أرضنا التي تُحرق: إبادة بيئية بالفوسفور الأبيض والغليفوسات

... الفوسفور الأبيض "مادة حيوية للأمن القومي" الأميركي والإسرائيلي، بحسب تصريح الرئيس ترامب، كما كان غاز "زيكلون ب" "مادة حيوية للأمن القومي" النازي... ليست الإبادة البيئية أثراً جانبياً للعدوان الإسرائيلي على لبنان. ليست صدفة. هي قرار واعٍ من الاحتلال وممارسة منهجية لاجتثاث أصل الحياة.
2026-06-25

شارك
فوسفور أبيض على قرية البستان في جنوب لبنان (تصوير: حسين الملا- أسوشيتد برس)

عام 2019، وبعيد استيلاء شركة "باير" الألمانية على شركة "مونسانتو" الأميركية المتخصصة في إنتاج البذور والمبيدات الحشرية، واجهت "باير" موجهة هائلة من الدعاوى القضائية، بالتحديد بـ 42.700 دعوى تطالبها بالتعويض، معظمها في المحاكم الأمريكية. سبب الدعاوى القضائية كان مبيداً للأعشاب الضارة من مادة الـ"غليفوسات"، المعروف تجارياً باسم "راوند-أب" (Roundup).

خسرت "باير" بالفعل عدة دعاوٍ قضائية، بعضها تقدم بها أشخاص مصابون بالسرطان ادَّعوا أن المبيد تسبّب في مرضهم ومعاناتهم الصحية، وقدّم محامو المدعين من بين حججهم تقييم الوكالة الدولية لبحوث السرطان الصادر عن منظمة الصحة العالمية (WHO)، والذي يتوصل لأن مادة الغليفوسات "مسبِّب محتمَل" للسرطانات.

في العام نفسه، 2019، نشرت المجموعة البحثية "فورنزيك أرتشيتكتور" (Forensic Architecture) تقريراً بعنوان "حرب المبيدات العشبية ضدّ غزّة"، تقصَّت فيه قيام الاحتلال برشّ مبيدات الأعشاب بشكلٍ ممنهج، منذ عام 2014 على الأقل، على المحاصيل الزراعية والأراضي الخصبة على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة بالأخصّ، أي في المنطقة التي يعتبرها الاحتلال "منطقة عازلة". وهو إلى جانب رش المبيدات السامة، يقوم بتجريف الأراضي الزراعية والسكنية لتفريغها من مقومات الحياة، وجعلها أقل قابلية للسكن، ولأهداف ميدانية أمنية منها السماح لجنوده بتوسيع نطاق الرؤية والسيطرة.

كانت المبيدات العشبية الثلاث التي رشها الاحتلال، حسب التقرير نفسه: الأوكسي فلورفين والديورون، وثالثهما الغليفوسات، المصنّع من شركة مونسانتو/باير.

باير هذه هي نفسها التي زودت النظام النازي الألماني بالغاز المستخدَم في غرف الغاز السام التي استُعملت للقتل الجماعي، وهي نفسها المسؤولة عن تزويد المبيدات التي قضت في فترة زمنية غير بعيدة على خصوبة آلاف هكتارات الأراضي الزراعية في منطقتنا.

كان ذلك كلّه قبل "السابع من أكتوبر 2023"، وحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، المستمرة حتى الآن. وهذه مجرّد نظرة خاطفة على التعاونات الإبادية الممنهَجة في التاريخ القريب.

الآن، لنقدِّم الزمن سريعاً، إلى يومنا الحالي، والمكان: جنوب لبنان. موضوع آخر للعدوان الإسرائيلي الإبادي...

جريمة مكتمِلة: فوسفور وغليفوسات على جنوب لبنان..

منذ أسبوعٍ فقط، بالتحديد في 18 حزيران/ يونيو الحالي، نشرت منظمة "ميديكو إنترناشونال" تقريراً أعدّته بالتعاون مع مؤسسة "أشغال عامة" في لبنان، بعنوان "خرائط الدمار: حرب إسرائيل على لبنان". يوثّق التقرير جرائم الحرب الإسرائيلية في لبنان، ويسلط الضوء من ضمنها على الاستخدام المتكرر لمادة الفوسفور الأبيض والغليفوسات في هذه الجرائم.

وفقاً للتقرير، وحسب تصريح لمتحدث باسم "تنسيقية مناهضة مخاطر شركة باير" الألمانية: "ثمة أدلة قوية تشير إلى أن الفوسفور المستخدم في حرب الشرق الأوسط ]والمقصود بها المستخدَم من إسرائيل[ مصدره منشأة إنتاج الغليفوسات التابعة لشركة "باير" في منطقة "صُودا سبرينغز" بالولايات المتحدة الأميركية".

منذ شباط/فبراير من العام الحالي، بدأت تظهر تقارير في عدة وسائل إعلام دولية تقول إنّ الجيش الإسرائيلي استخدم مادة الغليفوسات السامة والمسرطِنة في جنوب لبنان والأراضي السورية المحتلة.

في تقرير استقصائي أعده الصحافي ليون ويستريتشوفسكي لموقع "ميدل إيست مونيتور"، تتكشف أيضاً الصلة بين ذخائر الفوسفور الأبيض ومبيد الأعشاب غليفوسات الذي يستخدمه الاحتلال الإسرائيلي، وبين شركة باير الألمانية العملاقة للأدوية والكيماويات. ويستند التحليل إلى نتائج جمعتها منظمة "ميديكو إنترناشونال" لحقوق الإنسان و"تنسيقية مناهضة مخاطر باير" (CBG). يتتبع التقرير مسار التوريد العالمي لهذه المواد وصولاً إلى البنية التحتية للشركات التابعة لشركة باير، وتشير إلى أن استخدام مبيد الغليفوسات مؤخراً في جنوب لبنان وأجزاء من سوريا أدى إلى ارتفاع تركيزات المواد السامة محلياً بنحو 20 إلى 30 ضعفاً عن المستويات الطبيعية، ما يشكل كارثة بيئية على كلّ المستويات، ترقى بالتأكيد للإبادة البيئية.

يشير تقرير "ميدل إيست مونيتور" الى أن القضية تجاوزت تغطيات وسائل الإعلام المحلية الألمانية لتأخذ مساحة من جدول أعمال البرلمان الألماني "البوندستاغ"، في ما يخصّ بيع المواد الكيماوية والأسلحة الألمانية لإسرائيل بشكل مباشر.

خلال اجتماع المساهمين السنوي لشركة "باير"، في نيسان/أبريل الماضي، نفت اللجنة التنفيذية للشركة رسمياً قيام الشركة ببيع مادة الغليفوسات أو شحنها مباشرةً إلى الجيش الإسرائيلي، لكنها لم تصدر نفياً فيما يتعلق بتوريد الفوسفور الأبيض.

حرائق في قرى حدودية ناجمة عن القصف الإسرائيلي (المصدر الجنوبيون الخضر)

"مادة حيوية للأمن القومي الأميركي"... هكذا وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الفوسفور العنصري (elemental phosphorus) الذي يشكِّل المصدر الأساس لتصنيع كلّ من الفوسفور الأبيض والغليفوسات وهما يُصبّان صبّاً على رؤوس الناس وعلى أراضينا التي تعطي الحياة في غزة والجنوب اللبناني. كما صدرت تقارير تفيد باستخدامه في الحرب الأميركية على إيران كذلك... "مادة حيوية للأمن القومي" الأميركي والإسرائيلي، كما كان غاز "زيكلون ب" "مادة حيوية للأمن القومي" النازي...

أرقام مؤلمة..

وثّق مجلس البحوث العلمية في لبنان 284 هجوماً بقذائف فوسفورية و89 هجوماً بقذائف فوسفورية وعادية معاً، فضلاً عن286 هجوماً بقنابل حارقة منذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حتى 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 فقط. وكان لقضاء مرجعيون النصيب الأكبر من الاعتداءات بالقنابل الفوسفورية والحارقة بـ184 هجوماً.

يتسبب الفوسفور الأبيض بضرر مباشر وغير مباشر طويل الأمد. فهو يحرق كل ما يقع عليه، لكنه أيضاً يحرق عبر استنشاقه من الداخل، كما أنه لا يمكن إطفاؤه بالماء أو الوسائل التقليدية. ويلحظ التقرير نسقاً من رمي هذه القنابل على المناطق الحرْجية والزراعية بشكل خاص. وقد بلغت المساحة المحروقة آلاف الهكتارات، وقضت على نحو 20 بالمئة من المساحات الزراعية (وبالتالي على محاصيلها)، والحرجية في 55 قرية، حسب دراسة عن مؤسسة جهاد البناء.

يشير تقرير "في مواجهة الإبادة البيئية في لبنان: توصيات للانخراط الرسمي والمجتمعي في التعافي المستدام"، الصادر عن "أشغال عامة" و"مبادرة الإصلاح العربي"، إلى أنّ كروم الزيتون كانت من ضحايا الإبادة البيئية الأبرز في الجنوب الذي ينتج 38 في المئة من محصول الزيتون في لبنان. أحرَقت وجرَّفت إسرائيل ما لا يقل عن 65 ألف شجرة زيتون، منها أشجارٌ معمِّرة لا تعوّض، يقدر عمرها بمئات أو حتى بآلاف السنين.

أشجار زيتون مدمرة بالبلدوزر الإسرائيلي في قرية حُولا جنوب لبنان (تصوير منير قبلان -الجزيرة)

أكدت وزارة البيئة اللبنانية وتقرير المجلس الوطني للبحوث العلمية حول الأثر البيئي للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بين عامي 2023 و2025 (أي باستثناء جولة الحرب الأحدث)، أن لبنان، بجنوبه بشكل خاص، تعرّض لإبادة متعددة الأوجه، من إبادة المنازل (domicide)، إلى الإبادة الحضرية أو المدينية (urbicide)، وصولاً إلى الإبادة البيئية (ecocide).

في النوع الثالث من الإبادة، يتبدّى الضرر المرعب على القطاع الزراعي والبيئة بالمجمل. إلى جانب الأضرار المادية التي جاوزت 118 مليون دولار في الزراعة، ثمة خسائر كلّية تزيد عن 580 مليون دولار، وذلك من دون احتساب خسائر جولة الحرب الأخيرة!

تضرّر نحو 5000 هكتار من الغابات المعمِّرة، وسُجّل ارتفاع خطير جداً في نسبة الفوسفور ليصل إلى 1858 جزءاً في المليون في بؤر تلوث في جنوب لبنان وبقاعه.

وصلت نسبة تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة والمعادن الثقيلة إلى 65 ميكروغرام في المتر المكعب، بما يفوق معايير منظمة الصحة العالمية.

وباحتساب أضرار جولتي الحرب، يتبين أن أكثر من 70 بالمئة من المزارعين في المناطق التي شهدت اعتداءات إسرائيلية متضررون بشكل كبير. وتفيد وزارة البيئة والزراعة بأن الاحتلال قتل نحو 1.8 مليون رأس من الماشية في لبنان، بين خراف وأبقار وماعز، وهو رقم هائل. كما أبيدت 29 ألف منْحلة، وهي ضرورية للغاية لحفظ التوازن البيئي، وقتل اثنان من أهمّ مربّي النحل في لبنان غيلةً على يد الاحتلال بعد استهدافهما بشكل مباشر. ومنذ أيام فقط، توفيت الناشطة البيئية منى خليل، المعروفة بعملها على حماية السلاحف البحرية على شاطئ المنصوري في جنوب لبنان، بعد أن غلبتها جراحها جراء غارة صهيونية مباشرة على بيتها.

ليست الإبادة البيئية أثراً جانبياً للعدوان الإسرائيلي على لبنان. ليست صدفة. هي قرار واعٍ من الاحتلال وممارسة منهجية لاجتثاث أصل الحياة.

أما نحن، فلن نجعل الأمرَ سهلاً على العدو. أهل الأرض يروون حكايةً أخرى كلما سقطت زيتونة، حكاية "شجرة زيتونٍ ثانية"، ربما كما رواها محمود درويش مرّة..

"هؤلاء الجنود، هؤلاء الجنود الجدد..
يحاصرونها بالجرافات ويجتثّونها من سلالة
الأرض.. ينتصرون على جدّتنا التي انقلبت
وصار فرعها في الأرض وجذورها في السماء.
لم تبكِ ولم تصرخ.. إلا أنّ أحدَ
أحفادها ممن شاهدوا عملية الإعدام، رمى
جندياً بحجر، واستشهد معها، وعندما مضى
الجنود منتصرين، دفنّاه هناك: في الحفرة
العميقة، مهد الجدّة. ولسبب ما، كنّا
متأكدين من أنه سيصبح، بعدَ قليل، شجرة
زيتون؟ شجرة زيتون شائكة.. وخضراء!"

مقالات من لبنان

"وجوه".. أرشيف قصصهم غير المروية

2026-05-21

"وجوه" وُجِدت لتدقّ على أبوابنا، بصورة واسم، وجه وحكاية. تعرِّف الصفحة عن نفسها كـ "مشروع أرشيف رقمي يوثّق القصص غير المرويّة والأسماء خلف وجوه ضحايا عدوان الاحتلال الإسرائيلي على لبنان".