العراق: في تجارب الخيبة!

في زمن مقداره عشر معشار الثانية، انقلبت الحياة تماماً. الرؤية بيضاء، السمع مفقود، الإحساس بالزمان والمكان يتلاشى، اصطدام كبير في جدار الذاكرة يفقدك تعريفك لنفسك ولهويتك ووجودك. انفجار سيارة مفخخة، تبعد عني 8 أمتار، أنا الجالس بجانب السائق، الضاحك الراقص المغني المقاوم، لم أكن أعرف أن هناك طعماً آخر للشاي غير الذي تعده أمي، شاي الفرحة العراقية.
2022-02-10

أحمد الحسيني

كاتب صحافي من العراق وأحد مؤسسي "منظمة إنهاء الإفلات من العقاب" فيه


شارك
ناديا اوسي - العراق

"العصرونية" طقس غذائي استطاع اختراق الواقع العراقي منذ ستينيات القرن الماضي بشخصية قوية أثبتت نفسها في جدول الأسرة. يبدأ العصر في العراق على أنغام أباريق الشاي وكؤوس الفلكلور العراقي (الاستكاين) وهي تختلط ببعضها محمولةً على صفيحة معدنية، "الصينية"، موضوع عليها قطع كعك "الكليتشة" الفريدة بمذاقها، أو البسكويت. وحين تكسر الشمس حرارتها حسب تعبير العراقيين، يحين ظهور هذه الوجبة "الدخيلة" على الوجبات الثلاث الرئيسية. وكعراقيٍ من بغداد، ألِفت أسرتي هذا الطقس جداً، ولم تقطعه على الرغم من كل ظروف الحصار وما بعدها، ولا توجد خطة لإلغائه أبداً.

عصرونية يوم 22 تموز/ يوليو/ 2007 كان لها طعمٌ آخر غير الشاي والكعك. ابتدأ الوقت يومها عند الساعة الرابعة عصراً، في اللحظة التي صفّر فيها حكم مباراة العراق وكوريا الجنوبية في نصف نهائي كأس أمم آسيا، وإعلان استقبال القلق والشدّ العصبي والعاطفة المضطربة داخل المنزل، وشرب الشاي معهم بانتظار نتيجة المباراة. كان الجنون سيد هذا الوقت، وباستطاعة أي عراقي يشجع المنتخب في حينها الاستماع لصوت الكرة وهي "تحلف" بكل الآلهة العراقية الكروية مُشْهرةً رفضها الدخول لشباك أي من الفريقين. انتهى الشوطان الأصليان والإضافيان بالتعادل السلبي (0-0)، وبدأت ركلات الترجيح لتجعل كل العراقيين ينبضون بإيقاع واحد مليء بالدعاء والرجاء والأمنيات المتعلقة - ويا للمفارقة - ليس بالفوز فقط، بل برفض ما سميَّ آنذاك "بالحرب الطائفية" التي اندلعت في شوارعهم منذ نهاية 2005. أرادوا شيئاً يلتفون حوله بعيداً عن محرقة العقائد والانتماءات السياسية التي وفدت عليهم بعد الاحتلال الأمريكي.

مقالات ذات صلة

انتهت المباراة بفوز العراق، ليشهد العراقيون - وأنا منهم - أول أحساس أليف يمر بهم بعد 4 سنوات من الدمار بالمفخخات والأحزمة الناسفة والقتل الممنهج والاغتيالات وانعدام أشكال الحياة في "العراق الجديد". أول فرحة هستيرية، حيث الصراخ حقيقيٌ جداً. كنا نصرخ ونبكي ونتنفس ونضحك في اللحظة نفسها، ونشعر بذوبان حبالنا الصوتية كلها في صوت واحد هناك، حيث لا تتمايز الأصوات في نداء "جيب الكاس جيبه.. جيب الكاس جيبه".

دهشةٌ في عامِ الدم

تمثل سنة 2007 دخيل شؤم على ناس العراق، هي وأمها، سنة 2006. هاتان السنتان أنجبتا قيماً جديدة مرفوقةً بالصدمات. ارتفعت مفاهيم التحوّل نحو المجتمع المغلق على ذاته بصورة كبيرة جداً، ووصل انعدام الثقة بين المكونات لمراحل صُنِعَ بسببها توزيع جديد للجغرافيا العراقية: مناطق عزل طائفي، جدران أسمنتية عالية امتدت على طول المناطق السنية والشيعية في بغداد، ازدياد نسب الطلاق بين الأزواج بسبب اختلاف المذاهب، والخوف من الآخر كان هو العملة المتداولة في يوميات الفرد العراقي. وفي لحظة مثل فوزٍ في اللعبة الأكثر شهرة حول العالم، "كرة القدم"، لم يجد العراقيون منفذاً للصراخ بكلمة "لا" أمام كل ما كانوا يمرون به وقتها سوى التسمّر أمام الشاشات والدعاء للفوز. لذلك، كان الظلم الأكبر في ذلك اليوم هو تستُّر العراقيين على فرحتهم، وإبقائها داخل أجسادهم وجدران منازلهم، والطريق الأسلم لمنع الظلم هو الخروج للشارع وممارسة أصول الجنون. رقص وغناء، رشُّ المياه على الناس والصراخ بسبب أو بدون سبب، شرب الكحول لمن استطاع إليه سبيلاً، والاحتفال بالطريقة المعهودة للكائن البشري، فها نحن اليوم أحياءٌ، نحن نقاوم.

كانت شوارع بغداد ذلك اليوم، بزخمها البشري، تضاهي زخم كل المناسبات الدينية التي مرت عليها. فحين تمدُّ برأسك نحو الشارع ترى الرؤوس المهتزة فرحاً، والأقدام المرتفعة عن الأرض والضاربة لها بكل قوة على أنغام أهزوجة: "شفتوا لاعب بالملاعب يلعب وأيده على جرحه.. هذا لاعبنا العراقي من المآسي جاب فرحة".

نحلٌ في مناطق بغداد

وكعشرات الآلاف من العراقيين في هذا اليوم، لم أتمالك نفسي. خرجت للشارع لممارسة ما كان يمارسه الناس في كل مكان، تاركاً الوجبة الدخيلة على الوجبات العراقية، "الشاي"، لاستقبال فرحة دخيلة اسمها "فوز المنتخب العراقي".

تمثل سنة 2007 دخيل شؤم على ناس العراق، هي وأمها، سنة 2006. هاتان السنتان أنجبتا قيماً جديدة مرفوقةً بالصدمات. ارتفعت مفاهيم التحوّل نحو المجتمع المغلق على ذاته بصورة كبيرة جداً، ووصل انعدام الثقة بين المكونات لمراحل صُنِعَ بسببها توزيع جديد للجغرافيا العراقية.

اتصل بي أصدقائي حينها عارضين عليّ الخروج في سيارة أحدهم للتجوال في بغداد كلها، فمن الظلم أيضاً ممارسة الفرح في منطقتك وحدها في يوم يخص كل العراق من شماله إلى جنوبه. كنا ستة شباب، تنقّلنا كما النحلة في بغداد وهي مورقة بمناطقها المزدحمة بالناس ومكبرات الصوت والسيارات الهائمة على وجهها التي لا تدري أين تذهب. فكل بغداد وجهة، وهذه الوجهة لا تعرف غير الأغاني والرقص وصناعة عسل اللحظة، مثلنا تماماً.

في خارطة تبدأ من تقاطع الأندلس وحفلة الحزب الشيوعي، وصولاً للباب الشرقي ثم العودة للكرادة ورجوعاً لزيونة، كان أصحاب الـ DJ يحتلون الأرصفة والشوارع بصورة شبه كليّة. لا تُنسى وقفتهم هذه حين طرزوا شوارع بغداد الرئيسية بأجهزتهم ورقصهم، الذين جعلوا المتفرجين عليهم وهم يرقّصون الناس، يظنون أن الأرض من تحت أقدامهم ستتعرج وتُخسف بالراقصين.

شاي أبيض لعين

استقر بنا النوى في منطقة تُدعى الغدير، فيها مقهًى شبابي بسيط قررت القافلة أن تستريح فيه. كان المقهى موجوداً في نهاية شارع خدمي في المنطقة، مما اضطرنا للمسير في الشارع رغم بطء السيارات التي لم تكن بطيئةً بسبب زحام مروري أو حادث، بل عمدت جميعها إلى المشي ببطء شديد، ليملأ سائقوها عيونهم من مناظر الفرحة العارمة التي زارت العراق دون علم القدر.

قطعنا نصف الشارع تماماً، وبقي لنا 60-70 متراً لنصل أخيراً للمقهى، ولكن ما حدث أسدل الستار على كل شيء، معلناً أن "لا فوز يريح العراقيين ولا هم يفرحون".

في زمن مقداره عشر معشار الثانية، انقلبت الحياة تماماً. الرؤية بيضاء، السمع مفقود، الإحساس بالزمان والمكان يتلاشى، اصطدام كبير في جدار الذاكرة يفقدك تعريفك لنفسك ولهويتك ووجودك. انفجار سيارة مفخخة!

مفخخة تبعد عني 8 أمتار، أنا الجالس بجانب السائق، الضاحك الراقص المغني المقاوم، لم أكن أعرف أن هناك طعماً آخر للشاي غير الذي تعده أمي، شاي الفرحة العراقية. لحظات قبل الإفاقة من العصف والصدمة، إحساسها يشبه مشهداً سينمائياً لكائن فضائي يمر بثقب دودي، وينتقل من مكان لآخر بعد أن تُمسح سيرته الذاتية، ويخرج خالٍ من التعريف والهوية والزمان والمكان.. والهدف.

رحلة إلى الكندي

نزلتُ من السيارة بعد نهاية لحظات العدم واستعادة الأنا الغائبة. ولفقداني تعريف الأشياء، لا أعرف بالضبط كم بقيت جالساً في السيارة. عند أول نزولي استقبلتني امرأة أربعينية ترتدي ملابس خفيفة، وكأنها خرجت من غرفة نومها مباشرة إلى الشارع: "وليدي سامر"، واحتضنتني. أجبتها بشكل بطيء جداً: "لا خالة آني مو سامر". لتعود مرة أُخرى: "لعد وين سامر"؟ لم أجبها، وتركتها تتفرّس وجوه الجثث المرمية على الأرض وملامح الناجين الجرحى.

في لحظات المشي الأولى، لم أعرف ما بي، لكنّي استطعت تمييز إصابة واحدة، سلّامية أصبعي الأوسط لليد اليمنى، بُترت. لا بأس، قلت في نفسي، وداومت المشي متفرجاً على حفلة الأشلاء المجانية: شابٌ ينام على بطنه ونصف أسطوانة حديدية تحفر ظهره ويضرب بخفي يديه الأرض، وأرجل لا تتحرك. امرأة فاقدة لكف يدها الأيسر تمسكه بالأيمن وتفترش الأرض. اختفاء ملامح أطراف سفلى لمراهق بسبب الدم والحديد. كلها مشاهد تقول لك إنك عراقي، ولا يليق بك الفرح الجماعي. وفي هذه الأثناء، أتت سيارة شرطة لتحملنا أنا وشابين، إلى مستشفى الكندي وسط بغداد.

عند أول جلوسي في مقعد سيارة الشرطة الخلفي، وجدت بي رغبةً للتأكد من سلامة وجهي، وهنا لم أكن أنظر للشخص نفسه الذي تركته يحتفل قبل ساعة من الآن، حزمٌ حديدية ناعمة تخرج من خدي الأيمن مكونةً حفرة، وقطعة حديدية حادّة تخرج من رقبتي، أيضاً من الجهة اليمنى، ويدي تنزف كلها دون معرفتي لمكمن الجراح بالضبط.

بعد التأمل في ملامحي الجديدة والاطمئنان من عدم وجود خلل في الرؤيا أو الشمّ والسمع، تشجعت على التأكد من سلامة وعيي وذاكرتي باستذكار قوانين من دراستي، حيث كنت في وقتها طالباً في كلية العلوم التطبيقية الجامعة التكنولوجية، فشرعت بتذكر قوانين تحويل الدوال المثلثية والزائدة

(sin cos, sinh cosh). تذكرتها ثم بدأت بتعداد أسماء عائلتي ونجحت كذلك، ثم أصدقائي، ونجحت!

كانت شوارع بغداد ذلك اليوم، بزخمها البشري، تضاهي زخم كل المناسبات الدينية التي مرت عليها. فحين تمدُّ برأسك نحو الشارع ترى الرؤوس المهتزة فرحاً، والأقدام المرتفعة عن الأرض والضاربة لها بكل قوة على أنغام أهزوجة: "شفتوا لاعب بالملاعب يلعب وأيده على جرحه.. هذا لاعبنا العراقي من المآسي جاب فرحة".

وصلت سيارة الشرطة لمستشفى الكندي، ومنظر الجثث المتراكمة من جرحى وقتلى كبيرٌ جداً، يزدحمون في المستشفى بالضبط كازدحامٍ حول فندق 5 نجوم يهدي حجوزات مجانية.

استقبلني عدد من ممرضي الطوارئ، وبدؤوا يستخرجون مقتنياتي الجديدة. فاجأني الممرض بإخراج قطعة حديد لأحد مكابس محرك السيارة المفخخة من ذراعي الأيمن، وحديد بشكل قطع صغيرة من وجهي بكمية كبيرة، وخشب وزجاج ناعم من أذني اليمنى، وزجاج ناعم أيضاً من أسفل جفنيَّ.

الحصيلة لنشوة الفوز في بغداد يومها: 40 مقتولاً و70 جريحاً في انفجار الغدير، و81 مقتولاً و110 جرحى في انفجار صهريج نفطي في منطقة المنصور، كل ذلك لأن منتخباً لكرة القدم فاز في نصف نهائي بطولة أممية.

ما نحتهُ العراق في صدري

المنتخب الأعجوبة، الذي فاز بتلك البطولة، جعل العراقيين وللمرة الثانية يخرجون في جانبي الكرخ والرصافة في تظاهرات موحدة رتقت الفتق بين شيعة وسنة بغداد بملايينهم السبعة، كذلك في بقية المحافظات العراقية، الشمالية والجنوبية والغربية. احتفاءً منهم، واحتفالاً لأجل المنتخب بهذا الفوز الذي مثّل لهم أن الطائفية في مجتمعهم محض كذبة، وما يوحدهم موجود، بانتظار استثماره.

بعد مرور 14 عاماً على هذه الحادثة، واستذكار تفاصيلها والشعور المرافق لها، شاهدت برنامجاً يستعرض جلوس أحد أهم وأشهر لاعبي المنتخب الصانعين لتلك الفرحة، بجانب أحد قادة الميليشيات المسلحة المتهمة بجرائم عنف طائفي في العراق وسوريا، مبتسماً في وجهه، غير آبه بما أشعر ويشعر به مئات الضحايا من قتلى وجرحى.

عرفت في لحظتها أنك حين ردّدت بينك وبين نفسك "لا بأس، هي جروح مصيرها الالتئام"، لم تتوقع أن يقفز أمام ناظريك من راهنت عليه، ليصطف مع قتلة وسفاحين، ناسياً كونه رمزاً لك ولمئات الآلاف المتحلّقين خلف أول رمزية عراقية خالصة توجد بعد 2003. من راهنت عليه فضّل تجار الدم أيها الراقص المغني وشارب شاي العصر... يا للخيبة! 

مقالات من العراق

عندما نطق بوش بالحقيقة!

ديمة ياسين 2022-05-22

الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية لم يخطئ عندما وقف متلعثماً في خطابه وذكر اسم العراق بدل أوكرانيا، هو كان فقط يعدد إنجازاته كمجرم حربٍ من الطراز الأول.