تسيء إلى "سمعة مصر"! كما حدثت حملة عنيفة شُنت ضدها عقب عرض فيلم "الأحلام الممكنة"، نتيجة رصد الفيلم لمشاهد الفقر، وغياب الخدمات الأساسية، وحرمان الفتيات من التعليم بسبب العادات السائدة، وتمّ التشكيك في أهداف الفيلم الذي أُنتج بالتعاون مع التلفزيون الألماني، لدرجة أن البعض طالب بإسقاط الجنسية المصرية عنها. كما اتهمها نقيب السينمائيين بتأليب الطبقات الفقيرة، عند إخراجها فيلم "إللي باع وإللي اشترى"، الذي أثار جدلاً فكرياً وسياسياً حاداً نتيجة تعرضه لسياسات الانفتاح والخصخصة.
فيلم عطيات الأول، "حصان الطين" انتج عام 1971 وكان بالأبيض والأسود، وثقت من خلاله عمل مجموعة من النساء في مصنع لإنتاج الطوب اللِبن بقرية محلة أبو علي بمركز دسوق، فرصدت فيه تجربة النساء اللاتي عملن في مهام متكررة ورتيبة وشاقة، وسط ظروف بالغة السوء. عملت عطيات جاهدة على إبراز كرامة هؤلاء النساء، وقدمت حركاتهن بأسلوب فني بديع، ومنحتهن فرصة التحدث عن قصصهن الشخصية.
لم تحاول عطيات الأبنودي نفي "تهمة" التوجهات اليسارية، فهي أرادت أن تُفسِح المجال للفقراء على شاشتها، ورأت أنهم يستحقون أن يرووا قصصهم الكاملة، بينما تريد السلطات رواية قصص آمنة، تخلو من خشونة أبطال وبطلات عطيات ومعاناتهم، التي كانت تُحرِج الدولة وتذكِّر المسئولين بأدوارهم الواجبة.
وصف مصر
أخبرتني أسماء أن عطيات رأت أن مشروعها الأساسي هو "وصف مصر" كما كانت تحب أن تقول. رأت أن على المصريين أن يعيدوا وصف بلادهم بعيونهم وليس بعيون المستشرقين، ورأت أنها جزء من ذلك المشروع، بجانب إبداع كثير من مخرجي الأفلام التسجيلية الآخرين، بل رأت أن أي فيلم يقوم أحدهم بتوثيقه، حتى ولو كان تسجيلاً لمناسبات عائلية خاصة، هو جزء من سلسلة توثيق تصف مصر والمصريين، وأن هذه الأفلام على بساطتها سوف تحمل ولا بد دلالات ثقافية واجتماعية لا ينبغي تجاهلها أو نسيانها.
بل ورأت ان ذلك التوثيق هو امتداد لما قام به أجدادنا القدماء، عندما وثَّقوا حياتهم اليومية ونشاطاتهم المعتادة على جدران المعابد، وأنه لولا ذلك التوثيق، لما أمكننا أن نعرف أبداً كيف عاش هؤلاء الأجداد .
نقلة نوعية في الأفلام التسجيلية
اقتصرت الأفلام التسجيلية قبل عطيات الأبنودي على تصوير بعض اللقطات التي تنقل الحضارة المصرية والآثار الفرعونية أو الإسلامية، أو تصوير بعض المناظر الطبيعية التي يتم دمجها مع الأغاني الوطنية لإذاعتها في التلفزيون، أو قبل عرض الأفلام الروائية في السينما. ولكن نقطة التحوّل جاءت عندما شاهدتْ عطيات الفيلم الوثائقي "الأشياء التي لا أستطيع تغييرها"، وهو من إخراج الكندية "تانيا بالانتين"، الذي يُقدِّم نظرة واقعية وصادمة، عن حياة الفقر في كندا خلال ستينيات القرن الماضي. يركِّز الوثائقي على عائلة "بايليالتي" التي تعيش في أحد الأحياء الفقيرة بمدينة مونتريال. مَثّل ذلك الفيلم إضاءة ضرورية لعطيات، لما ينبغي أن يكون عليه الفيلم التسجيلي، ورسم لها الخطوط العامة التي ستسير عليها فيما بعد، في الانحياز الكامل إلى الحقيقة العارية.
الاختفاء البطيء لسينما الواقعية المصرية
11-01-2017
السينما "الموازية" في مصر
10-04-2014
كما تأثرتْ أيضاً بشكل كبير بما عُرف بالسينما الثالثة، وهي حركة سينمائية سياسية نشأت في دول العالم الثالث (وخاصة أمريكا اللاتينية وأفريقيا)، تحاول أن تخط لنفسها مساراً بديلاً من هوليوود والأفلام الأوروبية ذات التوجه الجمالي، وتطمح إلى تقديم صور واقعية اجتماعياً للحياة، تُركِّز على قضايا من مثل: الفقر، والهوية الوطنية والشخصية، والاستبداد والثورة، والاستعمار، والطبقة الاجتماعية، والممارسات الثقافية.
صنعت عطيات فيلمها الأول "حصان الطين"[3] عام 1971 وكان بالأبيض والأسود، ووثقت من خلاله عمل مجموعة من النساء في مصنع لإنتاج الطوب اللِبن بقرية محلة أبو علي بمركز دسوق، فرصدت فيه تجربة النساء اللاتي عملن في مهام متكررة ورتيبة وشاقة، وسط ظروف بالغة السوء. عملت عطيات جاهدة على إبراز كرامة هؤلاء النساء، وقدمت حركاتهن بأسلوب فني بديع، ومنحتهن فرصة التحدث عن قصصهن الشخصية .
حصد الفيلم العديد من الجوائز الدولية، منها الميدالية الذهبية في مهرجان قليبية تونس 1971. والجائزة الأولى في المهرجان الأول للشباب، دمشق 1972، والجائزة الكبرى في مهرجان غرونوبل فرنسا 1973، والميدالية الذهبية في مهرجان مانهايم ألمانيا 1973.
عندما سألتُ أسماء عن مصدر تمويل أفلام عطيات الأبنودي، قالت إنه حين بدأتْ بإخراج الأفلام التسجيلية، لم يكن هذا الفن يحظى بالاهتمام الكافي. حينها كان الحصول على منح أو ميزانيات مخصصة لهذا الغرض غاية في الصعوبة، ولكنها كانت تبحث عن تلك المنح بدأب شديد حتى تحصل عليها. وفى الإجمال، لم تكن بحاجة إلى ميزانيات ضخمة، لأنها كانت قادرة على تعويض نقص الإمكانيات بفرط الموهبة، التي كانت تجعل الفيلم في النهاية تحفة فنية، ذلك لأنها كانت ترى الأماكن التي تريد تصويرها مُبهِرة، وترى ملامح الناس مُبهِرة. وكانت تبذل جهدها أن تنقل ذلك الإبهار إلى المتفرجين.
إطلالة على أبطالها وبطلاتها
في فيلم "أغنية توحة الحزينة"[4] عرضت عطيات الأبنودي في مشاهد مؤثرة الألعاب التي كان يؤديها فنانو الشوارع، الذين يقومون بعروض ألعاب النار والبهلوانيات وجمباز الأطفال والموسيقى، وكان العرض مصحوباً بالأداء الصوتي لعبد الرحمن الأبنودي، فيما ظهرت "توحة"، الفتاة الفقيرة، وهي تؤدي بعض الرقصات بملابس رثة وملامح متعَبة. والفيلم في مجمله استعراض مكثف لذلك الفن، الذى كان يهدف إلى تسلية الطبقات الفقيرة، من خلال عروض الشوارع، في وقت كانت البلاد فيه تمر بمرحلة من الحزن والترقب في السنوات التي تلت هزيمة حزيران/ يونيو1967.
رأت عطيات أن مشروعها الأساسي هو "وصف مصر" كما كانت تحب أن تقول. رأت أن على المصريين أن يعيدوا وصف بلادهم بعيونهم وليس بعيون المستشرقين، ورأت أنها جزء من ذلك المشروع، بجانب إبداع كثير من مخرجي الأفلام التسجيلية الآخرين، بل رأت أن أي فيلم يقوم أحدهم بتوثيقه، حتى ولو كان تسجيلاً لمناسبات عائلية خاصة، هو جزء من سلسلة توثيق تصف مصر والمصريين.
في فيلم "الأحلام الممكنة"، الذي تمّ تصويرة في قرية "جبلاية السيد هاشم" شمال مدينة السويس، سوف تتسلل "عزيزة"، بطلة الفيلم، بنعومة إلى قلوب المشاهدين وهى تقدم النموذج الأكثر انتشاراً بين سيدات مصر. السيدة الصابرة المكافحة التي تحاول تحسين حياتها بدون شكوى أو تذمّر، نموذج النساء اللواتي ترتفع على أكتافهن جل بيوت البلاد، واللاتي يستطعن في النهاية تحقيق بعض الأحلام الممكنة!
أما "راوية"، فقد التقطتها عطيات الأبنودي من ورشة الفنانة "إيفلين بوريه"، في قرية تونس بمحافظة الفيوم لصناعة الفخار. وهناك حكت راوية عن أحلامها وتطلعاتها في الاستقلال والتميّز، وشغفها بصناعة الفخار، ورغبتها في السفر خارج مصر لعرض أعمالها التي تعتز بها.
استمر زواج عطيات وعبد الرحمن الأبنودي لمدة 12 عاماً وانتهى بالطلاق. وعلى الرغم من النهايات الخشنة لتلك العلاقة، التي بدأت واعدة وحميمة، ظل النص الذى كتبه الشاعر بالعامية للسيدة، يعبر فيه عن حبه لها وأمنياته، حاضراً وجميلاً، يردده المصريون عندما ترتفع بهم الأماني ويخذلهم الواقع المراوغ.. "الهوا هوايا، أبني لكِ قصر عالي، وأخطف نجم الليالي، وأشغل لك عقد لالي، يضوي يا أحلى الصبايا. الهوا هوايا، يبقى القمر قاربنا، والليل بحر مهاودنا، والنسمة اللي تاخدنا، ترجع شايلة الحكاية".
في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2018 رحلت عطيات الأبنودي، عن عمر 78 عاماً بعد أن تركت لنا ميراثاً باذخاً.
- - وُلدت عطيات عوض محمود في العام 1939 في محافظة الدقهلية. حصلت على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للسينما، ونالت بعدها زمالة مدرسة السينما والتليفزيون البريطانية.. وأخرجت 22 فيلماً تسجيلياً. ↑
- - أسماء يحيى الطاهر عبد الله، مُدرِّسة الدراما والنقد في كلية الآداب، جامعة حلوان. ↑
- وهو مشروع تخرجها في المعهد العالي للسينما في 1971 ↑





