النبطية: حاضرة مدمَّرة عزلاء متروكة لمصيرها

دارت النقاشات بين النازحين من النبطية حول معنى "إسناد غزة"، وما إذا كانت المدينة قادرة على تحمّل هذا العبء. أما في المدينة، لدى الذين اختاروا البقاء، ليس لأنهم لا يخافون، بل لأنهم أدركوا أن الرحيل يعني خسارة ما تبقّى من هوية ومكان، وأن النبطية ليست مجرد مدينة، بل هي ذاكرةٌ حيّة ترفض أن تُمحى من على الخريطة، مهما تكاثفت غيوم العدوان.. فقد عضّوا على جرح سرقة أموالهم في المصارف وترهيبهم من قبل زبانية أمراء الحروب.. تكاتفوا وصمدوا.
2026-09-10

عماد الدين رائف

كاتب وصحافي من لبنان


شارك
ساحة النبطية ومسجدها (تصوير كامل جابر)

بين ما يسمى "موقف السفارة الكويتية" في بيروت، حيث تقف الباصات لتنقل الركاب الى الجنوب، وبلدة دير الزهراني، نحو ساعة من الزمن. قَفزتْ تعرفة راكب ال"فان" (الميكروباص) إلى خمسمئة ألف ليرة (5.7 دولار) في الشهر الماضي، بعدما كانت تقارب 3 دولارات. أما أجرة التاكسي إلى النبطية فتتراوح بين 60 ومئة دولار، إذ إن التعرفة المحددة من قبل وزارة الأشغال والنقل باتت جزءاً من الماضي. ينهب ال"فان" الأرض بعد بلدة دير الزهراني، التي ما زالت تشهد قصفاً إسرائيلياً متقطعاً، إلى مفرق بلدة حَبّوش. ينتصب إلى اليسار مستشفى الشهيد حكمت الأمين (النجدة الشعبية)، الذي سطّر فريقه الطبّي خلال موجة الحرب الأخيرة معجزات يومية في أصعب الظروف. ثم إلى مفرق بلدة كفررمان، تلتف بنا الطريق يميناً نحو الوادي لتصعد من جديد. ها نحن في النبطية، حاضرة جبل عامل. تختزل المدينة، بجدرانها المثقوبة وشوارعها المهدّمة وأبنيتها التي استحالت ركاماً، حكاية صمودٍ مستمرة على وقع الهدنة الهشّة التي لا تمنحها سوى هامشٍ ضيّق من التنفس.

سكان المدينة اليوم خليط من العائلات التي لم تغادرها على الرغم من كل شيء، والنازحين من القرى المهدَّمة أو المحتلة داخل ما يسمى بالشريط الأصفر، إلى جانب العائدين إليها، الذين وجدوا منازل سَلمت من التدمير أو تضررت جزئياً وتصلح للمبيت فيها. أما باقي سكانها فلم يعودوا إليها، منهم من عاد ووقف على ركام منزله ورجع إلى مكان نزوحه، ومنهم من يخشى العودة في ظل عدم الاستقرار حتى اليوم. الناس فيها يعيشون في حالة من الترقب اليومي. تحت أزيز الطائرات المسيرة الإسرائيلية، يحتشد عدد من الرجال في المقاهي التي نجتْ من التدمير، وأمام بعض المحال التي فُتحت مجدداً بحذر، يتبادلون أخبار الغارات التي لم تتوقف. "هل سقطت تلة علي الطاهر؟". "هل بات العدو فوق النبطية؟". "هل مصيرنا كمصير أهل بنت جبيل؟". هكذا تُروِّج وسائل إعلام العدو ويردد اللبنانيون المطبِّلون لها بعدها، وما أكثر منابرهم اليوم. ليلة قاسية من القصف، طالت المدينة والطريق إليها وبلدة الكفور المجاورة، حيث هدم العدو فيها دار الكاتب والشاعر والمناضل المعروف حبيب صادق، بعد هدمه مقر المجلس الثقافي للبنان الجنوبي في الحرب الأخيرة، وليلة أخرى من الرعب حصدت أرواح عائلة كاملة مع أطفالها في بلدة كفررمان، وقَصف فيها العدو موقف فخر الدين للسيارات ومستشفى صلاح غندور في المدينة... يتجادل أهل الرصيف حول فحوى رسائل خبرية نصّية تصلهم عبر مجموعات "الواتساب"، وبيان يعلن النبطية منزوعة السلاح، وكأن العدو يأبه ببيانات كهذه! ويصيب كثيرين منهم وجوم طويل ونظرات حائرة تعكس حالة عدم اليقين التي يعيشونها.

ثلاث سنوات من الرعب

بعد السراي، وموقف الميكروباصات، يحاول المرء أن يقارن بين ما اختزنته الذاكرة من شوارع المدينة وبين ما هو أمامه من دمار. مكتبة الطليعة.. نزلة الديماسي.. أين النزلة؟ تتبدد المعالم بين بقايا المباني. أُزيل بعض الركام، أما البعض الآخر فهياكل إسمنتية متآكلة. الجوّ خانق، شمس أيلول/ سبتمبر لا ترحم، والغبار كثيف يُزكم الأنوف.. هل هذا موقف سيارات القرى؟ أين الملعب الرملي الذي تحول جزء منه إلى موقف للسيارات؟ هنا ساحة عاشوراء، والمسجد الكبير. شهد تموز/ يوليو الماضي حملة تنظيفات كبيرة نظمتها البلدية لفتح الطرق وإزالة الأتربة والركام منها، أسفرت عن إعادة ظهور معالم الطريق، إلا أن المَشاهد حولها باتت مختلفة تماماً. تختلط مشاهد الدمار في الذهن بين دمار حديث، أي في موجة الحرب الأخيرة، التي سمّيت ب"إسناد إيران"، بين آذار/ مارس، وتموز/ يوليو 2026، ودمار أقدم، أي في موجة "إسناد غزة"، بين أيلول/ سبتمبر، وتشرين الثاني/ نوفمبر 2024.

اليوم، تتضارب الأرقام حول الأضرار في المدينة. يُقال إن نحو 11500 منشأة أصيبت بأضرار متفاوتة، حيث تضررت نحو 7200 وحدة سكنية، منها 750 وحدة دُمِّرت بشكل كامل، وتضررت 1450 وحدة بشكل جزئي، في حين يحتاج حوالي خمسة آلاف منزل إلى أعمال ترميم. ويقال أكثر أو أقل من ذلك. يظهر أن هذه الأرقام مجرد تقديرات، تضاف إليها تقديرات تتعلق بالقطاع التجاري، الذي ألحقت به الموجة الأخيرة من الحرب خسائر جسيمة، حيث تضرر 4250 محلاً تجارياً، من بينها 450 محلاً دُمِّر بالكامل، وتضرر 800 محل بشكل جزئي، فيما يحتاج نحو ثلاثة آلاف محل إلى أعمال ترميم وإعادة تأهيل. كان نصيب السوق القديم كبيراً في حجم الدمار، حيث حولت الغارات أجزاء كبيرة منه إلى ركام.

زرعت الموجة الأولى، خريف 2024 بذور هذا الدمار المتراكم. آنذاك، بعد الفرار الكبير في أيلول/ سبتمبر 2024، تمكن مئات الآلاف من الوصول إلى صيدا وبيروت بسياراتهم، وقضوا ما بين 12 و18 ساعة على الطريق. بقي في المدينة من لا مكان له يلجأ اليه ولا قدرة مادية لديه لاستئجار شقة أو غرفة في أماكن كانت تعتبر آمنة. نالت الصواريخ الإسرائيلية من المدينة وقراها، وكان الدمار هائلاً، بعدما تحولت المدينة الصغيرة فجأة إلى نقطة ارتكاز في معركة إقليمية. اجتماعياً، كانت تلك الفترة أشبه بزلزال هزّ النسيج الداخلي.

كان الثنائي الشيعي المسيطِر على المدينة قد كتم أنفاس الأصوات المعارِضة له بأشكال مختلفة، بين ترغيب وترهيب. إلا أن تلك الأصوات المعارضة نهضت تحت الضغط وظهرت علناً في انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وتعرض عدد من الناشطين في النبطية وكفررمان المجاورة للقمع المباشر والضرب على أيدي مناصري الثنائي، بدون أن تطالهم أي ملاحقة قانونية. إلا أن العدوان الإسرائيلي خلق واقعاً جديداً، فمن بقي من السكان في المدينة وجدوا أنفسهم مجبَرين على التماسك تحت سقف الخطر المشترك، ودفعوا أثماناً باهظة، إذ لم يرحم العدو أحداً، واستهدف المدنيين وفرق الإسعاف والهيئات الصحة والإغاثية. شكَّل التضامن الشعبي الخيط الوحيد الذي منع المجتمع من الانهيار. دارت النقاشات بين النازحين من النبطية حول معنى "إسناد غزة" وما إذا كانت المدينة قادرة على تحمّل هذا العبء. أما في المدينة، لدى الذين اختاروا البقاء، ليس لأنهم لا يخافون، بل لأنهم أدركوا أن الرحيل يعني خسارة ما تبقّى من هوية ومكان، وأن النبطية ليست مجرد مدينة، بل هي ذاكرةٌ حيّة ترفض أن تُمحى من على الخريطة، مهما تكاثفت غيوم العدوان.. فقد عضّوا على جرح سرقة أموالهم في المصارف وترهيبهم من قبل زبانية أمراء الحروب.. تكاتفوا وصمدوا.

سكان مدينة النبطية اليوم خليط من العائلات التي لم تغادرها، على الرغم من كل شيء، والنازحين من القرى المهدَّمة أو المحتلة داخل ما يسمى بالشريط الأصفر، إلى جانب العائدين إليها، الذين وجدوا منازل سَلُمت من التدمير، أو تضررت جزئياً وتصلح للمبيت فيها. أما باقي سكانها فلم يعودوا إليها، منهم من عاد ووقف على ركام منزله، ورجع إلى مكان نزوحه، ومنهم من يخشى العودة في ظل عدم الاستقرار حتى اليوم.

تتضارب اليوم الأرقام حول الأضرار في المدينة. يُقال إن نحو 11500 منشأة أصيبت بأضرار متفاوتة، حيث تضررت نحو 7200 وحدة سكنية، منها 750 وحدة دُمِّرت بشكل كامل، وتضررت 1450 وحدة بشكل جزئي، في حين يحتاج حوالي خمسة آلاف منزل إلى أعمال ترميم. ويقال أكثر أو أقل من ذلك... كان نصيب السوق القديم كبيراً في حجم الدمار، حيث حولت الغارات أجزاء كبيرة منه إلى ركام.

كان الأمل لا يزال مسيطراً بشكل جزئي على الصامدين. ثم أتى ما عُرِف باتفاق وقف الأعمال الحربية في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 ليعزز هذا الأمل. لكن تبين أنه ليس سوى جرعة زائفة منه. "على شو وقّعوا؟". مرّت الشهور الخمسة عشر بطيئة ثقيلة على أهل النبطية الذين رمموا ما تيسر من بيوتهم ومحالهم التجارة واستعادت المدينة شيئاً من نشاطها اليومي فيها. كانت إسرائيل تسرح وتمرح في سماء المدينة، تغتال من تشاء وتقصف ما تشاء. ثم أتت الموجة الثانية، "حرب الصواريخ الستة"، أو "إسناد إيران"، وحدث الهروب الكبير الثاني من المدينة في 2 آذار/ مارس 2026. صبّ العدو حممه على كل شيء. انهارت المباني وأُقْفِلت الطرق، وبات التنقّل من حيّ إلى آخر داخل النبطية مغامرة محفوفة بالمخاطر. عاش الأهالي الصامدون في أحياء الميدان والسراي والبياض أياماً مرعبة تحت القصف المدفعي المتواصل، وقيل إن أحداً لم يبق في حي المسلخ، وكان دويّ الانفجارات لا يفترق عن نبضات قلوب الصامدين. اختفت مقومات الحياة في المدينة، الوصول إلى الماء والدواء والغذاء بات متعذراً...

وها هي الموجة الثانية من الحرب قد انتهت بشكل مبهَم، "على زغل"، كما يقال عن الجرح الذي التأم بدون تطهير. العدو يستهدف أطراف المدينة بشكل يومي، ويستهدف العابرين على طريق بلدة النبطية الفوقا المجاورة، ويتابع تدمير القرى غير البعيدة عن النبطية داخل ما يسمى بالخط الأصفر. فقد أظهر إحصاء غير رسمي للاعتداءات الإسرائيلية، 665 استهدافاً موثّقاً لمواقع مدنية بين 26 حزيران/ يونيو وآخر آب/ أغسطس 2026، أي بمعدل 67 اعتداء يومياً منذ إبرام ما سمي بـ"اتفاق الإطار" بين لبنان الرسمي وكيان العدو، عدا عن التحليق المستمر للمسيرات فوق رؤوس المواطنين والتفجيرات الضخمة للمنازل في المناطق المحتلة.

الجولة في النبطية اليوم تستنزف الحواس كلها: تحت عين الطائرات المسيرة الاسرائيلية بأزيزها، وعلى وقع القصف المدفعي وصواريخ الطائرات وتفجير الأبنية في البلدات القريبة المحتلة، والأتربة الناتجة عن ركام المباني المدمرة تسد الأنوف وتتسلل الأغبرة بطعم الإسمنت والسخام إلى الفم.. أما العين فلا ترتطم بمشاهد مألوفة، بل بحاضرة جعلتها حرب السنوات الثلاث "كعصف مأكول"، تُكلِّلها صور الشهداء.. الكثير من الوجوه الناظرة إليك بين الدمار، وفوق الأرصفة الباقية، حيث تتحلق مجموعات من الرجال فوق كراسٍ بلاستيكية وبأيديهم أكواب صغيرة من الورق المقوى. يتحدثون.. كما قال زياد الرحباني في أغنيته الجنوبية "لـِ عـَم يحكوا اليوم هَوْ غير اللي ماتوا. المعتّر بكل الأرض، دايماً هوّي ذاتو".

هنا، قرب السوق، تجلس امرأة ثمانينية فوق حجر إسمنتي. وضعت كرتونة فوق الحجر. لن نعرف متى أتت.. فقد درنا في الأزقة وعدنا إليها ولا تزال مكانها. جلست هناك بثيابها السود ومنديلها الرمادي العاملي، الملفوف فوق رأسها ثم المسدل على ثوبها. كانت تُحدّق في فراغٍ كان مبنى، تتمتم بشيء ما. تُحدِّث نفسها، وترسم بطرف أصبعها غرفتها ربما. نقف على مسافة منها، ننظر إليها، ننظر إلى سبابة يمناها المرفوعة نحو الفراغ. نحاول أن تخمن في أي طابق كانت تسكن، الثاني أم الثالث؟ فيم تفكر؟ أتراها تعيد ترتيب ثوب صلاتها وسجادتها ومصحفها؟ أتراها تبحث عن باب منزلها الذي لا تزال تحتفظ بمفتاحه؟ أم أتراها تبحث عن ثروتها الأخيرة.. عمّا تركته لـ "طلعتها"؟ تلك المستلزمات القليلة التي تحرص أمهاتنا على تحضيرها، من الكفن الأبيض ذي الأربطة وغطاء الرأس، وبعض الأوراق النقدية المخبأة بعناية، كي تخرج للمرة الأخيرة من منزلها في جنازة لائقة... تتجسد النبطية العزلاء المقهورة في هذه المرأة العاملية التي لم يشفق عليها أحد في "أرذل العمر".

سوق الإثنين

نتابع السير في نزلة الديماسي (جولة بتاريخ 31 آب/ أغسطس). يستغل بعض الباعة جدراناً لم تسقط، يُعلِّقون عليها ثياباً نسائية ويدلِّلون عليها. تتناثر البسطات هنا وهناك على جانبي الطريق حتى ساحة الحسينية. إلى اليسار، حيث اصطفت قبل حرب الإسناد الأولى البسطات، وتَزاحم الناس حولها، لا شيء. أحدهم فتح صندوق سيارته الخلفي وأخرج بعض البضائع عارضاً إياها على المارة القلائل. بات سوق الإثنين يتمركز على الطريق المؤدي من جبّانة المدينة (المدافن) حتى شارع محمود فقيه. عدد الباعة على البسطات لا يتعدى العشرين، وإذا أضفنا إليهم أولئك المتناثرين حتى نقطة تجمعهم، فربما يصل عددهم الإجمالي إلى الثلاثين، لكن أولئك الباعة ليسوا من أهل السوق. ربما من الوافدين إلى المدينة الذين يرغبون في الحصول على خبزهم قوت يومهم. بدأت الحركة خجولة جداً قبل أربعة أسابيع، وها هو السوق يستعيد بعض روحه مع صباح كل يوم إثنين. لكن صورة السوق اليوم مؤلمة لما آلت إليه الأحوال. فالسوق الذي كان يفترش الشارع الرئيس ويمتد إلى الأزقة الجانبية، لم يعد سوى ظلٍّ لذاته.

نالت الصواريخ الإسرائيلية من المدينة وقراها، وكان الدمار هائلاً، بعدما تحولت المدينة الصغيرة فجأة إلى نقطة ارتكاز في معركة إقليمية. اجتماعياً، كانت تلك الفترة أشبه بزلزال هزّ النسيج الداخلي. خلق العدوان الإسرائيلي واقعاً جديداً، فمن بقي من السكان في المدينة وجدوا أنفسهم مُجبَرين على التماسك تحت سقف الخطر المشترك، ودفعوا أثماناً باهظة، إذ لم يرحم العدو أحداً، واستهدف المدنيين وفرق الإسعاف والهيئات الصحة والإغاثية. شكَّل التضامن الشعبي الخيط الوحيد الذي منع المجتمع من الانهيار.

كانت إسرائيل تسرح وتمرح في سماء المدينة، تغتال من تشاء وتقصف ما تشاء. ثم أتت الموجة الثانية، "حرب الصواريخ الستة"، أو "إسناد إيران"، وحدث الهروب الكبير الثاني من المدينة في 2 آذار/ مارس 2026. صبّ العدو حممه على كل شيء. انهارت المباني وأُقْفِلت الطرق، وبات التنقّل من حيّ إلى آخر داخل النبطية مغامرة محفوفة بالمخاطر.

في الموجة الأخيرة من الحرب كانت الطرق التي يحتلها السوق أسبوعياً أحد أبرز ضحايا التدمير الممنهج. في الأسبوع الثاني من آذار/ مارس، حين بدأت الغارات الإسرائيلية تستهدف البنى التحتية والطرق الحيوية، حلّت الصواريخ قرب مدخل السوق مما أدى إلى تحطم عدد من الأكشاك الثابتة التي كانت تقوم على أعمدة حديدية، وانتشر الزجاج المكسور وبضائع المحال التجارية. تحوَّل الطريق إلى ممر للفارّين من القصف. المدة بين موجتي الحرب، أي بين صيف 2026 وخريف 2024، كانت محاولة يائسة لإنعاش ما تبقى من هذا السوق. 

في هذه الأشهر القليلة التي مَنحت المدينة شيئاً من الهدنة، أزلت البلدية الركام وفتحت الطرق، وتجرأ بعض التجار على إعادة إعمار محالهم التجارية على حسابهم. شرع باعة سوق الإثنين بإصلاح ما يمكن إصلاحه من الطاولات، وعادت عربات الخضار الصغيرة لتظهر من جديد على جانبي الشارع. أقيمت أسواق إثنين متواضعة، حيث كان يغلب عليها بيع الأدوية المنزلية والمواد التموينية الأساسية والألبسة والأحذية. وعرضت النساء المربَيات والمخللات والمونة المنزلية المصنوعة في بيوتهن، كتحدٍّ صامت للواقع. لكن روح السوق لم تعد موجودة. فالضجة التي كانت تملأ المكان، وصخب المساومة، وضحكات الأطفال، كلها غابت، واستُبدِلت بصمت ثقيل ووجوه مرهَقة. حتى أن الباعة كانوا ينهون عملهم مبكراً خوفاً من أي اعتداء مفاجئ.

أظهر إحصاء غير رسمي للاعتداءات الإسرائيلية، 665 استهدافاً موثّقاً لمواقع مدنية بين 26 حزيران/ يونيو وآخر آب/ أغسطس 2026، أي بمعدل 67 اعتداء يومياً منذ إبرام ما سمي بـ"اتفاق الإطار" بين لبنان الرسمي وكيان العدو، عدا عن التحليق المستمر للمسيرات فوق رؤوس المواطنين والتفجيرات الضخمة للمنازل في المناطق المحتلة.

هنا، قرب السوق، تجلس امرأة ثمانينية فوق حجر إسمنتي. وضعت كرتونة فوق الحجر. لن نعرف متى أتت.. فقد درنا في الأزقة وعدنا إليها ولا تزال مكانها. جلست هناك بثيابها السود ومنديلها الرمادي العاملي، الملفوف فوق رأسها ثم المسدل على ثوبها. كانت تُحدّق في فراغٍ كان مبنى، تتمتم بشيء ما. تُحدِّث نفسها، وترسم بطرف أصبعها غرفتها ربما. نقف على مسافة منها، ننظر إليها، ننظر إلى سبابة يمناها المرفوعة نحو الفراغ...

في السابق، كانت النبطية تتنفس عبر سوق الإثنين. يمتد تاريخ هذا السوق إلى ما قبل تأسيس دولة لبنان الكبير، حيث كان نقطة التقاء للقرى الجبلية والسهلية في الجنوب، ليصبح معتمَداً رسمياً كسوق أسبوعي منذ العشرينيات من القرن الماضي. لم تقتصر معروضات السوق على المحاصيل والمعدات الزراعية، بل كانت تتعداها إلى بيع الماشية والحمير والبغال، وكان يحتل قلب المدينة ويتمدد إلى الشوارع الفرعية والأزقة. في عصر ازدهاره، كان يمتدّ على أكثر من كيلومترين، ويلتوي في أزقة ضيقة مليئة بالدكاكين الثابتة والبسطات المتنقلة. كان يوم الإثنين هو يوم المدينة بامتياز، حيث يفد الفلاحون من القرى بجرارهم وقفافهم المحمَّلة بخيرات الأرض، ويعرض التجار الأقمشة والأدوات المنزلية والعطور، وتُنصب خيام صنّاع الحلوى على جوانب الطريق، لينتشر عبق السكر والهيل في كل زاوية. لم يقتصر السوق على التجارة بل كان مهرجاناً اجتماعياً، يقصده الناس من القرى المجاورة من كفررمان وكفر تبنيت والنبطية الفوقا شرقاً، ومن شوكين وميفدون جنوباً، ومن زبدين وحاروف وأنصار وعبّا جنويا، ومن قرى إقليم التفاح شمالاً... وعلى الرغم من حداثة بعض المباني والمحال التجارية، حافظ السوق على طابعه الشعبي العفوي، حيث تجري المفاصلة على راحة، ويقترن البيع بالدعاء والترحيب، وتُختَتم الرحلة بتناول طبق من الفول والحمص في أحد المطاعم الصغيرة، أو يقصد الرواد سوق اللحامين الشهير في المدينة. كل ذلك بات أثراً بعد عين.

إلى أين؟

ما إن أُعلِن عن "الاتفاق" و"توقف الأعمال الحربية" في 17 حزيران/ يونيو الماضي، حتى تدفق أهل النبطية إليها من أماكن نزوحهم. اصطفت الشاحنات أمام المحال التجارية والمستودعات التي سلمت من التدمير، وكان التجار أول مغادري المدينة. افتتحوا محال تجارية بديلة على الساحل بين صور وصيدا أو شمال صيدا ومنهم من انتقل إلى بيروت. كان مشهد تسلل رأس المال من المدينة مخيفاً، "لكنهم معذورون.. هل ينبغي عليهم الانتظار كي تدمر إسرائيل أرزاقهم!". لم يلتزم العدو الإسرائيلي بأي تهدئة، واضطر أهل المدينة إلى الهرب منها مع كل تصعيد، فاصطفت طوابير السيارات المغادرة لكيلومترات باتجاه الطريق الساحلي في الزهراني خوفاً من استهداف المدينة.

في السابق، كانت النبطية تتنفس عبر سوق الإثنين. يمتد تاريخ هذا السوق إلى ما قبل تأسيس دولة لبنان الكبير، حيث كان نقطة التقاء للقرى الجبلية والسهلية في الجنوب، ليصبح معتمَداً رسمياً كسوق أسبوعي منذ العشرينيات من القرن الماضي. لم تقتصر معروضات السوق على المحاصيل والمعدات الزراعية، بل كانت تتعداها إلى بيع الماشية والحمير والبغال، وكان يحتل قلب المدينة ويتمدد إلى الشوارع الفرعية والأزقة. في عصر ازدهاره، كان يمتدّ على أكثر من كيلومترين

اليوم، العتب كبير عن نواب المدينة والساسة الذين لم يخاطبوا جمهورهم الوفي المطيع بأي كلمة مطمْئِنة. تقف تلّتا الدبشة وعلى الطاهر فوق المدينة. لا تجعلان من النبطية حصناً منيعاً، فالعدو يقصف الطرق بالمدفعية من قلعة الشقيف المحتلة، وطياراته الحربية والمسيرة فوق الرؤوس، لكن التلّتان كانتا تشكلان جزءاً من أمان ما في أذهان السكان. وهؤلاء السكان لم يطمئنهم أحد بكلمة.. ومن يستطيع ذلك؟ قلق يسود كل النفوس مصحوباً بانعدام الأمان، فيما يكثّف "أولو الأمر" من وتيرة بثّ شعاراتهم الفارغة التي لا تحاكي الواقع ولا تسمن أو تغني من جوع.

مقالات ذات صلة

على عتبة الموسم المدرسي، أقفلت بعض المدارس الخاصة والإرساليات أبوابها، "لحقت بالتجار"، فيما تحاول المدارس الأخرى أن تستمر على الرغم من كل شيء. تعلو بين الحين والآخر صرخات السكان من ارتفاع الأقساط المدرسية وأسعار القرطاسية والزي المدرسي والكتب، واستشراء الغلاء وفقدان النقود قيمتها الشرائية، وتعذر تحصيل الرزق، والارتفاعات الكبيرة في بدلات النقل، وتحكم أصحاب المولدات الخاصة برقاب الناس، ففاتورة شهر آب/ أغسطس توازي كلفة المعيشة أو تزيد عنها... لكنها مجرد صرخات مكتومة من أناس فقدوا الكثير من الأقارب والجيران والمعارف ويعيشون فوق الركام بلا أمل أو أمان.

مقالات من لبنان

تحقيق في روابط منصات الصّحناوي مع شبكات الدعاية الحكومية الإسرائيلية: جندية بلبوس صحافية مستقلّة

ما تكشفه الأدلة يؤشّر إلى ما هو أبعد من “تعامل” أو “اتصالات غير مشروعة” مع الحكومة الإسرائيليّة، بما يستدعي فحص مسؤوليّة المنصّات الثلاث عن مساهمتها في البيئة السياسية والإعلامية التي...

تل الزعتر. خمسون عاما على المجزرة

أوريان 21 2026-08-13

في 12 أغسطس/آب 1976، وبعد اثنين وخمسين يومًا من الحصار، سقط مخيم تلّ الزعتر للاجئين الفلسطينيين، في ضواحي بيروت الشرقية، بيد الميليشيات اللبنانية اليمينية المسيحية. يُعدّ هذا الحدث من أكثر...

للكاتب/ة