دولة التلاوة المصرية

يأتي استعراض القراءات باعتباره فعلاً ثقافياً مقاوِماً للنمط الواحد، ومجسِّداً لتعددية فنية، وترسيخاً لفهم ضمني بأن صوت القارئ يمكن أن يكون جسراً معرفياً يمنح درساً حياً في تنوع الأداء".
2026-04-19

ممدوح عبد المنعم

كاتب، من مصر


شارك
احدى مآذن الجامع الأزهر في القاهرة

منذ طفولتي البعيدة، وقد أدْركتْ جدتي، وهي تستطيع أن تُميِّز بسهولة أصوات ما ينيف عن ثلاثين قارئاً للقرآن بمجرد الاستهلال فى التلاوة، على الرغم من أنهم حينها كانوا يبدون جميعاً متشابهين للغاية، في النمط وطريقة الأداء، ظلّت ذاكرتي تعي بوضوح أنها كانت تفضِّل بعض المقرئين على بعض، فتبتهج عندما يكون القارئ هو محمد رفعت أو كامل يوسف البهتيمي أو الحصري، وتصمت مصغية باحترام إلى بقية القُراء.

ولوقت طويل، ظللت من جملة المستمِعين في طقس جماعي إلى قرآن الثامنة مساءً، عبر إذاعة البرنامج العام الذى كان لا يكاد يتخلف عنه أحد. لا أنسى تلك المرات التي لا تُحصى وأنا أسير في شوارع دمنهور، وقد ضبط المارُّون مؤشرات الراديو على تلك التلاوات التى كان يتناوبها مشايخنا الكبار، والتي كانت تتسلل صادحة من أفواه المحلات. ففيما أسير، لم تكن تفوتني آية واحدة. وحين تنتهي الآية هنا تبدأ الآية التالية هناك، حتى تنتهى التلاوة التي ارتبطت نهايتها شرطياً بتلك الموسيقى المميَزة، التي تعلن عن نشرة أخبار الثامنة والنصف.

كنت صغيراً إلى الحد الذي لم أدرك معه أن تلك التلاوات التي كان يتم بثها من خلال إذاعة البرنامج العام، أو صوت العرب، أو إذاعة القرآن الكريم، لم يقتصر تأثيرها الجارف المدوي على مصر بقراها ونجوعها ومدنها الكبرى فحسب، بل عبرت الأثير لتصل إلى العالم العربي والإسلامي وتصنع تلك الدانتيلا البديعة، بالغة الاتقان والمتانة، في فضاء القوة الناعمة المصرية التى تميزت لعقود طويلة بتلك المساحة الفنية شديدة الفرادة، التي لم تستطع معها أي من دول العالم الإسلامي الدخول معها في منافسة.

ظلت مصر وحدها سيدة ذلك الفن وحاملة أسراره، وظل قراؤها الأعلام وحدهم يحملون لواء التجديد والبناء والإضافة، إلى ذلك الفن الرفيع. الفن الذى تلقاه العالَم منهم بالقبول والاستحسان.

ومنذ بواكيري صرت واحداً من هؤلاء المتيمين بذلك الفن، وتراصت بجوار المسجِّل الكبير فى بيتنا شرائط الكاسيت التي حملت صور العديد من قرائنا المعروفين، وتكونت لدَيّ بهدوء وفي مسارات متوازية تلك الذائقة الحساسة التي صرت أميز بها تلك الأصوات في فن التلاوة.

وظل يعاودنى منذ ذلك الحين، وحتى الآن ذلك السؤال الكبير.. لماذا تميزّت مصر فى ذلك الفن؟وكيف يمكن أن يجتمع كل هؤلاء القراء العظام في زمن واحد. وكيف يمكن أن يقرأ الجميع بالنمط نفسه، الذي يبدو متشابهاً ولكنه يحمل اختلافات وتمايزات شديدة، داخل الإطار العام الجامع لفن التلاوة ؟ ثم لماذا تراجع ذلك الفن فى مصر حتى بلغ الحضيض، الذي نعقت معه الغربان في كل الفضاءات، التي استولت عليها بقوة الجهل وسياسة الأمر الواقع بعد رحيل جيل الأكابر الأعلام؟

عناصر متضافرة

فى كتابه[1] (التلاوة المصرية، قصة التوهج ومسارات الانطفاء)، يُجْمل هيثم أبو زيد معالم ذلك التميز في مجموعة من الأسباب الجوهرية، ويقدِّم تفسيرات علمية وأكاديمية لتلك الأسئلة، ويضع يده ببحث جدي ومطول عن مكونات ذلك البناء من التميّز والجمال، من أهمها:

-سلامة التجويد

فيقول إن القراء المصريين حرصوا على "مراعاة الدقة الشديدة في تطبيق الأحكام ومراعاة مقادير المد والغُن والتسوية بين النظائر، وإحكام مخارج الحروف واستيفاء ما لكل حرف من صفات، كالجهر والهمس والشدة والرخاوة والاستعلاء والاستفال والانفتاح والإطباق والقلقلة والصفير والتفشي[2]"، وهي الدقة التي تمّ تطبيقها بصرامة استثنائية، فتواترتْ شفاهة بلا تهاون عبرعقود ممتدة من ذلك الفن، مما جعل قراء مصر في الصدارة من تلك الدقة، جعلتهم موضع ثقة الجماهير العربية والإسلامية، فكانت كثير من تلك الدول تراجع مصاحفها بمطابقتها مع تلك النسخة التي اعتمدها العلاّمة الشيخ محمد الضباع، الذي كان علَماً شامخاً في ذلك الباب والذي انتهت إليه رئاسة الإقراء فى مصر والدول العربية .

ولا شك في أن انتشار آلاف الكتاتيب في قرى مصر ونجوعها ومدنها الكبيرة قد أسهم في سلامة لسان المقرئين ومتانة حفظهم ودقة مخارجهم منذ بواكيرهم، واكتسبتْ أصواتهم ما يمكن أن نطلق عليه "السليقة القرآنية" السليمة، التي قلما حادت عن النطق المنضبط السليم.

فإذا تصادف أن ذلك الطفل الذى أتمّ حفظ القرآن الكريم كاملاً واستقام لسانه بقراءته، كان صاحب صوت مميَّز وذائقة فنية خاصة، وتشرّب من تلك الحاضنة التي اختمر فيها ذلك الفن المعتق على مدى عقود، فتلك هى البوتقة المناسبة لانطلاق صوت جديد، سوف يعرف طريقه إلى الذيوع والانتشار لينضم إلى الأفذاذ فى فن التلاوة.

-التغني المقامي

"يستخدم القراء المصريون مجموعة من المقامات الشرقية، وعلى رأسها البياتى والصبا والحجاز والنهاوند والراست والسيكاه والعجم، ثم يلونونها بمقامات فرعية مثل الشورى والهزام والبستكار والجهاركاه"[3]. وفيما يشبه القاعدة المستقرة، يبدأ القراء المصريون تلاوتهم -غالباً- بمقام البياتي وكذلك يختمون تلاوتهم به، وكان للشيخ مصطفى إسماعيل أثر كبير فى ترسيخ تلك القاعدة النغمية،

وكذا ترسيخ قاعدة التصاعدية، إذ يحرص هؤلاء القراء على بدء القراءة من درجة خفيضة –القرار- ثم التصاعد التدريجي، وصولاً إلى الجواب، ثم الوصول إلى درجة جواب الجواب، وهي منطقة صوتيه لايستطيع بلوغها إلا أصحاب الأصوات القادرة، التى لا تقل عن ديوانين موسيقيين كاملين (أوكتافين).

ساعد في بلوغ تلك الغاية قابلية القرآن الكريم نفسه كنص للتنغيم كما تقول الدكتورة سناء البياتي[4] 5 والمقصود هنا هو البناء اللغوي والصوتي للقرآن. "فلو أعطيت نصاً غير القرآن لأحد أشهر المجوِّدين في التلاوة فلن يستطع تلاوته بأي حال".

ولا شك في أن كثيراً من هؤلاء القراء لم تكن لديهم دراية أو معرفة بتلك المقامات، ولم يتعلموها بشكل منهجي لأنهم كانوا يتلون تلاوات حرة مرتَجلة، يسيرون فيها خلف فطرتهم، ويستندون إلى مخزون استماعهم الغزير، الذي ترافق مع شغف أصيل وأذن مدربة وعقل متدبر ونفس ذواقة. فخرجت الجمل منسجمة، بعيدة عن النشاز والركاكة والتكلف. لم يكن أحدهم بحاجة إلى تسمية ما يؤديه من نغمة أو أن يشرح انتقالاته من مقام إلى مقام طبقاً لمقتضى القراءة، بل كانوا يتركون الجملة تحكمها الفطرة السليمة والفن المتشرَّب عبر الاستماع والتأمل.

"ظل التغني بالقرآن يراعي التفرقة الصارمة عن الغناء الدنيوي الشائع، إذ يتم استخدام المقام "ضمن عملية روحية عميقة تحكمها قيم دينية وقواعد تجويدية. فكان المقام في نهاية الأمر هو إطار صوتي يساعد على الوصول إلى حالة الخشوع والتركيز والتأمل". وظل التغني محكوماً في حدوده الوظيفية والجمالية التي يضبطها الورع الشخصي للقارئ، والأطر المجتمعية التى لا تقبل إهدار تلك الشروط، وظل المجتمع والمستمعون الذين يمتلكون ذائقة مرهَفة وحساً وجدانياً عالياً يمثِّلون حائط صد قوي وحاجزاً صارماً يمنع ذلك الخلط بين الغناء والتلاوة. وقد أثبتت التجربة أن كل من حاول إزالة ذلك الحاجز من القراء، سقطت هيبته وضاعت جماهيريته إلى غير عودة.

-الارتجال المنضبط

وهي واحدة من أهم العلامات والضوابط التي صنعت الفارق في المدرسة المصرية لفن التلاوة، إذ إن تلك التلاوات "لا تخضع إلى نغم مسبق، ولا تقوم على الارتجال الكامل، ولكنها تمزج بين النظام والارتجال، بين التخطيط اللحني واللحظة الشعورية... فالقارئ المتمرس لا يكرر القوالب ذاتها، وانما يعيد ابتكارها في كل مرة بما يتناسب مع السياق اللحني والنفسي للآية"، مما يمكن أن نعتبره ارتجالاً منضبطاً داخل نسق أدائي موروث . ارتجال "لا ينتمي إلى منطق التلقين الآلي ولا إلى فوضى الأداء الحر، بل يقف على الحد الفاصل بين النظام والابتكار"، "ومن ثَمّ فالارتجال المنضبط ليس خروجاً على القواعد بل ممارسة خلاّقة ضمن حدود تلك القواعد، وبعبارة أخرى فإن الهوية الفنية لا تنشأ من الثبات، بل من التكرار المشوب بالتجديد، وهذا ما يمنح التلاوة المصرية قوتها، لأن "كل شيء يبدو مألوفاً ولكنه لا يقال بالطريقة نفسها مرتين".

ظل ذلك الارتجال المنضبط والأداء الكلاسيكي المتجدِّد داخل أطره المرعية والمتوارَثة هو البوابة الذهبية، التي تسمح بقبول أصوات جديدة. فلم يكن جمال الصوت أو مساحته أو سلامة التجويد وحدها أسباباً كافية ليأخذ القارئ مكانه بين أنداده، بل كان لا بد أن يحافظ على تلك السمات الخاصة بالأداء الكلاسيكي المميز، مع وضع بصمته الخاصة المتفردة.

-استعراض القراءات

التنوع في الروايات أخرج هذه القراءات من متون الكتب وأروقة المعاهد العلمية إلى مسامع الناس في كل مكان، ما أسهم في تعزيز ملَكة السماع لدى الجمهور، لا سيما غير المتخصصين، وقرب إليهم هذا العلم المعقد بغير تعقيد. وقد أعاد هذا التوجه الاعتبار لعلم القراءات ومنعه من التحجُّر والانزواء.

"ومن هذا المنظور فإن استعراض القراءات يأتي باعتباره فعلاً ثقافياً مقاوِماً للنمط الواحد، ومجسداً لتعددية فنية، وترسيخاً لفهم ضمني بأن صوت القارئ يمكن أن يكون جسراً معرفياً يمنح درساً حياً في تنوع الأداء".

الأسباب والنتائج ..

جاءت كل عناصر الفرادة السابقة نتيجة لذلك الاختمار الفني، الذى نما على مهل خلال قرنين على الأقل، وربما أبعد من ذلك بكثير، كانت القاهرة والمدن الكبرى تستمع فيها إلى المنشدين وبطاناتهم فى كل المناسبات الاجتماعية المختلفة، وتستمع إلى تلاوات القرآن التي كانت في طور التأسيس والبناء، علاوة على أناشيد الصوفية في تكاياهم وحلقات ذكرهم، التي زخرت بها القاهرة. فتأسست تلك الذائقة التراكمية، التي نقلت شفاهة إلى الأجيال التالية، وظلت تحذف وتضيف.. تستبقي وتستبعِد، حتى استقرت عند غاية الاتقان وتمام الأداء.

وليس من قبيل المصادفة أن العديد من كبار القراء قد ولجوا إلى عالم التلاوة من باب الإنشاد الفسيح، وتربّى على أيديهم العديد من القراء الأعلام.

.. وعندما استهل القرن العشرون كانت الثمار قد أينعت، وظهرت تلك الأجيال المضيئة من قراء دولة التلاوة الكبيرة، بعد أن اكتمل ذلك الفن وتوهج، وبعد أن خرج من قرى مصر وربوعها كثير من تلك الأصوات.

وبلغت دولة التلاوة غاية تألقها وذروة اكتمالها بظهور الشيخ مصطفى إسماعيل، الذي كان صوته جامعاً لكل سمات العظمة والجمال والاكتمال، بحيث يمكن أن نعتبره وعاءً جامعاً لكل فنون التلاوة.

لم تكن دولة التلاوة المصرية وليدة الصدفة، بل كانت ثمرة لعملية تقطير فني، خلق "وجْداناً سماعياً" مكّن التمييز بين الأصوات الأصيلة والأصوات الركيكة المتهافتة، فظهر لهذا الفن أساتذة أعلام أخذوا بيد المواهب الحقيقية، ولقنوها الأصول المرعية، التي حرص الجميع على المحافظة عليها ضمن تقاليد صارمة صانت هذا الفن صيانة كاملة. وظل هذا الحاجز راسخاً متيناً حتى بدأ فى التحلل والانهيار، لتعرف دولة التلاوة طريقها إلى الأفول والانزواء..

______________________

  1. دار العين للنشر / الطبعة الأولى 2026.
  2. المصدر السابق.
  3. المصدر السابق.
  4. باحثة وأكاديمية عراقية / جامعة بغداد، والاستشهادات التالية في النص من أعمالها.

مقالات من مصر

للكاتب/ة

السيدة التي استنطقت الجينات

كانت سامية التمتامي أول سيدة عربية تتخصص فى الجينات البشرية وقراءة الكروموسومات، فتفك شفراتها، وتنتقل بعدها من مرحلة التشخيص إلى إرساء مراحل الوقاية والعلاج في المنطقة العربية. وكان قرار العودة...