المفكرة القانونية | 15 / 07 / 2026
بعد قرابة شهرين ونصف من تقديم الطعون ضدّ القرار الصادر عن حكومة نواف سلام بفتح الباب أمام استثمار مقالع في مناطق مأهولة وفي مقدمتها الكورة، تدخل مجلس شورى الدولة لوقف تنفيذه منهيا بذلك فصلاً جديدًا من التشبيح على البيئة وجبال لبنان، انتصارًا لأسمى ما في لبنان في مواجهة لوبيات التدمير والاحتكار.
للتذكير، كانت حكومة سلام قد اتخذت في قلب الحرب وتحديدًا في 9 و23 نيسان 2026، قرارين في شأن مقالع شركات الإسمنت انتهيا إلى فتح باب الترخيص لشركات الإسمنت باستثمار مقالع في مناطق مأهولة ذات حساسية بيئيّة عالية، خارج المخطط التوجيهيّ، في الكورة والبترون والشوف، لمدّة عشر سنوات. وقد برّرت الحكومة قرارها بوجوب حماية قطاع الإسمنت كجزءٍ مهمّ من الصّناعة اللبنانيّة وحماية الوظائف في هذه الشّركات، فضلًا عن ضمان الجهوزيّة لبدء ورشة إعادة الإعمار. وقد سجلت المفكرة القانونية آنذاك أن حكومة سلام التي تدخّلت لوقف التراخيص الممنوحة سابقًا من حكومة ميقاتي في أيار 2025، صمدتْ 11 شهرًا فقط في امتحان “شركات الإسمنت”، قبل أن تهوي بدورها في مستنقع اللاشرعيّة واللادولة. كما عادت الحكومة لتتخذ في 30 نيسان 2026 قرارًا بتجاوز عدم موافقة بلدية كفرحزير على استثمار مقالع في أرضها.
وعليه، تنظّمت المقاومة القضائية أمام مجلس شورى الدولة على شكل مراجعات قدّمتها جمعيات بيئية وناشطون في منطقة الكورة ونواب. وفيما تريث مجلس شورى الدولة في تاريخ 9/6/2026 في اتخاذ قرار بشأن وقف تنفيذ القرار بانتظار أن تزوده الدولة بمجموعة من المعطيات الأساسية، فإنه عاد ليصدر أمس في 14 تموز 2026 قرارا بوقف تنفيذ قرار 6-9 والقرار 5-3 في تجاوز عدم موافقة بلدية كفرحزير. وقد اعتبر مجلس شورى الدولة أن المراجعات المقدمة إليها تستند إلى أسباب جدية وأن الضرر الناجم عن استثمار المقالع بليغ. وقد صدر القرار المذكور عن الغرفة الخامسة برئاسة ميراي داود وعضوية المستشارتين باتريسيا فارس وثريا صلح.
أسباب المراجعة
بالعودة ومقاومة لذلك، قدّمت جمعيات بيئية عدة (وصية الأرض والجنوبيون الخضر والخط الأخضر) في تاريخ 28 نيسان 2026، مراجعة لإبطال القرار الحكومي 6-9 الصادر في 23 نيسان 2026. كما قدّم الناشط البيئي رئيس اللجنة البيئية في كفرحزير جورج العيناتي ومختار بدبهون وكذلك النائبتان نجاة عون صليبا وبولا يعقوبيان المراجعة نفسها. وقد استندت مراجعة الجمعيات البيئية إلى أمور عدة، أهمها أنه يتعارض مع أحكام مرسومين تنظميّين، هما المرسوم الناظم للمقالع والكسارات رقم 8803/2002 والمرسوم بوضع الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية رقم 2366/2009، واللذين يحظُران استثمار أيّ مقالع في أقضية الكورة والبترون والشوف. وقد اعتبر مقدّمو المراجعة أنّه لا يمكن في حال من الأحوال القول بأنّ القرار يعدّل هذين المرسومين، طالما أنّه لا يمكن تعديل مرسوم تنظيميّ بقرار حكومي عملا بمبدأيْ توازي الصيغ وتسلسل القواعد القانونية. ولم تسهُ المراجعة عن التذكير بأنّ المخطّط التوجيهي الذي أقره مجلس الوزراء في 1997 وعمد القرار الحكومي إلى إعادة إحيائه، إنما وضع في سياق تطبيق المرسوم السابق لتنظيم للمقالع والكسارات رقم 5616/1994 وكان قد أبطله مجلس شورى الدولة بموجب قراره الصادر في تاريخ 7/7/1999 مما دفع الحكومة إلى وضع المرسوم المعمول به حاليا وهو المرسوم 8803/2002. كما ذكرت المراجعة بما كان سجله عددٌ من المراقبين آنذاك لجهة أن مخطط 1997 إنما وضع انطلاقًا من دراسة لدار الهندسة، كانت عبارة عن مسح شامل للمقالع الموجودة، من دون أي تقييم لأثرها البيئيّ، وتبعًا لمساومات كثيرة وقعت في ظلّ الوصاية السورية وسياسة تحاصص الحصى بمعزل عن أي معيار بيئيّ. ولئن جاء استكمالًا للمرسوم الناظم للمقالع والكسارات الصادر في 1994، فإنّه سقط معه حين أبطل مجلس شورى الدولة في قراره الصادر في 7/7/1999 هذا المرسوم. ومن هذه الزاوية، وعدا عن أنّ العودة إلى هذا المخطط التوجيهي تعكس ازدراءً لأهالي المناطق المعنيّة وأيضًا عن ازدراء خطير للشرعيّ، فإنه يعبّر علاوةً على ذلك، عن ازدراءٍ بكلّ ما للكلمة من معنى لكل الدراسات البيئية التي مهّدتْ لوضع المخطط التوجيهي في 2002 ومرسوم ترتيب الأراضي في 2009 وأيضًا للدّراسات التي أنجزتْ في 2019 في إطار البحث عن مخطط توجيهي جديد. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ الحكومة شطبت بجرّة قلم 30 سنة من الجهود لاستشراف السبل لحماية البيئة.
كما أعابت المراجعة على القرار أنّه يؤدي إلى هدر الأموال العامة المتمثّلة في مستحقات الدولة في ذمة شركات الإسمنت، على خلفية استثمار مقالعها سابقًا من دون أيّ سند قانوني، وذلك خلافا للمادة 61 من الموازنة العامة لسنة 2019 التي نصت صراحة في فقرتها الثانية على أنه “يلاحق كل من استثمر دون الترخيص القانوني أو خالف الترخيص الممنوح له حتى سداد كافة الضرائب والرسوم والبدلات المتوجبة عن كافة سنوات الاستثمار ابتداءً من العام 2004 وإنجاز كافّة الموجبات الملقاة على عاتقه لرفع الضرر البيئي الذي سببه”. كما سجّل مقدمو المراجعة أن القرار يتعارض مع القرار الذي كان مجلس الوزراء قد أقرّه في 15 أيلول 2025 لجهة عدم منح أيّ ترخيص قبل استيفاء هذه المستحقات؛ فضلا عن أنه يتعارض مع مبدأ العدالة الاجتماعية المنصوص عليه في مقدّمة الدستور، حيث لا يعقل أن يعطى ترخيص لعشر سنوات لهذه الشركات المخلة بقوانين البيئة بما يضمن لها تحقيق ثروات طائلة، فيما أنها ما تزال متخلفة عن تسديد مستحقات الدولة؛ كل ذلك في وقت ما تزال الدولة عاجزة فيه عن تسديد موظفيها رواتب تضمن له الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. ولم تسهُ المراجعة عن التذكير بأنّ وزارة البيئة كانت قد حددت بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة للتنمية في تقريرها الصادر في 2022-2023 هذه المستحقات بما يصل إلى 370,2 مليون د.أ (أي ما يصل إلى 10% من مجموع المبالغ المتوجبة على مجمل المستثمرين عن الفترة المذكورة).
فضلًا عن ذلك، أعرب مقدّمو المراجعة عن خشيتهم من أن يشكل القرار تنازلا من قبل الدولة عن جزء من هذه المستحقات وهو التعويض عن الضرر البيئي. إذ بخلاف التقرير الذي حدد هذا التعويض بمبالغ مالية طائلة، ورد في ملحق للقرار ضمن مجموعة الشروط البيئيّة، بند مفاده أن شركات الإسمنت تقدّم ك “تعويض بيئي” مساحات من الأمتار المربعة من عقاراتها الخاصة في المناطق العقارية الموجودة فيها هذه المقالع توازي مسطحات الاستثمار ويمنع فيها استثمار المقالع كما البناء من دون أي تعويض. وقد خشي مقدّمو المراجعة من أن يفسّر هذا الملحق على أنه حدّد ماهية الضرر البيئيّ بامتناع الشركات عن أي استثمار في هذه المساحات (وهو امتناع لا يرتبط بأي ضمانات أو مدة)، بما يفقد الدولة إمكانية المطالبة بأي تعويض بيئي آخر. هذا مع العلم أن هذا الالتزام الذي وصف على أنه “تعويض بيئي” يبقى مفرغا من أي مضمون غير متناسب إطلاقًا مع حجم الضرر البيئي، والذي طال البلديات المعنية وسكانها كما طال مختلف عناصر البيئة من ماء وتربة وهواء دون الحديث عن الإشكالات الصحية والأمراض الرئوية التي عانى ويعاني منها آلاف الأشخاص في المناطق المذكورة.
أخيرا، رأى مقدمو المراجعة أن مجلس الوزراء قد أسند قراره إلى ضرورة تعزيز الجهوزيّة الوطنية لإعادة الإعمار. إلا أن التمعّن في القرار يظهر أنّه أبدى بما تضمّنه أو لم يتضمّنه حرصًا على مصالح شركات الإسمنت أكبر من حرصه على توفير المواد اللازمة لورشة إعادة الإعمار، وصولا إلى منحها امتيازات خارقة للقانون وإبراء ذمتها من موجبات ومستحقات بذمتها كما سبق بيانه. وهذا ما حصل من خلال إعادة تعريف الضرر البيئي وإسقاط شرط تسديدها المستحقات المالية كشرط لمنحها أي ترخيص باستثمار مقالع كما سبق بيانه.
فهو من جهة أولى، لم يضع أي ضوابط لتوفير مادة الإسمنت بسعر معقول، يتناسب مع كلفة إنتاجه وسعره في الدول المحيطة. وكان بإمكان الحكومة مثلا أن تشترط منح أي ترخيص باستثمار أي مقلع بالتزام الشركات بتوفير المادة بسعر لا يتجاوز حدّا معيّنا. أما وأن الحكومة أغفلت ذلك بالكامل، فإن ذلك يؤشّر إلى أن تعزيز الجهوزيّة من أجل إعادة الإعمار لم تكن إلا ذريعة من أجل منح امتيازات غير قانونيّة لشركات الإسمنت. وما يزيد من قابليّة هذا الأمر للانتقاد هو بلوغ أسعار الإسمنت مستويات فلكيّة تجاوزت غالبًا ضعفي قيمة كلفة استيراده،
ومن جهة ثانية، لم يشترطْ القرار تخصيص المادة المنتجة لحاجات السوق الداخلية من خلال حظر تصديرها إلى الخارج، بل ترك الأمر للجنة وزاريّة مكوّنة من وزراء الأشغال العامّة والطاقة والمياه والاقتصاد والصناعة والداخلية والمالية والبيئة تتولى لاحقا وتاليا بعد منح التراخيص تقديم اقتراحات تتعلق بتصدير مادة الترابة إلى الخارج، بشكل يؤمّن حاجة السوق والحفاظ على استدامة الموارد الطبيعية وإعطاء الأولوية للإعمار في لبنان. وبذلك أبقى القرار مجال التصدير مفتوحا على مصراعيه، ولا حدود له إلا ما تقرره الحكومة في فترات لاحقة،
ومن جهة ثالثة، لم تتّخذ الحكومة أيّ تدبير لتسهيل استيراد مادة الإسمنت، على نحو يبقي المجتمع تحت رحمة احتكار شركات الإسمنت الثلاث والقوى السياسية المرتبطة بها.
وكان حريّا بالحكومة بالواقع لو أرادت فعلا تعزيز الجهوزية لإعادة الإعمار، أن تكتفي باستعادة التدابير التي اتّخذتها حكومة حسّان دياب في هذا الخصوص بحثّ من وزير الصناعة آنذاك عماد حب الله، والتي قامت على وضع تسعيرة رسميّة للإسمنت، فضلا عن منع تصديره وتسهيل استيراده. أما وأنها أهملت كل ذلك، فقد بدت في معرض تحوير سلطتها من أجل منح امتيازات ومصالح فردية على حساب المصلحة العامة.
المعطيات التي تمّ تكليف الدولة بتزويد شورى الدولة بها
كلّف مجلس شورى الدولة هيئة القضايا (ممثلة الدولة) ووزارتي البيئة والمالية، بمجموعة من المعطيات التي من شأنها تمكينه من ممارسة رقابته على شرعيّة القرار المطلوب إبطالها وعلى مدى صحة الادعاء في أن يكون متعارضا مع الغاية المرجوة منه (جهوزية إعادة الإعمار) ومشوبًا بتحوير للسلطة أو في أنه يمس بحقوق الدولة في تحصيل ضرائبها ورسومها وتعويضات عن الاستثمارات غير القانونية للمقالع. واللافت أن شورى الدولة اعتمد في قراره المذكور مقاربة تخوله ممارسة شاملة على شرعية القرار الحكومي في هذا الشأن كما نبين أدناه. وبالفعل، من أبرز هذه المعطيات، الآتية:
- تزويد شورى الدولة بنسخة عن قرار مجلس الوزراء رقم 30 تاريخ 8 أيار 1997 والخرائط المرفقة به والتي أعادت الحكومة إحياءها بموجب القرار المطلوب إبطاله في نيسان 2026. ومن شأن هذه المعلومات أن تخول شورى الدولة ممارسة رقابته على مدى ملاءمة هذه الخرائط ومدى توافقها مع معايير حماية الثروات الطبيعية والبيئة. كما من شأنها أن تخوله معاينة المخالفة الجسيمة المرتكبة من الحكومة والتي تقوم على تعديل مرسومين تنظيميّين بالغي الأهميّة بموجب قرار حكوميّ، خلافًا لأصول الشرعية القانونية وتسلسل القواعد القانونية ومبدأ توازي الصيغ.
- إفادة شورى الدولة عن ماهية الإجراءات التنفيذية المتعلقة بتشكيل لجنة وزارية لتقديم اقتراحات تتعلق بتصدير مادة الترابة إلى الخارج؛ فضلا عن إفادة شورى الدولة عمّا إذا كان هناك تدابير عملية متخذة في موضوع استيراد مادة الترابة من الخارج لا سيما في ظل الارتفاع الملحوظ لسعر طن الإسمنت في السوق المحلي بالمقارنة مع الخارج. ومن شأن هذه المعلومة أن تخوّل القضاء ممارسة رقابته على أداء الحكومة وفيما إذا كانت قد اتخذت فعليّا الإجراءات المناسبة من أجل توفير المواد الأوليّة للبناء بأسعار معقولة وتاليا تعزيز جهوزيّة الدولة لإعادة الإعمار، أو إذا كانت على العكس من ذلك اكتفت بتبرير قرارها بفتح مجال استثمار المقالع بهذه الغاية من دون أي إيلاء أي اهتمام لتحقيقها؛ الأمر الذي قد يجعلها في موقع تحوير للسلطة.
- تكليف وزارة البيئة إفادة شورى الدولة عن الإجراءات المتخذة لتحصيل كلفة التدهور البيئي وإعادة تأهيل المواقع المشوهة من شركات الترابة. ومن شأن ذلك أن يخول شورى الدولة ممارسة رقابته على مدى التزام وزارة البيئة بتحصيل حقوق الخزينة العامة في هذا الصدد.
- تكليف وزارة المالية إفادة شورى الدولة عن الإجراءات المتخذة لتحصيل الضرائب والرسوم على أساس الكميات المستخرجة من شركات الترابة على أساس الكميات المستخرجة من مواقع الاستثمار.
وفيما لم تقدم الدولة أي إجابة في هذا الخصوص، قرّر شورى الدولة وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، مع التأكيد مجددا على وجوب تزويده وإفادته بما تقدم. وهو بذلك إنما يذكر الحكومة أن شرعية أي قرار منها في هذا الخصوص تبقى وقفًا على مدى انسجامها مع مبادئ الشرعية وحماية البيئة والثروات الطبيعية وحقوق الخزينة وأيضا وبما لا يقلّ أهمية مع حاجات السوق لمواد بناء بأسعار تتناسب مع سعرها العالمي. هي رسالة تذكير ودرس جدّ بليغ من القضاء يؤمل أن تستمع إليه الحكومة وتبادر أن تصلح أدءها من دون انتظار القرار النهائي في هذه القضية.
بقي أن نشير أنه يترتب على وقف تنفيذ مقرّرات الحكومة في تعديل المخطط التوجيهي وتجاوز عدم موافقة بلدية كفرحزير، وقف تنفيذ كل القرارات والتراخيص التي استمدت منها أساسها الشرعي، وبخاصة التراخيص التي أصدرها محافظ شمال لبنان لصالح شركة الترابة الوطنية. أي تأخير من قبل الإدارة في وقف هذه التراخيص يشكّل انتهاكا والتفافا على هذا القرار وانتهاكا لمبدأ فصل السّلطات.





