العراق إلى كأس العالم: دموع وهلاهل

المنتخب الذي مَثَّل العراق في العام 2007 كان عالَماً موازياً للعراق، سواء عن قصد، كما يحدث في نظام المحاصصة على "مكونات" الشعب العراقي - التسمية التي يفضِّلها الساسة عوضاً عن "الطوائف"، على الرغم من أنَّهم هم أنفسهم وصلوا إلى المناصب بسبب طائفتهم و"حقها" في ذلك المنصب - جمع العراقيين من كل "المكونات"، كرداً وعرباً، شيعة وسنّة، ومسيحيين وغيرهم! احتفل حوالي 5 ملايين عراقي بالفوز، وكأنّه فوزهم الوحيد، الذي لم يجلبه أحد إليهم، مُفصّلاً على مقاسات الغرباء، حريتهم التي قاتلوا من أجلها بكل قطرة عرق، ولم تصل إليهم محمولة على دبابات عسكرية.
2026-09-03

فؤاد الحسن

كاتب من العراق


شارك
أيمن حسين بعد تسجيل الهدف الذي اوصل العراق الى مونديال 2026

ليست لعبة المستطيل الأخضر وتعقيداتها روتيناً تكتيكياً ورياضياً فحسب للعراقيين، ولا يماثل شغفهم لمؤازرة ونصر منتخب بلادهم آخر، فهي، وإن كانت دون مقصدٍ منها، توحِّد ولو لفترة قصيرة، العراق المعقد المتنوع، وتحضر لا بوصفها رياضة، بل حلاً وقتياً لمشكلاتٍ كثيرة، أو مسكن آلام لوطن بخارطة تاريخية مأساوية.

يشير العراقي إلى شربه من ماء دجلة والفرات لإثبات وطنيته، واللاعب العراقي بكم المآسي التي اضطر إلى تجنبها، كأنها عوارض تدريب تلهيهم عن أهدافهم، وتراب الملاعب القديمة العالق في مجراهم التنفسي، أو ظروف معيشتهم القاسية التي تدفعهم إلى احتراف لعب كرة القدم، لارتداء قمصان منتخب بلادهم. فالعراق الذي لطالما تصدَّر الأخبار بالرؤوس الطائرة عن أجسادها، والأقدام المبتورة، التي تركل احلاماً طائرة في الهواء، تصدَّر الأخبار بالأهداف الرأسية والأقدام التي نسجت، ولو لمرة أخرى، حبكة أخرى مخالفة لما قُدِّر لها أن تكون عليه، عنوانها: العراق إلى كأس العالم.

قصة لاعب وبلد

يشبه العراق، في ما آل إليه، نجم منتخبه أيمن حسين. فالحروب التي افقدته أفراد عائلته هي نفسها التي أكلت كوحش مفترس قلب العراق، إلا أن أياً من قلبيهما لم يتوقف عن النبض. اللاعب العراقي الذي ولد في العام 1996، في قرية الصفرا التابعة لقضاء الحويجة شمال العراق، أثناء حصارٍ فرضه العالم على العراقيين بعد احتلال الكويت، لم تكن طفولته خالية من بصمة الفقد، إذ فقد في 2008 والده المنتسب إلى الجيش العراقي، برصاصة لتنظيم القاعدة، الذي هدد عناصره والد اللاعب وخيّروه بين الاستقالة من الجيش أو الموت. ولم يكُ ألمه قد بلغ قمته بعد! بعد سنوات من رحيل الأب، أختُطِف أخوه، العنصر في الجيش كذلك، الذي لا يزال مجهول المصير إلى اليوم. وقُصِفَ بيته بعدها بحوالي ساعة. بين العامين 2014 و2017 (فترة احتلال تنظيم داعش لثلث العراق)، اضطر إلى النزوح مع عائلته إلى كركوك[1]، قائلاً عنها: "هذه ليست أول مأساة تعيشها عائلتي، وربما لن تكون الأخيرة"!

تَحوَّل تسجيل أيمن حسين لهدف المنتخب العراقي الثاني على بوليفيا، الذي أهَّل العراق إلى مونديال 2026، من قصة نجاح شخصية للاعب محترف، إلى سيرة بلد اضطر مواطنوه إلى تشجيع منتخبات بلدان أخرى تتنافس على الكأس. وهو نفسه أحرز الهدف الذي أهَّل منتخب العراق، إلى "دورة الألعاب الأولمبية"، في ريو دي جانيرو عام 2016.

وفي مطار شيكاغو، في السادس من حزيران/ يونيو 2026، احتجزت سلطات الهجرة الأمريكية أيمن حسين في المطار حوالي 8 ساعات للتحقيق معه، وفُتِّشَ هاتفه بحسب ما تداولت وسائل إعلام محلية. وهي حادثة لم تغب عن آخر نسخة لكأس العالم، من حيث القيود المفروضة على اللاعبين والإداريين، بل وصلت إلى الحكام، الذين مُنِعوا من دخول "أرض الحرية" كما يسميها الأمريكيون!
بعد الحادثة بحوالي عشرة أيام، أي في السادس عشر من الشهر نفسه، سجَّلَ أيمن حسين هدف العراق الوحيد في المونديال ضد النرويج.

تاريخ من دموع الفرح

لا يمكن عزل حادثة تأهل العراق إلى كأس العالم 2026 في أميركا وكندا والمكسيك كحدث كروي نادر شهده العراق، عن ما رافق التأهل الثاني في تاريخ المنتخب الوطني، حيث كان الأول في مونديال 1986.

 تَحوّل تسجيل أيمن حسين لهدف المنتخب العراقي الثاني على بوليفيا، الذي أهَّل العراق إلى مونديال 2026، من قصة نجاح شخصية للاعب محترف، إلى سيرة بلد اضطر مواطنوه إلى تشجيع منتخبات بلدان أخرى تتنافس على الكأس. وهو نفسه أحرز الهدف الذي أهَّل منتخب العراق، إلى "دورة الألعاب الأولمبية"، في ريو دي جانيرو عام 2016. 

رقص الناس في الفجر، حيث انتصر على منتخب بوليفيا بهدفين مقابل هدف، في الملحق القاري المؤهل إلى كأس العالم، خاطفاً آخر بطاقة تأهل متوفرة. بل إن كل بطولة يشارك فيها العراق، قارية كانت، أو خليجية، أو عالمية - والمقصود هنا التصفيات المؤهِّلة إلى كأس العالم - يتحكم آداء الفرقة بأعصاب المشاهدين، بل يبلغون مستوىً يعلقون فيه آمال وأحلام ملايين الناس على نتيجة المباراة، كأنَّها معركة وجود ضد العالم الذي، طوال التاريخ، قرر بمختلف جهاته تقرير مصير العراق، من الأسكندر الأكبر، المدفون في العراق، الذي حررها من الفرس آنذاك، إلى اليوم! وهو فعل تقليدي، يتجسد في أٌبَّهته في أغنية حسام الرسام: "جيب الكاس" الذي يغني موجهاً كلامه إلى لاعب المنتخب العراقي:

"بيك أملنا، عوّض إلنا صبر أهلنا"!

كان ذلك في العام 2007، حين واجه العراق المنتخب السعودي، في نهائي كأس آسيا، وانتصر في البطولة. غنى حسام الرسام على لسان العراقيين آنذاك، الذين كسروا حظر التجوال المفروض كحل لتقليل الاقتتال الطائفي، وهلهلوا وبكوا وتعانقوا.

تحولت صافرة الإعلان عن بداية المباراة إلى صافرة إعلان غير معلنة عن هدنة، لم يُشِر إليها أحد بين المتقاتلين على هويات لم يختاروها. أشار اللاعبون فيما بعد بلقاءات تلفزيونية إلى أن ما ساعدهم على الفوز لم تكن المهارات الكروية وطريقتهم الفريدة في التلاعب بالكرة، بل الروح!

نسي الناس السيطرة الطائفية، تناسوا هوياتهم القومية و"القادة" الذين كانوا يبثون فيهم منطقاً قائماً على وجوب وجود قاتل وقتيل: فإما أن يُبقوا على المشابهين لهم، وإمّا سيُقتَلون في سيطرة "الآخرين". حتّى أن المناطق المعزولة لأسباب أمنية عن بعضها، المتحولة إلى معازل طائفية نتيجة لأرقام القتلى التي اقتربت من ألفي قتيل شهرياً، سمحت جدرانها الكونكريتية الفاصلة بينها و"الآخر" بتسرب الأمل إليها!

المنتخب الذي مَثَّل العراق في العام 2007 كان عَالَماً موازياً للعراق، سواء عن قصد، كما يحدث في نظام المحاصصة على "مكونات" الشعب العراقي - التسمية التي يفضِّلها الساسة عوضاً عن "الطوائف"، على الرغم من أنَّهم هم أنفسهم وصلوا إلى المناصب بسبب طائفتهم و"حقها" في ذلك المنصب - جمع العراقيين من كل "المكونات"، كرداً وعرباً، شيعة وسنّة، ومسيحيين وغيرهم! احتفل حوالي 5 ملايين عراقي بالفوز، وكأنّه فوزهم الوحيد، الذي لم يجلبه أحد إليهم، مُفصّلاً على مقاسات الغرباء، حريتهم التي قاتلوا من أجلها بكل قطرة عرق، ولم تصل إليهم محمولة على دبابات عسكرية تحوي مستر فلان ومستر علاّن.

من إعلان الحظر إلى العالمية

بعد احتلال الكويت، فُرِض حظر دولي على العراق في آب/أغسطس 1990، إلى جانب الحصار الأقتصادي الدولي، ومُنع المنتخب من اللعب في "البيت"، واضطر إلى جانب العراقيين الذين هربوا من الحروب إلى استئجار أوطان وقتية، بيئات مشابهة لبيئة العراق مثل الأردن والإمارات وقطر، تاركاً الجماهير العاشقة حبيسة شاشات التلفاز الصغيرة لأكثر من عقد ونصف.

غنّى حسام الرسام: "جيب الكاس"، موجِّهاً كلامه إلى لاعب المنتخب العراقي: "بيك أملنا، عوّض إلنا صبر أهلنا"! كان ذلك في العام 2007، حين واجه العراق المنتخب السعودي، في نهائي كأس آسيا، وانتصر في البطولة. غنّى حسام الرسام على لسان العراقيين آنذاك، الذين كسروا حظر التجوال المفروض كحل لتقليل الاقتتال الطائفي، وهلهلوا وبكوا وتعانقوا. 

تحولت صافرة الإعلان عن بداية المباراة، إلى صافرة إعلان غير معلنة عن هدنة لم يُشِر إليها أحد بين المتقاتلين على هويات لم يختاروها. أشار اللاعبون فيما بعد في لقاءات تلفزيونية، إلى أن ما ساعدهم على الفوز لم تكن المهارات الكروية وطريقتهم الفريدة في التلاعب بالكرة، بل الروح! 

تذبذب الحظر الدولي، فرُفِع عن مناطق دون غيرها، مثل رفع الحظر الجزئي عن أربيل ليستضيف مباراة العراق والأردن، عاد الحظر الشامل اثناء بدء تحركات تنظيم داعش.

لم يُرفع الحظر الكامل عن الملاعب العراقية قبل 2022، إذ أسهمت التظاهرات في أواخر 2019 في فرض حظر آخر، حلقة أخرى في مسلسل العزلة الدولية، الذي استمر ل32 سنة!

عدي والرياضة والسادية

لم تكن الرياضة العراقية مصدراً للفخر وقصص النجاح الشخصية فقط، بل كان الفوز في كرة القدم الوسيلة الوحيدة لنجاة اللاعبين من تعذيب يشرف عليه شخصياً ابن صدام حسين "السايكوباث". فبحسب شهادات اللاعبين، والأدوات التي عثرت عليها القوات الأميركية التي دخلت مبنى اللجنة الأولمبية، حيث تحصَّنت المقاومة العراقية آنذاك، كان هناك أدوات تعذيب، وسلاسل، وكراسٍ كهربائية.

مقالات ذات صلة

تبين لاحقاً أن تلك الأدوات كانت تُستخدَم لتعذيب اللاعبين بعد الخسارة في المباريات، كضربهم على أقدامهم أو تعليقهم أو تعريضهم لصدمات كهربائية، لكي يتعلموا الدرس الكبير: أن المنتخب، والوطن، والشعار على صدور اللاعبين، هي كلها مرايا عاكسة للنظام، وفشلها يعني فشل النظام، أي فشل الأب وولديه. إضافة إلى مقر اللجنة الأولمبية، كان سجن الرضوانية يُستخدَم لتعذيب اللاعبين...

كرة القدم العراقية، تدور كما لو أنها الأرض، تُفرِح العراقيين، وتُبكيهم، تفرّقهم، وتجمعهم.

______________________

  1. https://youtu.be/VLGcGrGHORA?si=SHPQ4OaBmKkTwCil

مقالات من العراق

قراءة في كلفة عام من تطبيق قانون الأحوال الشخصية الجديد في العراق، وقصص ضحاياه

تُظهِر التعديلات الممتدة والممارسات القضائية كيف تُوظِّف الدولة والأحكام التقليدية مفهوم "الولاية الجبرية" كتقنية لإخضاع النساء، حيث يُعاد حصر موقع المرأة في خانة الوعاء الرعائي المجرد من الحقوق السياسية والقانونية...

للكاتب/ة