هالة كارولين أبوزكي*
موقع أوريان 21 ، 10 آب / أغسطس 2026
تقول الأديبة الفلسطينية رحاب كنعان: “لم أكن شاعرة، بل لم أكن أفكر أصلًا في الشعر، لكنني مررتُ بمحنة قاسية، هي مجزرة تلّ الزعتر”. وُلدت رحاب في لبنان في مطلع خمسينيات القرن الماضي، وترعرعت في تلّ الزعتر. كان والداها من صفد، في الجليل الأعلى، وقد لجآ إلى لبنان إبّان النكبة. خلال حصار المخيم، فقدت رحاب 51 فردًا من عائلتها، بينهم والدها ووالدتها وإخوتها الخمسة وأخواتها الثلاث. وبعد سنوات قليلة، حصدت الحرب أيضًا ابنها واثنين من أقاربها، وفرّقتها عن ابنتها التي لم تلتقِ بها مجددًا إلا بعد أربعة وعشرين عامًا.
تحلّ الذكرى الخمسون لسقوط تلّ الزعتر في وقتٍ يواجه فيه الفلسطينيون شكلًا جديدًا من الإبادة، ما يشكّل محنة إضافية في حياة رحاب. فهي تقيم اليوم في غزة، حيث تعيش تحت خيمة بعد أن فقدت بيتها وكثيرين من أقاربها خلال الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل منذ عام 2023. وهكذا تختصر مسيرتها تاريخ الاجتثاث المتواصل للفلسطينيين، عبر الزمان والمكان، في فلسطين كما في المنفى.
كما تتزامن الذكرى الخمسون لتلّ الزعتر مع حدث بارز آخر: سقوط نظام آل الأسد، الذي أدّى دورًا حاسمًا في سحق المخيم. فقد أطلقت نهاية هذا النظام العنان للحديث عن الجرائم التي ارتُكبت في لبنان، بشكل مباشر أو عبر حلفاء محليين، طوال أكثر من ثلاثة عقود من الوجود العسكري والأمني السوري.
حزام البؤس
تأسّس مخيم تلّ الزعتر عام 1949 على يد الصليب الأحمر، لإيواء نحو ألفي لاجئ فلسطيني في لبنان. وبعد سنوات قليلة، تولّت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) الإشراف على المخيم، وأطلقت عليه اسم “مخيم الدكوانة” نسبةً إلى البلدة المسيحية التي أُقيم فيها. غير أن المخيم عُرف أكثر باسم “تلّ الزعتر”، نسبةً إلى موقعه على تلّة يكثر فيها نبات الزعتر.
ونظرًا لقربه من أكبر منطقة صناعية في البلاد، بدأ المخيم ومحيطه، منذ خمسينيات القرن الماضي، يستقطبان لبنانيين ولاجئين فلسطينيين قادمين من الأرياف اللبنانية الفقيرة، إضافةً إلى عمّال سوريين. وفي سبعينيات القرن الماضي، دفعت التوغلات الإسرائيلية في مناطق عدة من لبنان كثيرًا من النازحين إلى الاستقرار في تلّ الزعتر وما حوله. وهكذا غدت المنطقة إحدى أبرز بؤر “حزام البؤس” المتشكّل حول بيروت، وصار تلّ الزعتر مركز الفصائل الفلسطينية في شرق العاصمة. وبحلول عام 1974، بلغ عدد سكان تلّ الزعتر نحو 15 ألف نسمة.
وكان المخيم في قلب “حرب السنتين” (1975-1976)، التي شكّلت المرحلة الأولى من النزاع المسلّح في لبنان. تواجه في هذه الحرب معسكران: من جهة، جماعات اليمين اللبناني المسيحي، وأبرز ميليشياتها “الكتائب” بزعامة بيار الجميّل، و“نمور الأحرار” بزعامة كميل شمعون. ومن جهة أخرى، تحالف لبناني-فلسطيني ضمّ الفصائل الفلسطينية، وجماعات الحركة الوطنية اللبنانية1 بقيادة كمال جنبلاط، وميليشيات لبنانية أخرى، غالبيتها من المسلمين.2
تواجه المعسكران في ضواحي بيروت الشمالية والشرقية، حيث تقع أحياء صفيح المسلخ والكرنتينا، وحيّ النبعة، إضافة إلى مخيمات الضبية وجسر الباشا وتلّ الزعتر الفلسطينية.
وبين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 1976، سقطت هذه الأحياء تباعًا بيد الميليشيات المسيحية، التي ارتكبت فيها مجازر عدة وهجّرت سكانها. وشكّل مخيم تلّ الزعتر المحطة الأخيرة في هذه السلسلة من الهجمات التي ساهمت في فرض تجانس اجتماعي وسياسي على هذه المنطقة، وأعادت رسم الخريطة الطائفية للبلاد، وكرّست تقسيم العاصمة إلى بيروت الشرقية وبيروت الغربية.
لعب النظام السوري بقيادة حافظ الأسد دورا حاسما في هذه الأحداث. فبعد أن دعمت دمشق التحالف اللبناني-الفلسطيني، غيرت تحالفها وانحازت إلى أحزاب اليمين اللبناني، وتجلّى ذلك في قصف الجيش السوري، في يوليو/تموز 1976، فصائل مسلّحة تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية كانت تحاول فكّ الحصار عن تلّ الزعتر. وتؤكّد شهادات عديدة وتقارير صحافية معاصرة للأحداث وجود عناصر من الجيش السوري في بعض المخيمات والأحياء التي سقطت عام 1976، وكذلك في مراكز الاعتقال وعند حواجز الميليشيات.
اثنان وخمسون يوما من الحصار
في يناير/كانون الثاني 1976، فرضت ميليشيات اليمين اللبناني حصارًا على تلّ الزعتر، عرقلت خلاله تنقّل السكان ووصول الغذاء والوقود والأدوية والمستلزمات الطبية. ومع ذلك، ظلّت بعض التنقّلات ممكنة عبر لجنة لبنانية-فلسطينية مشتركة (“قوات الارتباط المشتركة”)، كانت تنسّق عمليات العبور هذه مع الأطراف الخصمة.
لكن في 22 يونيو/حزيران 1976، شنّ “الأحرار”، ثم “الكتائب”، فـ“جيش لبنان الحرّ”3، هجومًا واسعًا على المخيم. وطوال اثنين وخمسين يومًا، تعرّض السكان المحاصرون داخل المخيم لقصف يومي شبه متواصل بالمدفعية الثقيلة.
وفي يوليو/تموز، ارتكبت “الكتائب” مجزرتين في حيّ رأس الدكوانة، قرب تلّ الزعتر. أوقعت الأولى، في ملجأين، 90 قتيلًا وعددًا من المفقودين. أما في الثانية، فقصف مسلّحون زوّدتهم إسرائيل بالسلاح مبنى لجأ إليه مئات المدنيين، فقُتل أكثر من 250 شخصًا، بينهم نحو خمسين فردًا من عائلة رحاب كنعان. وكانت الميليشيات تستعدّ حينها للهجوم الأخير، بعد أن تعزّزت بنحو مئة دبابة وناقلة جنود مدرعة زوّدها بها الحليف الإسرائيلي.4
يقول يوسف العراقي، أحد أطباء المخيم: “أكبر مجزرة كانت العطش”. فقد استهدفت الميليشيات مصادر المياه، ومنذ 14 يوليو/تموز، لم تبقَ في المخيم سوى نقطة مياه واحدة صالحة للاستعمال من أصل ثلاث. وكان بين 10 و30 شخصًا، غالبيتهم من النساء، يُقتلون أو يُصابون يوميًا برصاص القناصة أثناء محاولتهم جلب الماء، حتى عُرفوا بـ“شهداء الماء”. وطال شحّ المياه الأطفال بشكل خاص، كما يروي الدكتور العراقي: “كنا نفقد كل يوم نحو اثني عشر طفلًا بسبب العطش. بصفتي طبيبًا، كانت تلك أصعب اللحظات. كانت الأم تأتيني وتقول: انظر إلى طفلي، بالكاد يتنفّس، لم يعد قادرًا على الاستمرار. كانت تلك أقسى اللحظات على الإطلاق”.
وفي الأيام الأخيرة من الحصار، منع المهاجمون إجلاء الجرحى من المخيم. وبعد مفاوضات مطوّلة قادها ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، مع النظام السوري أولًا ثم مع حزب الكتائب، سُمح أخيرًا للجنة الدولية للصليب الأحمر بدخول المخيم في 2 أغسطس/آب، لإجلاء نحو 400 جريح إلى بيروت الغربية بين 3 و6 أغسطس/آب. وعلى الطريق، صادر المسلّحون المستلزمات الطبية وضايقوا الجرحى. وفي 5 و6 أغسطس/آب، قُتل جريحان، بينهما طفل، فأوقفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عمليات الإجلاء.
سقوط المخيم
في 10 أغسطس/آب 1976، سيطرت الميليشيات المسيحية على آخر مصدر مياه في تلّ الزعتر، فلم يعد بمقدور سكان المخيم الصمود. وفي اليوم التالي، أُبرم اتفاق بين الأطراف المختلفة، ينصّ على إجلاء المدنيين، أساسًا نحو بيروت الغربية، وانسحاب المقاتلين الفلسطينيين عبر الجبال. لكن في 12 أغسطس/آب 1976 نُقض الاتفاق، وانتشر المسلّحون داخل المخيم. وفي ذلك اليوم، غادر نحو 12 ألف شخص تلّ الزعتر ومحيطه، وسط فوضى وارتباك عارمين.
ووقعت مجازر داخل المخيم وفي الدكوانة، وكذلك عند الحواجز العديدة – ما بين تسعة واثني عشر حاجزًا – المنتشرة على الطريق المؤدية إلى بيروت الغربية. تعرّضت نساء للاغتصاب، ونهب المسلّحون ممتلكات المدنيين. ورغم أن شهودًا يشدّدون على حضور “الأحرار” و“الكتائب” يوم الإجلاء، فقد شاركت جماعات أخرى بفاعلية في المجازر، مثل “حرّاس الأرز”5، و“جيش لبنان الحرّ”6، وجماعة “الباش مارون”، أي “حركة الشبيبة اللبنانية”.7 وقُتل كثير من المقاتلين الفلسطينيين أثناء فرارهم عبر الجبال، بينما مات آخرون عطشًا أو جوعًا على الطريق.
تعود أم عماد، إحدى الناجيات من تلّ الزعتر، بذاكرتها إلى يوم 12 أغسطس/آب، حين فقدت ابنها عماد، البالغ من العمر ست سنوات، وعشرين فردًا من عائلتها. تروي كيف سمعوا عند الفجر أن المسلّحين دخلوا المخيم وارتكبوا مجازر، لا سيما في المسجد والمستشفى. قرّرت أم عماد وعائلتها، نحو عشرين شخصًا، اللجوء إلى منزل صديق لبناني يقطن في أحد مباني المخيم. وحين تأهّبوا للتحرك، أرادت ابنتها الصغرى الذهاب إلى الحمّام، فاغتنمت إحدى قريبات أختها بالمصاهرة الفرصة لتغيير حفاض طفلها الرضيع، وطلبت من ابنها الآخر مغادرة المكان مع بقية العائلة. وفعلت أم عماد الشيء نفسه مع ابنها عماد، فيما بقي أطفالها الثلاثة الأصغر سنًا برفقتها. راقبتهم أم عماد وهم يتقدّمون، ثم ينعطفون قرب أحد المباني. وحين تحركت للحاق بهم، كان الكبار الأربعة والأطفال الثلاثة عشر قد اختفوا جميعًا.
وبينما تواصل سردها، تعود إليها ذكريات مأساوية أخرى. فبعد أن بحثت عبثًا عن عائلتها، خرجت أم عماد من المخيم وسلكت الطريق المؤدية إلى الدكوانة، حيث رأت على جانبيها جثث رجال وشبان: “المشكلة أنك تعرف كل هؤلاء الناس، إنهم جيرانك وأقاربك”. وشهدت واقعة هزّتها بعمق: أوقف مسلّحون امرأة تحمل رضيعا، فتوسّلت إليهم أن يتركوها مقابل مالها. وبينما كانت تنزع حفاض طفلها لتخرج منه أوراقا نقدية، خطف أحد المسلّحين الطفل و“قذفه في الهواء كأنه عصفور، ثم أطلق عليه النار”.
وبينما كانت أم عماد وبعض أقاربها يستقلّون حافلة صغيرة متجهة إلى بيروت الغربية، أوقفهم مسلّحون وأنزلوا اثنين من أقاربها لم يرهما أحد بعد ذلك. ثم توالت أمام عينيها من نافذة السيارة مشاهد رعب أخرى: شبان من المخيم مقيّدون إلى سيارات جيب للمسلّحين تجرّهم في الشارع، وآخرون رُبطت كلّ ساق من ساقيهم بسيارة مختلفة. وكان المسلّحون يصرخون في كل مكان: “يلا جايكن الموت”. وعند وصول المجموعة إلى خط التماس، اضطرت للنزول من السيارة وعبور الحاجز الترابي سيرًا على الأقدام للوصول إلى بيروت الغربية، وسط مزيد من أعمال القتل.
استعادة الجثامين
وفق الباحث الفلسطيني يزيد صايغ8، قُتل 3500 شخص وأُصيب آلاف آخرون خلال الحصار الأخير. وكان الضحايا في غالبيتهم فلسطينيين، إلى جانب لبنانيين وسوريين. ونظرًا للقصف المستمر، تعذّر دفن الموتى في المقبرة. ويروي عبد العزيز اللبدي، طبيب في المخيم، أن شباب المخيم تولّوا دفن الموتى بين المنازل، اعتقادًا منهم أنه بمجرد رفع الحصار ستتمكّن العائلات من مواراتهم الثرى بكرامة. وكانت لجنة أهالي المخيم أو الفصائل تسجّل أسماء الموتى وأماكن دفنهم. وبعد سقوط المخيم بوقت قصير، وإثر اتفاقات أُبرمت بين الفصائل الفلسطينية وميليشيات اليمين اللبناني، تمكّن أهالي تلّ الزعتر من العودة إلى المخيم، واستخراج 80 جثة ودفنها في مقبرة الشهداء، قرب مخيم شاتيلا في بيروت.
أما بخصوص ضحايا يوم 12 أغسطس/آب 1976، فتتفاوت التقديرات، إذ يُتحدّث عن مقتل ما بين ألف وألفي شخص داخل المخيم وخارجه، إلى جانب مئات المفقودين. وباستثناء المتورطين في هذه المجازر، لا أحد يعلم مصير جثث الضحايا، وهو ما يتردّد صداه في كلمات الدكتور يوسف العراقي حين يقول إن “الحقيقة أول ضحايا الحروب”.
بيروت: جولة بين مباني خندق الغميق المتداعية
11-10-2021
بعد سقوط المخيم، جمعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الناجين من تلّ الزعتر في دامور، في مفارقة قاسية من مفارقات التاريخ. فقبل ذلك بنحو سبعة أشهر، كانت ميليشيات التحالف اللبناني-الفلسطيني قد ارتكبت مجزرة بحق سكان هذه البلدة المسيحية وهجّرتهم بالقوة. وبقي الناجون هناك حتى عام 1982، قبل أن يفرّوا مجددًا إثر الغزو الإسرائيلي للبنان.
بالنسبة إلى الفلسطينيين، لم يكن تلّ الزعتر سوى بداية لسلسلة طويلة من المعارك والمجازر والحصارات وعمليات التهجير القسري التي ستطبع بقية سنوات الحرب اللبنانية. واليوم، لا يزال بعض الناجين من تلّ الزعتر يعيشون في لبنان، غالبًا في مخيمات فلسطينية أخرى، بينما غادر كثيرون منهم البلاد.
ورغم زوال مخيم تلّ الزعتر عام 1976، لا يزال حاضرًا في ذاكرة الناجين، وكذلك من خلال تأسيس “جمعية أهالي تلّ الزعتر” بعد عقود، وما تنظّمه من فعاليات تذكارية، إضافة إلى صفحات على فيسبوك تخلّد ذكرى من قُتلوا أو فُقدوا خلال حصار المخيم أو يوم مجازر 12 أغسطس/آب 1976.
للمزيد
صدرت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، ثم خلال سنوات الألفين، عدة مذكرات لناجين من تلّ الزعتر. وفي عام 2022، نشر الصحافي محمد داود العلي، الذي فُقدت شقيقته وأطفالها الأربعة في 12 أغسطس/آب 1976، بحثًا غير مسبوق يتناول تاريخ مخيم تلّ الزعتر منذ تأسيسه وحتى سقوطه، مستندًا إلى صحافة تلك المرحلة وإلى شهادات مسؤولين فلسطينيين ولبنانيين وسكان من المخيم: مخيم تل الزعتر: وقائع المجزرة المنسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022. ويُراجع أيضًا نصّه المنشور على الإنترنت باللغة الإنكليزية: «Tal al-Za’atar refugee camp»، The Interactive Encyclopedia of the Palestine Question، 2025.
“صمتًا، التصوير جارٍ”
في مسرحيتهما صمتًا، التصوير جارٍ، يستعيد كريستيل خضر وناديم دعيبس مأساة مخيم تلّ الزعتر. ومن خلال شهادات ناجين وناجيات، ولا سيما شهادة إيفا ستول، وهي ممرضة سويدية، يدعو العرض إلى التأمل في سلطة الذاكرة..
للعرض:
- 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 في مسرح جان فيلار في فيتري-سور-سين
- 2 و3 فبراير/شباط 2027 في «كوميدي دو ريمس»، ضمن FARaway — مهرجان ريمس للفنون
عالِمة أنثروبولوجيا. تتركّز أبحاثها على الأزمات والهجرة في الشرق الأوسط، ولا سيما على المنافي الفلسطينية.



