حسين شعبان | المفكرة القانونية | 04 - 09 - 2026
في نهاية التقرير الأوّل الذي أعدّته سيلينا ريان لمنصة This Is Beirut، شكرت المنصّة لأنّها أتاحت “لنا” أن “نوجّه رسالتنا” إلى اللبنانيين. كانت ريان قد عرّفت نفسها في بداية التقرير بأنّها آتية “من وسط إسرائيل”، ثم أمضت أكثر من أربع دقائق تسأل إسرائيليين في المناطق الحدودية مع لبنان عن الرسالة التي يريدون توجيهها إلى اللبنانيين. وفي الخاتمة، لم تقل إنّها نقلت رسائلهم. ضمّت نفسها إليهم، وقدّمت ما جمعته باعتباره “الرسالة العامة” في إسرائيل تجاه الشعب اللبناني.
خلال ستة أشهر، نشرت This Is Beirut وIci Beyrouth و”هنا لبنان”، وهي منصات لبنانية شقيقة يموّلها المصرفي وصاحب الأعمال أنطون الصحناوي، أربعة تقارير و13 منشورًا إعلاميًّا باسم ريان، جميعها من إسرائيل وموجّهة إلى اللبنانيين. تُعرِّف المنصات الشقيقة الثلاث ريان بصفة “صحافية مستقلّة”.
حقّقنا في صفة ريان، فوجدنا أنّها “جندية” و”ناشطة هاسبارا” مختصّة بالدعاية الإسرائيليّة الموجّهة للبنانيّين. عندها عدنا إلى ما تنشره المنصات الثلاث، وفحصنا المواد نفسها والرسائل التي تحملها إلى الجمهور اللبناني. ثم قادتنا ريان والأدوار التي تشغلها، إلى شبكة لها أطر مرتبطة بقنوات ودوائر في وزارة الخارجية الإسرائيلية. هنا خرج البحث من نشاط ريان الفردي إلى البنية التي تنتقل عبرها الرسائل وتتوسّع دائرة وصولها.
يكشف التحقيق أنّ المنصات الشقيقة الثلاث المموّلة من الصحناوي، This Is Beirut وIci Beyrouth و”هنا لبنان”، تؤدي عبر ريان وظيفة دعائية داخل مسار موثّق الحلقات يصل إلى أجهزة الحكومة الإسرائيلية نفسها.
وما تكشفه الأدلة يؤشّر إلى ما هو أبعد من “تعامل” أو “اتصالات غير مشروعة” مع الحكومة الإسرائيليّة، بما يستدعي فحص مسؤوليّة المنصّات الثلاث عن مساهمتها في البيئة السياسية والإعلامية التي تحمي استمرار أفعال تشكّل جرائم دولية في لبنان، بما يشمل إعادة إنتاج وتوسيع دعاية الحكومة المسؤولة عن هذه الجرائم داخل المجتمع الواقع تحت عنفها.
من يتكلّم: من هي سيلينا ريان

المصادر: This Is Beirut، وحسابات سيلينا ريان العامة. تركيب بصري: المفكرة القانونية.
خلال ستة أشهر، نشرت This Is Beirut وIci Beyrouth و”هنا لبنان” أربعة تقارير و13 منشورًا إعلاميًّا، كلّها باسم ريان، وكلّها تخاطب الجمهور اللبناني مباشرة، لا مجرّد تغطية لموضوع ما. في المواد وتعريفات النشر، تعرّف المنصّات ريان هذه فقط بأنّها “صحافية مستقلة”.
بدأنا من هذه الصفة. وفي سجلّ ريان العلني، كان أول خيط في أرشيف حساباتها منذ تشرين الأوّل 2023. على حسابها على منّصّة إنستغرام، عثرنا على عشرات الصور والمقاطع التي تظهر فيها بزي الجيش الإسرائيلي، مسلّحة، داخل مواقع عسكرية وإلى جانب آلياته. ولريان صور تتباهى فيها بوضع إمضائها على صواريخ موجهة إلى غزّة، وإلى لبنان. ومن هذا الأرشيف تتبّعنا طبيعة عملها مع الجيش، غير مكتفين بمجرّد ظهورها بزيّه.
أمّا على منصّة “إكس” فإنّ ريان تعرّف نفسها صراحة أنّها متطوّعة مع الجيش الإسرائيلي.
وتعزّز توصيف استمرار صلتها بالجيش أيضًا صحيفة “جيروزاليم بوست” التي قالت في آب 2026 إنّ ريان “تخدم” في الجيش الإسرائيلي، فيما وصفها حساب الصحيفة الرسمي صراحة بأنّها “جندية إسرائيلية”.

هل تقف صلة ريان بالجيش الإسرائيلي عند التطوّع؟
صفحة جمع التبرّعات التي تقول فيها ريان إنها جمعت أكثر من 450 ألف دولار وساعدت في تجهيز وحدات عسكرية إسرائيلية، بينها 401 و551 و51. المصدر: brandpage/loveidf.
قادنا البحث إلى صفحة لجمع التبرّعات باسم LOVE IDF. هناك، في نص موقّع باسمها تشير مضامينه إلى أنّه يعود على الأرجح إلى صيف أو أواخر آب 2025، نكتشف أنّ ريان كانت تجمع الأموال لتجهيز وحدات في الجيش الإسرائيلي. وتقول الرسالة التي تحمل اسمها إنّها جمعت أكثر من 450 ألف دولار بين تشرين الأوّل 2023 وآب 2025، وساعدت اللواء المدرّع 401، ولواء الاحتياط 551، والكتيبة 51 التابعة للواء غولاني.
تعدّد ريان المعدات التي موّلت شراءها، ومن بينها مئات الخوذ والسترات والصفائح البالستية ومناظير الأسلحة، وتحدّد أسعارًا تقريبية لكلّ قطعة، بينها 770 دولارًا لمنظار السلاح وألف دولار للسترة المجهزة. وتتيح ريان استقبال المال عبر PayPal وPayBox والتحويل المصرفي، وتطلب ممن يريد تقديم المعدات عينيًا “التواصل معها مباشرة”. وتربط التبرعات صراحة بـ “المجهود الحربي”، وفي إحدى مراحلها بالاستعداد لعملية عسكرية في مدينة غزة.
في آب 2024، نشرت ريان صورة لتكريم قالت إنّها تلقّته عن “عملها مع الجيش”. كان اسم الوحدة وشعارها مطموسين. تتبّعنا الحجر واللوحة المثبتة عليه، وعثرنا على صورة مستقلّة نشرتها روتم بيريتس لحجر مطابق في التصميم والكتابة. يحمل الحجر الذي نشرته بيريتس بوضوح اسم “سرية المشاة المدرعة 401” وعبارة “حجر من مقر قيادة حماس في رفح”. بذلك أمكن الاستدلال على هوية الجهة التي كرّمت سيلينا ريان. وتتبع السرية للواء 401، وهو نفسه من الوحدات التي ظهر أنّ ريان دعمتها عبر حملتها التمويليّة.

تحدّد بيانات الجيش الإسرائيلي العملياتية التي راجعناها عن رفح، انتشار قوّاته على مستوى الفرقة واللواء من دون تحديد منطقة عمل هذه السريّة بعينها. ولتحديد مكان عملها، عثرنا على حملة تبرعات نُشرت مطلع تموز 2024، يقول فيها قائد السرية، الرائد احتياط يهودا غرينفالد، إنّ السريّة كانت تُنهي 70 يومًا من القتال ضمن فريق اللواء 401 وتستعدّ للخروج من رفح.
وكان اللواء 401 جزءًا من الفرقة 162 التي قادت الهجوم البري على رفح. وفي 17 أيار 2024، طالبت مؤسسات “الحق” و”الميزان” و”المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان” المحكمة الجنائية الدولية بملاحقة قادة وجنود الفرقة 162، وخصوصًا اللواء 401، على أفعال قالت إنّها تشكّل الإبادة بالإهلاك والنقل القسري كجريمتين ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية.
لماذا هذا النشاط الإعلاميّ المكثّف لمتطوّعة في الجيش الإسرائيلي؟

المصدر: حسابات سيلينا ريان العامة. تركيب بصري: المفكرة القانونية.
استهداف ريان المباشر للجمهورين اللبناني والعربي يظهر خارج المنصات الثلاث أيضًا. تُدير ريان قناة إخبارية على تلغرام موجّهة إلى الجمهور العربي، وتنشر عبر حساباتها رسائل تخاطب اللبنانيين مباشرة. وفي بودكاست إسرائيلي بالإنكليزية، وُصف نشاطها بأنّه موجّه عمدًا إلى الجمهور اللبناني عبر “مقاطع مصوّرة” و”رسائل مباشرة”.
ثمّ وجدنا تسمية الهاسبارا ملتصقة بريان نفسها. ففي شباط 2026، قدّمتها “أخبار كان” التابعة لهيئة البث الإسرائيلية العامة، بوصفها “ناشطة هاسبارا” في مادة عن نشاطها الموجّه إلى اللبنانيين.
ولإسرائيل منظومة رسمية لـ “الهاسبارا” تحت مكتب رئيس الحكومة، تتولّى التخطيط للعمل الدّعائي والسياسي – الأمني في الداخل والخارج، ومن بين جمهوره الناطقون بالعربية. وهذا النشاط غير منفصل عن الجيش الإسرائيلي، بل تُظهر وثائق “مراقب الدولة الإسرائيلية” مشاركة ممثلين عن الجيش ووحدة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي الفلسطينية “كوغات” وجهاز الشاباك والشرطة في إعداد خطط الهاسبارا للجمهور العربي. وفي كانون الثاني 2024، قال رئيس “منظومة الهاسبارا الوطنية” موشيك أفيف إنّ أنشطة الهاسبارا التي تقوم بها جميع الجهات منذ بداية الحرب تدعم العمل العسكري، بهدف توفير هامش زمني يسمح له بالاستمرار.
على أرض رفح، التقى دورا ريان العسكريّ والدعائي بدورها بوصفها ناشطة هاسبارا. في آب 2025، ظهرت ريان من المدينة الفلسطينيّة المدمّرة مرتدية الزي العسكري، لتقول إنّ الحديث عن المجاعة في غزة كاذب وإنّ صور التجويع تُستخدم للضغط على إسرائيل. كانت الأمم المتحدة قد حذرت قبل ذلك بأيام من تجاوز مؤشرين من المؤشرات الثلاثة للمجاعة عتباتهما الحرجة، قبل أن يؤكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي لاحقًا وقوع المجاعة في محافظة غزة.
وريان نفسها شاركت في أحد المسارات التي أسهمت ماديًا في خلق ظروف المجاعة في غزة. كانت قبل ذلك بعام ونصف، في شباط 2024، تشارك في تحرّكات منظّمة لعرقلة دخول شاحنات المساعدات الإغاثيّة إلى غزة. وأظهرت صورة نشرتها ريان نفسها وقوفها عند الحدود مع شاحنات المساعدات في الخلفية. وثّقت صحيفة VG النرويجية مشاركتها، وسألت ريان عبر الصحيفة: لماذا ينبغي أن ندخل الإغاثة إلى “العدو”. كان ذلك في وقت أصبحت فيه المساعدات الإغاثيّة نفسها جزءًا من معركة البقاء في القطاع.
ففي الفترة نفسها التي شاركت فيها في تحرّكات منع شاحنات الإغاثة، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أنّ الاحتجاجات والإغلاقات عطّلت كرم أبو سالم ونيتسانا مرارًا وخفّضت فعليًا تدفق المساعدات إلى القطاع، فيما نسب المفوض السامي لحقوق الإنسان الجوع والتجويع والمجاعة إلى القيود الإسرائيلية الواسعة على دخول المساعدات وتوزيعها، وخلصت لجنة التحقيق الأممية لاحقًا إلى أنّ إسرائيل تعمّدت إعاقة الإمدادات واستخدمت تجويع المدنيين كأسلوب حرب.

هذه هي ريان التي قدّمتها المنصات الثلاث إلى جمهورها بصفة “صحافية مستقلة”. من موقع يجمع التطوّع في الجيش مع الدعاية الإعلاميّة، عدنا إلى المواد الأربع نفسها: ما الذي تقدّمه ريان إلى الجمهور اللبناني عبر المنصات الشقيقة الثلاث؟
تحييد العنف الإسرائيليّ في دعاية “السلام”

المصدر: This Is Beirut/X. تركيب بصري: المفكرة القانونية.
تبدأ السلسلة التي أنتجتها سيلينا ريان لصالح This Is Beirut وIci Beyrouth و”هنا لبنان” في شباط 2026، بـتقرير هو عبارة عن مقابلات مع إسرائيليّين في المناطق المحاذية للحدود اللبنانيّة. على مدى أكثر من أربع دقائق، تسألهم عن الرسالة التي يريدون توجيهها إلى اللبنانيين.
تتغيّر الوجوه والأعمار والمهن، ولا يظهر في التقرير صوت يعارض الرسالة التي تنتهي إليها ريان. يطرحون جميعهم السلام مع اللبنانيين، وفتح الحدود، والزيارة والطعام والحياة الطبيعية. هم يتوافقون ثم تتبنّى هي “الرسالة”، ثم تروّج المنصات الثلاث للمادة بوصفها تقريرًا عن موقف الإسرائيليين.
نُشر التقرير في شباط 2026. في ذلك الوقت، وبعد أكثر من عام على إعلان وقف الأعمال العدائية في لبنان، كانت إسرائيل تواصل عدوانًا أحاديًّا، من خلال القصف من الجوّ واحتلال أراضٍ وهدم منازل ومنع سكّان من العودة. لكنّ هذا العنف الإسرائيليّ ضدّ لبنان، دخل التقرير بخجل، من دون فاعله. يقول أحد المتحدثين إنّ المطلوب وضع “البنادق والمشاعر السيّئة” جانبًا.
لكن في تقرير نيسان، بعد أسابيع من توسّع العدوان الإسرائيلي في 2 آذار 2026 وعودة حزب الله إلى المعركة العسكرية، يركّز التقرير على أثر الضربات على إسرائيل في موازاة تهميش كامل لسياقها. حيث يقف رئيس بلدية كريات شمونة أمام مبنى متضرّر، ويذكر إجلاء مئات من سكانه. تظهر إسرائيل هنا بوصفها ضحية للعنف.
بالأصل، يصنع انتقاء أصوات متشابهة في هذا النوع من المواد الإعلاميّة (vox pop) عيّنة غير تمثيلية، يمكّن معدّ التقرير من هندسة الانطباع الذي يريد إعطاءه عن الرأي العام.
بحثنا عمّا تقوله ريان عن السلام خارج المواد المنشورة للبنانيين. في مقابلة صحافية، استخدمت صيغة أكثر اكتمالًا من مجرّد “رسالة السلام”. قالت إنّها تؤمن بـ “السلام عبر القوّة”. والقوّة، وهي المفردة التي يصوغ بها الخطاب الرسمي الإسرائيلي عنفه العسكري في المنطقة. ففي نيسان 2026، داخل زمن تقارير السلسلة نفسها، قال نتنياهو إنّ لبنان طلب بدء محادثات سلام مباشرة “بسبب القوّة التي أظهرناها”. وفي تموز، اختصر مكتبه المعادلة رسميًا: “السلام عبر القوّة”.
في سلسلة ريان الموجّهة للجمهور اللبناني عبر المنصات الثلاث، تبقى من هذه المعادلة كلمة واحدة، “السلام”. أما “القوّة” التي تضعها معدّة التقارير نفسها في المعادلة، ويربط بها الخطاب الرسمي الإسرائيلي توسيع دائرة “السلام”، فلا تظهر في التقارير.
إلى أيّ لبنان توجّه الرسالة؟
في تقرير شباط، لا يُسأل الإسرائيليّون عن اللبنانيين بوصفهم جمهورًا واحدًا فقط. تدخل الطوائف إلى الإجابات، ويقول أحد المتحدّثين: “أولًا، المسيحيون، 100%، سيصنعون السلام معنا إذا كانوا الأكثرية في البرلمان. لست متأكدة، لكن الشيعة والسنّة أيضًا مع السلام. لا أعتقد أنّهم يريدون استمرار الصراع”.
تضع ريان هذه الإجابة في التقرير الذي ستقدّم حصيلته لاحقًا باعتبارها “الرسالة العامة في إسرائيل تجاه الشعب اللبناني”.
في نيسان، تنتقل العدسة من التصنيف إلى المخاطبة المباشرة. أمام عدسة ريان، يخاطب رئيس بلدية كريات شمونة اللبنانيين قائلًا: “فكّروا جيدًا لمن تصوّتون. لا لحزب الله”. تتجه الرسالة عمليًا إلى ناخبي الحزب، وفي مقدمتهم الشيعة، ويُقدَّم تغيير خيارهم السياسي طريقًا إلى تغيير ما يتعرّضون له من إسرائيل.
لم تكن هذه المرّة الأولى التي تصل فيها الرسالة الإسرائيليّة إلى اللبنانيين بهذه الصيغة. في خطاب مصوّر إليهم، قال نتنياهو في رسالة مصوّرة إلى اللبنانيين: “حرب إسرائيل ليست معكم. إنها مع حزب الله”. وخاطب “المسيحيين، الدروز، المسلمين، السنّة والشيعة”، ثم جعل انتهاء الحرب مرهونًا بأن “تحرّروا بلدكم من حزب الله”. في الأسابيع نفسها، كانت إسرائيل قد هجّرت معظم قرى الجنوب اللبناني، وأبلغت جهات إسرائيلية بلدات غير شيعية في الجنوب أنّ بقاءها مشروط بإبعاد حزب الله والنازحين الشيعة.
في أيار، يتغيّر الجمهور مرة أخرى. تنتج ريان للمنصات الثلاث تقريرًا كاملًا عن “المسيحيين العرب في إسرائيل”، يخاطب اللبنانيين عبر الكنائس والأماكن المقدسة والانتماء الديني المشترك. وطبعًا، في الطريق إلى هذه الرسالة، تُضمّ بيت لحم إلى المشهد الإسرائيلي نفسه. قبل أقل من شهر من نشر التقرير، قال مجلس الكنائس العالمي إنّ السلطات الإسرائيلية منعت مسيحيين من الوصول بحرية إلى كنيسة القيامة خلال سبت النور في القدس. وقبل نشره بيوم، هدمت القوات الإسرائيلية أجزاء من مجمع دير كاثوليكي في يارون.
على طول هذه السلسلة، تُقدَّم إسرائيل ككتلة واحدة تستطيع أصوات منتقاة أن تنطق باسم “الرسالة العامة في إسرائيل”، فيما يُشرَّح لبنان من داخله إلى طوائف، ويخاطب اللبناني من موقع طائفته، ومن تقرير إلى آخر، يتغيّر المدخل بحسب الجمهور اللبناني الذي تخاطبه المادة.
والبلد الذي تُخاطبه السلسلة هنا بوصفه شريكًا محتملًا في السلام هو نفسه البلد الذي تصفه معدّة التقارير سيلينا ريان خارج هذه المنصات بأنّه “دولة فاشلة مليئة بالإرهابيين”.

من الحرب إلى المتعة
في 23 آب، تنقل ريان السلسلة إلى تل أبيب ويافا. تظهر في التقرير وجوه إسرائيلية تدعو اللبنانيين إلى الزيارة والبحر والسهر وشرب البيرة والعرق. ويخاطب نائب رئيس بلدية تل أبيب اللبنانيين مباشرة: “تعالوا إلى تل أبيب، اشربوا بيرة، استمتعوا بالحياة الليلية، استمتعوا بالبحر”.
وكما في التقارير السابقة، تتحوّل الوجوه المنتقاة، ومعها ممثل للسلطة المحلية، إلى صورة عن إسرائيل نفسها. ويختار التقرير لهذه الصورة مدخلًا لبنانيًا محدّدًا، فينتقل تقرير آب من الفرز الطائفي إلى فرز آخر بحسب نمط الحياة، وهو فرز ثقافي هذه المرة بين “نحن” و”هم”.
كانت “المفكرة القانونية” قد رصدت خلال الحرب صعود خطاب داخليّ يقسّم المجتمع اللبناني إلى جماعة “نحن” التي “تعيش وتنبسط وتنتج”، وجماعة “هم” المنسوبة إليها “ثقافة الموت”، مع تقريب إسرائيل من جماعة “نحن” عبر تشابه مفترض في السهر و”شرب البيرة” و”حب الحياة”.
يلتقط تقرير آب هذه الثنائية ويحوّل التنوّع اللبناني إلى نقطة نفاذ دعائية. يُعيد ترتيب دوائر القرب داخل المجتمع، فيُدخَل إسرائيل، الطرف الخارجيّ الذي يشنّ عدوانًا مستمرًا على البلد، في جماعة “نحن” بفعل تشابه في “نمط الحياة”، فيما يُدفع لبنانيون يتعرّضون لعنفها اليوميّ إلى جماعة “هم” لمجرّد اختلاف “نمط الحياة”.
ثلاث منصات يموّلها الصحناوي: أداة في منظومة التأثير الإسرائيلية
قبل أن تبدأ سلسلة سيلينا ريان، كانت This Is Beirut وشقيقتاها قد فتحت منصّاتها لمسؤول إسرائيلي رسمي ليخاطب اللبنانيين مباشرة. في 5 كانون الأول 2025، نشرت “حصريًا” رسالة مصوّرة لسفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر بعنوان “السفير الإسرائيلي في واشنطن يوجّه رسالة سلام إلى لبنان”. وبالتالي لم تنقل المنصة تصريحًا أدلى به السفير لمنصة أخرى، إنّما الرسالة نفسها أُعدّت لتصل إلى “شعب لبنان” عبر منبر لبناني.
بعد شهرين، بدأ مسار آخر. في 10 شباط 2026، نشرت المنصات الثلاث التقرير الأوّل لريان من إسرائيل. وفي اليوم التالي، أعلنت This is Beirut تعاونًا مع مؤسسة إسرائيلية هي MIND Israel لتنظيم جلسة عن السلام والتكامل الإقليمي بين لبنان وإسرائيل على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن. انعقدت الجلسة في 14 شباط، وقدّمتها المنصة اللبنانية بوصفها “أوّل جلسة رسمية” بين جهتين “من المجتمع المدني اللبناني والإسرائيلي في المؤتمر”، (the first-ever formal Lebanese–Israeli civil society panel)، وفق توصيف المنظّمين. وقد شارك فيها عن MIND Israel رئيسها ومؤسسها اللواء احتياط عاموس يادلين الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وعن This is Beirut الأميركية لأبوين لبنانيين هاجر شمالي وهي مستشارة للصحناوي ومسؤولة سابقة في وزارة الخزانة الأميركية لشؤون تمويل “الإرهاب”.
لكنّ الشريك الإسرائيلي في هذا التعاون لا يعرّف نفسه كجمعية “حوار” إذ تقول MIND Israel إنها “شريك استراتيجي” في “صياغة وتنفيذ سياسة الأمن القومي” الإسرائيلية، تعمل “بصورة مستمرّة مع صنّاع القرار والمسؤولين الأمنيين”، وتجري “حوارات استراتيجية شبه رسمية”، وتتشارك مع أجهزة رسميّة إسرائيلية ذات صلة في دعم “صنع السياسات وتنفيذها”. وبعد جلسة ميونيخ، شرح يادلين نفسه الوظيفة السياسية التي يراها في هذا النوع من التواصل حيث قال لـ “جيروزاليم بوست” إنّ “الحوار بين مجتمعين” (people-to-people) يساعد في “التمهيد” للتطبيع بين لبنان وإسرائيل، وإنّ خطوات كهذه يمكن أن تسهم في “إضعاف القبضة السياسية لحزب الله في لبنان”. وفي المقابلة نفسها، دافع عن استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان تحت عنوان “حرية العمل العسكري في لبنان ما دام حزب الله قائمًا”.

في حديثها إلى متابعيها على تلغرام عن التقرير الأوّل، وصفت ريان تعاونها مع This Is Beirut بأنّه جزء من “مشروع مستمر”. وبعد التقرير، استضافتها “كان 11” للحديث عن ردود الفعل اللبنانية عليه، فيما قدّمت Hadassa Express، وهي منصة رصد إسرائيلية، ما يجري بوصفه مشروعًا لريان بالتعاون مع المنصّة اللبنانية لإيصال أصوات الإسرائيليين إلى اللبنانيين. وحينها قدّمت “أخبار كان”، التابعة لهيئة البث الإسرائيلية العامة، منتجة المشروع بصفة “ناشطة هاسبارا”.
في 29 أيار، عاد السفير الإسرائيلي إلى This Is Beirut. في مقابلة حصرية ثانية، عرض عبر المنصّة اللبنانية تصوّر حكومته لما يجب أن يحدث في لبنان. ومرة أخرى، لم تكن This Is Beirut تنقل مقابلة منشورة في وسيلة إسرائيلية، بل أجرت المقابلة ونشرتها لجمهورها.

وفي آب، وصلت سلسلة ريان إلى تل أبيب ويافا. دعت المادة اللبنانيين إلى المدينة والبحر والسهر، وقدّمتها This Is Beirut باعتبارها بناءً لـ “روابط شعب لشعب” (people-to-people).
بعد نشر التقرير، أعادت Maccabee Task Force نشره لجمهورها بوصفه دعوة إلى توسيع علاقات people-to-people بين الإسرائيليين واللبنانيين. والمنظمة ليست جهة حكومية، لكنها كانت من ممولي Act.IL، منصة الحملات الرقمية المؤيدة لإسرائيل. وبعد يوم من تقرير This Is Beirut في تل أبيب، أعاد موقع القنصلية العامة الفخرية لإسرائيل في غواياكيل نشر مادة “جيروزاليم بوست” عنه وعن وصول ريان عبر This Is Beirut إلى اللبنانيين.
تتكرّر هنا حلقات مسار واحد. سفير إسرائيلي يستخدم المنصة مرّتين لمخاطبة اللبنانيين مباشرة في خضم الحرب، وتتكّرر رسائل المسؤولين المحليّين الإسرائيليّين عبر المنصّة نفسها. في المقابل، تدخل المنصّة في تعاون معلن مع مؤسّسة مشاركة في صياغة وتنفيذ سياسة الأمن القومي الإسرائيلي، بأهداف سياسيّة محدّدة، وبينهما، ينتقل “مشروع ريان المستمر” من داخل شبكة تتصل بأجهزة الهاسبارا الحكومية إلى الجمهور اللبناني عبر المنصات الثلاث، ثم تعيد جهات وشبكات إسرائيلية نشر مواده.
إلى أين تقود الروابط؟
حتى هنا، يخصّ ما ظهر، ريان والمحتوى الذي تنشره. انتقل التتبّع بعد ذلك من الخطاب إلى البنية التي تعمل داخلها، ومن تشابه الرسائل إلى سؤال أكثر تحديدًا:
هل تقف هذه “الهاسبارا” عند نشاط ريان الفردي؟ بعبارة أخرى: هل نحن أمام ناشطة إسرائيلية تستخدم منبرًا لبنانيًا لممارسة دعاية تظهر مطابقة لدعاية حكومتها؟ وإلى أين تقود الشبكة التي تعمل ريان داخلها؟ وما صلتها بالأجهزة التي تنتج الهاسبارا الإسرائيلية نفسها؟
قادنا تتبّع سجل ريان خارج هذه المنصات إلى “جمعية الصداقة الإسرائيلية اللبنانية” التي ترأسها شخصيًا، داخل ما يسمّى “الحركة الإبراهيمية”. ويعرّف الموقع الرسمي للحركة المشروع بأنّه مستوحى من “اتفاقات أبراهام”.
توم فيغنر، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للحركة، يعرّفها بأنها إحدى مؤسِّساتها، وهو نفسه الذي أعلن تعيينها في موقع قيادي ثانٍ داخل “جمعية صداقة إسرائيل – أرض الصومال” التابعة للحركة، لتقوية عملياتنا على الأرض”.
وقادنا تتبّع الأطر التي أسسها فيغنر أيضًا إلى “مركز التطبيع في الشرق الأوسط” المسجّل في إسرائيل منذ 2024. في أهدافه القانونية المسجلة: (1) “تعزيز مصالح مواطني إسرائيل من خلال الهاسبارا في أنحاء العالم”، (2) و”تضخيم صوت دولة إسرائيل ورسائلها، كما تعبّر عنها أجهزة الهاسبارا الرسمية التابعة للدولة”. هنا يتجاوز الربط تشابه الخطاب.
تقول الحركة الإبراهيمية إنّها تعمل عبر الإعلام والتعليم والتعاون الاقتصادي والثقافة و”الدبلوماسيّة العامة”، وتبني علاقات عبر فروع وشبكات “تمتد إلى لبنان والعراق وسوريا وغزة وغيرها”، ومنصّات بالعربية والعبرية والإنكليزية ومجموعات على واتساب وفيسبوك وتلغرام.
يقود هذه البنية فيغنر، وهو محترف علاقات عامة واتصال سياسي. عمل ناطقًا في حملة إيهود باراك لرئاسة الحكومة، ثم مستشارًا إعلاميًا لعمير بيرتس ورافقه بعد دخوله وزارة الدفاع. وتضيف سيرته المهنية إنه أدار الإعلام لحملة إيلي أفلالو في انتخابات الليكود التمهيدية التي انتهت بانتخابه إلى قائمة الحزب للكنيست. وعمل أيضًا ناطقًا لـ “مركز بيرس للسلام”. وفي سيرته العسكرية، خدم في وحدة التنسيق والارتباط مع الفلسطينيين، وقال إنه تولّى خلالها التنسيق بين الجيش الإسرائيلي والشرطة الفلسطينية في أريحا.
إلى جانب الحركة، يدير فيغنر شركة “فيغنر للاستراتيجيات والاتصالات”، التي يعمل ضمنها “مركز الشرق الأوسط”، وهو ذراع أسسه فيغنر ويديره. يعرّف المركز نفسه بأنّه قادر على تنفيذ حملات علاقات عامة وإعلانات وسوشال ميديا في الدول الناطقة بالعربية وبين الناطقين بالفارسية والكردية، ويقول إنّه ينتج محتوى بهذه اللغات بما يلائم الجمهور المستهدف.
ويقول المركز إنّه ينتج لعملائه حملات على الإنترنت وسلاسل مقابلات، ويدير مبادرات إعلامية لـ “عملاء ومتبرّعين”، بينهم منظمات مؤيدة لإسرائيل ووسائل إعلام، إلى جانب قدرته على إنتاج الرسائل والمحتوى بما يلائم الجمهور المستهدف. ويعرض المركز مشروع قناة على يوتيوب يقول إنّ غرضها “تمثيل إسرائيل بالعربية”.
بذلك لا تقف بنية فيغنر عند نشاطه الجمعيتيّ بل تتجاوزه إلى ذراع تجارية تعلن صراحة إنتاج الرسائل والحملات لجماهير عربية وإقليمية لحساب عملاء ومتبرعين.
الروابط الحكومية
صلة فيغنر بالأجهزة الحكومية سبقت “الحركة الإبراهيمية”. هو يعدّ أحد أبرز مستشاري الإعلام في إسرائيل، لكن الروابط الأحدث تقود مباشرة إلى أجهزة تعمل في الدبلوماسية العامّة الإسرائيلية.
في بحثنا عن الروابط التي ظهرت أو تنشّطت منذ 7 أكتوبر، خلال حرب الإبادة على غزة، ظهرت أولى هذه الروابط في آذار 2024. كانت “جمعية صداقة الشعوب” التي يعمل عبرها فيغنر في الملف الإسرائيلي – الإيراني قد استجابت لمبادرة أطلقتها ما تعرف بـ “وزارة شؤون الشتات” الإسرائيلية لتطوير الحوار بين الإسرائيليين والإيرانيين. فيغنر دعا يومها الإسرائيليين إلى التوجّه إلى صفحات وزارة الخارجية بالفارسية، والتواصل مباشرة مع الإيرانيين الذين يتفاعلون معها، وقال إنّ شبكته أنشأت مجموعة على فيسبوك وتعمل على أدوات إضافية لتنظيم هذه الاتصالات.
وفي حزيران 2025، ظهر الليكود مجددًا في سجل البنية التي يديرها فيغنر، هذه المرة من خلال “مركز الشرق الأوسط” نفسه. إذ تولّى مركز فيغنر تنسيق مشاركة قيادات إيرانية في لقاء بادر إليه النائب عن الليكود دان إيلوز.
وفي 3 أيلول 2025، كانت صفحات وزارة الخارجية الإسرائيلية بالعربية قد احتفت بمقابلة لفيغنر وروّجت كتابه “الثورة الإبراهيمية”.
وتظهر قنوات الحكومة الإسرائيليّة الإعلاميّة في سجل الحركة في مواضع أخرى. في 3 شباط 2026، أعلنت قناة حكومية إسرائيلية موجّهة إلى جمهور عربي، إطلاق إحدى شبكات فيغنر. صفحة “إسرائيل باللهجة العراقية”، التي أنشأتها وزارة الخارجية الإسرائيلية لمخاطبة العراقيين، أعلنت: “يسعدنا أن نزفّ انطلاق صفحة الحركة الإبراهيمية- العراق”، وأحالت متابعيها مباشرة إلى الصفحة الجديدة. لم تتوقف العلاقة عند الإطلاق. في 4 آب، نشرت الصفحة الحكومية بيانًا لـ “الحركة الإبراهيمية- العراق” عن “التصوّف والوعد الإلهي الإبراهيمي”. وفي 11 آب، نشرت بيانًا آخر للحركة يهاجم “حماس” والإخوان المسلمين وإيران ويدعو إلى “السلام الإبراهيمي”.
يظهر ذلك صلة نشر وتشبيك متكررة بين قناة دبلوماسية حكومية وفرع من شبكة فيغنر. ثم، في آب 2026، نشر فيغنر أنّه اصطحب أعضاء في وفد من المعارضة الإيرانية إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية، حيث التقوا مسؤولين في قسم الدبلوماسية العامّة.
تعرّف الخارجية الجهاز الذي استقبلهم بأنّه المسؤول عن دفع المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية لإسرائيل في المجال العام والإعلامي، وكسب التأييد لمواقفها وتحسين صورتها.
داخله، تنتج “دائرة المعلومات والإنتاج”، “رسائل وأفلامًا ومنشورات ومواد رقمية” لممثليات إسرائيل و”جماهير مستهدفة محددة”، أما “دائرة الدبلوماسية المدنية” فهي “تقود استراتيجية الهاسبارا” المتوسطة والطويلة الأمد، بحسب ما تنصّ عليه صراحة الوزارة، وتعمل مع “منظمات هاسبارا” ومنظمات المجتمع المدني، وتبني ائتلافات وشبكات داخل إسرائيل وخارجها، وتستخدم الثقافة والطعام ونمط الحياة كأدوات للقوة الناعمة.
وهي نفسها وظائف وأدوات ظهرت، بتوليفات مختلفة، في سلسلة ريان على منصّات This Is Beirut وIci Beyrouth و”هنا لبنان”، الموجّهة إلى اللبنانيين، من تغيير الرسالة ومدخلها بحسب الجمهور اللبناني الذي تخاطبه المادة، إلى “نمط الحياة” في تقرير تل أبيب ويافا.
وتقول الوزارة إنّ هذا الجهاز “شريك مركزي” في مقر الهاسبارا الوطني التابع لمكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
والعمل عبر المجتمع المدني محوريّ في هذه المنظومة. في حزيران 2025، قال مسؤول في الخارجية أمام الكنيست إنّ الوزارة تركّز على “تفعيل المجتمع المدني والمؤثرين” باعتبارهم “مضاعف قوّة”، وإنّ أكثر من ألف مقابلة نُفذت عبر البعثات الإسرائيلية خلال عملية عسكرية، نصفها لممثلين رسميين والنصف الآخر لممثلين عن المجتمع المدني جنّدتهم البعثات لجهد الدبلوماسية العامة. وفي تموز 2026، قالت رئيسة منظومة الهاسبارا الوطنية تسيبي حوتوفلي إنّ المنظومة تعيد بناء الصلة بين “الرسائل الوطنية” ومنظمات المجتمع المدني، فيما أعلن مدير عام الخارجية أنّ “الدبلوماسية العامة” أصبحت المهمّة الرئيسية للوزارة. وبلغت الموازنة التي أقرتها الحكومة لـ “حرب الوعي والدبلوماسية العامة” نحو 1.2 مليار شيكل (نحو 405 ملايين دولار أميركي).
ويثبّت محضر الكنيست حرفيًا أنّ وزارة الخارجيّة “جنّدت” ممثلين عن المجتمع المدني لجهد الدبلوماسية العامة. ويحدد بهذا مكان هؤلاء داخل المنظومة كما تصفه الجهة الحكومية نفسها، كأداة تستخدمها الخارجية لتوسيع أثر الدبلوماسية العامة والرسائل الحكومية.
إلّا أنّ الروابط التي تتبّعناها تكشف عن شبكة تتجاوز إعلانًا عامًا عن العمل في “الدبلوماسية العامة” الإسرائيلية. أسس فيغنر إطارًا يضع تعزيز رسائل أجهزة الهاسبارا الرسمية للحكومة ضمن أهدافه القانونية، وأعلنت قناة تابعة للخارجية الإسرائيليّة انطلاق أحد فروع الشبكة، وأحالت جمهورها إليه وواصلت نشر بياناته. مع إثبات علاقة فيغنر المستمرّة مع “شريك مركزي” في مقر الهاسبارا الوطني التابع لمكتب نتنياهو.
دورة متكاملة
ما كشفناه هو مسار تأثير يمكن تتبّع حلقاته، تتصل أجزاء منه بأجهزة الحكومة الإسرائيلية نفسها، فيما تصف الحكومة، الجمعيات والناشطين ومنظمات الهاسبارا، بأنها أدوات تعمل معها لتوسيع أثر الدبلوماسية العامة.
ظهرت أمامنا دورة إنتاج وضخ وتضخيم للهاسبارا موثّقة الحلقات. في طرفها الحكومي، جهاز إسرائيلي يعلن أنه ينتج الرسائل ويحدد الجماهير المستهدفة ويعمل مع منظمات الهاسبارا والمجتمع المدني لتوسيع أثرها. وفي موازاته، تقود الروابط من سيلينا ريان إلى شبكة يرأسها توم فيغنر، أنشأ مؤسسها إطارًا يضع تعزيز رسائل أجهزة الهاسبارا الرسمية ضمن أهدافه القانونية، وتظهر في سجلها علاقات متكررة مع قنوات ودوائر في الخارجية الإسرائيلية. ومن داخل هذه الشبكة، أنتجت ريان عبر This Is Beirut وشقيقتيها سلسلة موجهة إلى اللبنانيين، فيما قُدمت إلى هذا الجمهور بصفة “صحافية مستقلة”، من دون الإفصاح عن تطوعها مع الجيش الإسرائيلي أو أدوارها الاخرى.
وبذلك يرتسم دور وظيفيّ لثلاث منصّات يموّلها مصرفيّ وصاحب أعمال لبناني، هي This Is Beirut وIci Beyrouth و”هنا لبنان”، داخل هذا المسار. تمنح هذه الرسائل منبرًا لبنانيًا وواجهة صحافية محلية، وتوصلها إلى الجمهور اللبناني عبر مواد أصلية تنتجها ريان، بالتوازي مع تعاون معلن لتنظيم ندوة مشتركة، في أحد أبرز المحافل الدولية المعنية بالسياسة الأمنية، مع مؤسسة تشارك في صياغة وتنفيذ سياسة الأمن القومي الإسرائيلي.
وهو استنتاج وظيفي مبني على بنية، وأدوار معلنة، ووثائق قانونية، وتعاونات، وقنوات نشر، وتصريحات أصحابها أنفسهم.
أما أنطون الصحناوي نفسه، ففي تموز 2026 شارك مورغان أورتاغوس في استضافة عشاء في واشنطن حضره بنيامين نتنياهو، وأعقب انتشار صورته مع نتنياهو تحرّك قضائي في لبنان بشأن الواقعة. ما تثبته الأدلة اليوم هو أنّ منصاته الإعلامية تؤدّي وظيفة داخل مسار تأثير تتصل حلقاته بأجهزة الحكومة الإسرائيلية نفسها.
وليست الحكومة الإسرائيليّة أي حكومة أجنبيّة. هي حكومة احتلال مستمرّ لأراض لبنانية، يواصل جيشها شنّ عدوان مستمرّ وسياسات تطهير عرقي ومحو ثقافي وبيئي ومكاني، وأفعالًا ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي الوقت الذي يتعرض فيه اللبنانيون لهذا العنف، لا يجري هذا التواصل في فراغ قانوني. فقانون مقاطعة إسرائيل يحظر الاتفاق، مباشرة أو بالواسطة، مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل في “أي تعامل آخر أيًّا كانت طبيعته”، فيما يفرد قانون العقوبات اللبناني أحكامًا لـ “الصلات غير المشروعة بالعدو”، وأعاد قانون الإعلام المقر حديثًا تثبيت إرادة المشرّع اللبنانيّ في استمرار هذا الحظر.
لكنّنا اليوم أمام أكثر من مجرّد “تعامل” أو “اتصالات غير مشروعة”، فصفة معدّة التقارير، وطريقة تقديمها، والجهة الناشرة، وسياق العنف والتدمير الممنهج الذي تأتي في ظلّه، فضلًا عن مضمون الخطاب وتكراره، بما يشمل التركيز الانتقائي على فئة من اللبنانيين، وتوظيف عيّنات إسرائيليّة منتقاة بعناية لتقديم صورة مصطنعة عن الرأي العام هناك، تدلّ مجتمعة على أنّ بثّ هذه المواد ليس ممارسة إعلامية عفوية أو عابرة. يضعنا التحقيق أمام فتح المجال العام المحلي لخطاب حكومة ترقى أفعالها المستمرّة في لبنان إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فيما دخلت أفعالها في غزة نطاق جريمة الإبادة الجماعية.
وتُضخّم الدعاية الإسرائيلية الرسمية من خلال قناة محلية للوصول إلى المجتمع الواقع تحت القصف والاحتلال والتهجير. ومن مخاطر ذلك التلاعب بالوقائع وإعادة صياغة الرواية، بحيث يظهر فيها طرف ما كضحية أساسية، بينما تُهمَّش معاناة ضحايا آخرين وتُحذف تمامًا من المشهد، كأنّهم غير موجودين. ولا يتعلق التغيير الممنهج للذاكرة الجماعية بالماضي أو بالمستقبل البعيد فقط، بل يؤثّر أيضًا في الطريقة التي يتعافى بها المجتمع بعد الحرب، وفي قدرته على الاعتراف بالضحايا والتعامل مع تداعيات ما حدث. ويرتبط بذلك ما ينشأ من حصانة وإفلات من العقاب، إذ تبدو المساءلة نفسها أقلّ أهمية، أو حتى غير ذات جدوى، أو، في الصورة الأخطر، عائقًا أمام الاستقرار.
ويضاف إلى ذلك التطبيع مع مفهوم مشوّه للسلام وشروطه، كأنّ المطلوب فقط هو إنتاج صورة “طبيعية” تكفي لإغلاق الملف.
لكنّ أخطر ما يتكشّف أمامنا، هو الهدف الإسرائيلي المعلن لهذه الدعاية الحكومية، ألا وهو “توفير هامش زمني يسمح لـ(العمل العسكري) بالاستمرار”، وفق تصريح رئيس “منظومة الهاسبارا الوطنية” الإسرائيلية، بما يظهر دورًا استراتيجيًّا لهذا النوع من الدعاية في إطالة أمد الحرب، وما يرافقها من جرائم استثنائيّة في لبنان وغزة، من خلال إنتاج بيئة سياسية وإعلاميّة تُخفّف وطأة الجرائم الإسرائيليّة، وتعيد تغليفها، وتوسّع هامش قبولها واستمرارها.




