حين يعتلي مغاربةٌ الأبراج ليُسْمَعَ صوتهم

في تكرار تسلق البنايات المرتفعة والتلويح بورقة إنهاء الحياة، يبرز تشابه ملموس يرتبط بتجربة المواطن المريرة مع المؤسسات الحكومية. ذلك أن كل شخص بادر إلى هذا الارتفاع العمودي، كان قد قطع قبلها مساراً طويلاً ومضنياً من توجيه المراسلات الإدارية، ووضع الشكاوي، والانتظار في ممرات الإدارات العمومية، من دون قطف أية نتيجة ملموسة. يتحول الجسد البشري خلال هذا الاعتصام العُلْوي إلى أداة تواصل سياسية فائقة التعقيد، إذ يُعرِّض المحتج نفسه لتهديد حقيقي يتمثل في السقوط الحر، واضعاً حياته في كفة ومطالبه في الكفة المقابلة.
2026-08-06

سعيد ولفقير

كاتب وصحافي من المغرب


شارك
تسلق البرج الكهربائي لاسماع صوته

في صباح ربيعي من شهر أبريل/ نيسان 2026، توقفت الحركة في أحد أحياء مراكش، إذ عاد مواطن مغربي ليعتلي من جديد برجاً كهربائياً، بعد أن خاض في تشرين الثاني/ نوفمبر/ 2025 أول اعتصام له فوق العمود نفسه، لستة أيام، رافضاً النزول قبل أن يجد حلاً لنزاع قضائي، يهدد بإخراجه من المسكن الذي يؤكد أنه اقتناه بعقد قانوني.

يكشف هذا المشهد عن حلقة جديدة ضمن سلسلة من الاحتجاجات المتكررة والمستمرة، التي اختار أصحابها الارتفاع إلى قمم الأبراج والأعمدة والمنشآت الشاهقة، بعدما ضاقت بهم السبل على الأرض. بيد أن هذا الشكل الاحتجاجي لم يطفُ على سطح الواجهة دفعة واحدة، إذ يمكن اعتبار حادثة مدينة تيفلت (غرب المغرب) أقدم وأبرز الوقائع التي تؤرخ لبداية هذه الظاهرة الاحتجاجية، حيث تسلق شاب من باعة الهواتف المتنقلة لاقطاً هوائياً فوق مقر مفوضية الشرطة في آذار/ مارس عام 2014، محاوِلاً الانتحار احتجاجاً على مصادرة بضاعته، في واقعة تحولت إلى مواجهات بين الأمن والمحتجين، وخلّفت إصابات واعتقالات وأضراراً في محلات تجارية ومصرفية في المدينة.

مقالات ذات صلة

ومنذ ذلك الحين، أخذت هذه المشاهد تتكرر في مدن مغربية مختلفة، حتى غدا الصعود إلى الأماكن المرتفعة، في بعض الحالات، وسيلة احتجاج قصوى، يلجأ إليها من يعتقد أن صوته لم يعد يُسمع وهو على البر.

البرجُ كمنصةِ احتجاج

تشكل وقائع مدينة تيفلت نقطة ارتكاز أساسية لفهم الجذور العميقة لهذا النمط الاحتجاجي المتصاعد. وإذا كانت واقعة بائع الهواتف قد مثّلت إحدى أقدم صوره الموثقة إعلامياً، فإن المدينة عينها عادت مجدداً إلى الواجهة في تشرين الثاني / نوفمبر 2016، إذ عمد ثلاثة مواطنين إلى تسلق لاقط هوائي تابع لشركة اتصالات، قبل أن يبقى اثنان منهم معتصمِين فوقه عشرة أيام تحت التهديد بإلقاء نفسيهما، احتجاجاً على ملفات مرتبطة بمصادرة أراضٍ، وسحب رخصة مقهى، ونزع 15 هكتاراً لإقامة مستشفى محلي.

اتسعت رقعة هذه الممارسات الاحتجاجية لاحقاً، لتشمل مدناً ومناطق أخرى، من مثل مدينة طانطان (جنوب غرب المغرب)، وذلك عندما تسلق المواطن يوسف الصباري في أيلول/ سبتمبر 2025 لاقطاً هوائيّاً يُعرف محلياً باسم "نخلة الريزو"، والاعتصام فوقه، احتجاجاً على تعثر مشروع يندرج ضمن برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الذي لم يجد طريقه إلى التسوية، على الرغم من تعدد المراسلات والشكاوي.

بالموازاة، أخذ المشهد أبعاداً أكثر مأساوية وتعقيداً في إقليم بني ملال (وسط المغرب)، عندما خاض بوعبيد، وهو رجل أربعيني، خلال شهر حزيران/ يونيو 2025، اعتصاماً صامتاً لأكثر من أسبوعين، فوق خزان مائي بجماعة أولاد يوسف، مطالِباً بفتح تحقيق نزيه للكشف عن ملابسات وفاة والده داخل السجن، قبل أن يُقدِم على محاولة انتحار من أعلى الخزان، إثر تدخل عناصر الوقاية المدنية، ثم توفي لاحقاً في المستشفى متأثراً بإصاباته.

أقدم وأبرز واقعة لجوء الى تسلق الاعمدة أو البنايات المرتفعة تعود الى حادثة وقعت في مدينة تيفلت (غرب المغرب)، حيث تسلق شاب من باعة الهواتف المتنقلة، لاقطاً هوائياً فوق مقر مفوضية الشرطة في آذار/ مارس عام 2014، محاوِلاً الانتحار احتجاجاً على مصادرة بضاعته، في واقعة تحولت إلى مواجهات بين الأمن والمحتجين، وخلّفت إصابات واعتقالات وأضراراً في محلات تجارية ومصرفية في المدينة. 

يكشف هذا التوزيع الجغرافي الممتد من تيفلت في الغرب إلى مراكش وطانطان في الجنوب، مروراً ببني ملال في وسط البلد، عن غياب أية خصوصية جهوية، أو سياق محلي منفرد يفسر هذه الحوادث، ليؤكد صيرورتها نمطاً احتجاجياً متكاملاً يخترق جغرافيا البلد بأكمله. ويتجاوز القاسم المشترك بين هذه الوقائع المتفرقة حافز تسلق البنايات المرتفعة والتلويح بورقة إنهاء الحياة، إلى تشابه ملموس يرتبط بتجربة المواطن المريرة مع المؤسسات الحكومية. ذلك أن كل شخص بادر إلى هذا الارتفاع العمودي، كان قد قطع قبلها مساراً طويلاً ومضنياً من توجيه المراسلات الإدارية، ووضع الشكاوي، والانتظار في ممرات الإدارات العمومية، من دون قطف أية نتيجة ملموسة.

وعليه، يغدو البرج أو الخزان المائي ملاذاً نهائياً يتِّوج مسيرة من الإحباط المتراكم. وتبرز هنا الحاجة الملحة إلى تفكيك طبيعة المطالب المرفوعة من الأعلى، بغية استيعاب الدوافع الحقيقية، التي تُرغِم الفرد على اختيار حافة الخطر، كبديل اضطراري عن الصمت الميداني.

الأبراج تجمعهم

ما يجمع هذه الحالات المتباينة في طبيعتها أن كل واحدة منها مرت عبر مسار طويل، من المحاولات السلمية التقليدية، قبل الوصول إلى فعل التسلق، من مراسلات وشكايات وزيارات متكررة لمكاتب السلطة المحلية والإقليمية، وأن كل هذه المحاولات باءت بالفشل أو ووجهت بالصمت أو بالتسويف المستمر. يمنح هذا المسار الطويل من الانتظار غير المحسوم فعل التسلق دلالته الخاصة، لأنه لا يَظهر كفعل احتجاجي أول، وإنما كخطوة أخيرة بعد استنفاد كل ما سبقها.

مقالات ذات صلة

يفسر هذا الاستنفاد التام للقنوات التقليدية أسباب تحول الجسد - لا الملف أو الشكوى - إلى الأداة الوحيدة المتبقية بيد المحتج للتعبير عن مطلبه. فبعد أن فشلت الكلمة المكتوبة والمراسلات الرسمية في إحداث أي أثر، يصبح الارتفاع الجسدي نحو الأعلى بديلاً اضطرارياً عن الصمت الميداني، ووسيلة أخيرة لفرض الحضور والانتباه، بعد أن عجزت كل الوسائل السلمية الأخرى عن ذلك.

يكشف التوزيع الجغرافي الممتد من تيفلت في الغرب إلى مراكش وطانطان في الجنوب، مروراً ببني ملال في وسط البلد، عن غياب أية خصوصية جهوية، أو سياق محلي منفرد يفسر هذه الحوادث، ليؤكد صيرورتها نمطاً احتجاجياً متكاملاً يخترق جغرافيا البلد بأكمله.

يسهم التوثيق اللحظي في كسر احتكار الرواية الرسمية للأحداث، وتوفير تغطية مستمرة ترصد أدق التفاصيل، وتمنع أي تعتيم أو تلاعب محتمَل بالحقائق، فيما تتكفل خوارزميات منصات السوشال ميديا، بتوزيع المقاطع والصور على نطاق واسع، يحصد ملايين المشاهدات. لذا، يرفع هذا الانتقال الفوري من الفضاء الفيزيائي إلى الفضاء الافتراضي من كلفة التجاهل الرسمي. 

يفتح هذا التحول من الاحتجاج بالكلمة إلى الاحتجاج بالجسد سؤالاً جوهرياً عن طبيعة هذا الخطاب الجسدي الجديد. أي كيف يتحول جسد معلَّق فوق برج أو خزان إلى أداة تواصل سياسية، قادرة على شل يد السلطة وفرض التفاوض؟ وهل يكفي هذا الحضور الجسدي المكثَّف، على الرغم من قوته الرمزية والبصرية، لحسم النزاع في جوهره القانوني والإداري، أو يظل خطاباً فعالاً في جذب الانتباه، وعاجزاً في الآن نفسه عن تحقيق الحل الفعلي؟

خطاب الجسد المعلق

يتحول الجسد البشري خلال هذا الاعتصام العُلْوي إلى أداة تواصل سياسية فائقة التعقيد، إذ يُعرِّض المحتج نفسه لتهديد حقيقي يتمثل في السقوط الحر، واضعاً حياته في كفة ومطالبه في الكفة المقابلة. ويتخلى هذا الجسد عن حضوره العادي في المجال العام، ليتحول إلى فاعل رئيسي يمتلك قدرة هائلة على تعطيل الآلة الإدارية والأمنية، حيث تُشل نسبياً أو جزئياً يد السلطة، وتُصبح غير قادرة على ممارسة مهامها الردعية الاعتيادية، خوفاً من تبعات السقوط المميت. ويفرض هذا الوضع معادلة صعبة على جميع الأطراف، إذ تنبع قوة المحتج من الخطر المباشر الذي يعرِّض نفسه له، لا من موقعه الاجتماعي، فيتحول أحياناً، على الرغم من ضعفه الفعلي، إلى الطرف الذي يتحكم في مسار التفاوض وزمنه.

يتجاوز أثر الجسد المعلَّق فوق البرج لحظته الفردية، إذ يُضاعِف تجمهر السكان حول موقع الاعتصام، الضغط الذي يمارسه المحتج بمفرده، ويجعل التدخل الأمني السريع أكثر تعقيداً، من دون أن يعني ذلك منع التدخل أو عرقلته فعلياً.

تختار الإدارة المحلية في بعض السياقات تبنِّي استراتيجية التريث البطيء والحصار النفسي، معتمدة على عامل الوقت لاستنزاف طاقة المحتج الجسدية والمعنوية، وإرغامه على التراجع، من دون تقديم تنازلات جوهرية. 

وإذا كان هذا التحكم في وتيرة التفاوض ينبع أولاً من الخطر الجسدي المباشر في الفضاء الفيزيائي، فإن الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي يضطلعان بدور حاسم، في تمديد عمر هذا الخطاب الجسدي وتوسيع نطاق تأثيره، إذ تنقل تقنيات البث المباشر المُدْمجة في الهواتف الذكية الحدث من سياقه المحلي المحدود إلى الفضاء العالمي اللامحدود. ويسهم التوثيق اللحظي في كسر احتكار الرواية الرسمية للأحداث، وتوفير تغطية مستمرة ترصد أدق التفاصيل، وتمنع أي تعتيم أو تلاعب محتمَل بالحقائق، فيما تتكفل خوارزميات منصات السوشال ميديا، بتوزيع المقاطع والصور على نطاق واسع، يحصد ملايين المشاهدات. لذا، يرفع هذا الانتقال الفوري من الفضاء الفيزيائي إلى الفضاء الافتراضي من كلفة التجاهل الرسمي، ويضع صانعي القرار المحليين تحت ضغط شعبي مضاعَف، يُجبِرهم على التحرك العاجل، لتطويق الأزمة قبل أن تتناسل وتتحول إلى قضية رأي عام وطني، تتدخل فيها أطراف حقوقية وإعلامية متعددة.

مقالات ذات صلة

يتجاوز أثر الجسد المعلَّق فوق البرج لحظته الفردية، إذ يُضاعِف تجمهر السكان حول موقع الاعتصام، الضغط الذي يمارسه المحتج بمفرده، ويجعل التدخل الأمني السريع أكثر تعقيداً، من دون أن يعني ذلك منع التدخل أو عرقلته فعلياً. وبالتوازي مع هذا الحضور في الشارع، تنقل مقاطع الفيديو والصور المتداوَلة على المنصات الرقمية صورة المحتج من حدود المدينة إلى جمهور يعم البلد برمته، فترتفع كلفة تجاهل الحالة على الجهات الرسمية. لكن يظل هذا الانتشار محصوراً في عرض المشهد الظاهر، أي صورة الجسد المعلّق ولحظات التفاوض معه، ولا يكشف عن تفاصيل الملف القانوني أو الإداري الذي أوصل المحتج إلى هذا الخيار. ويوضح هذا الأمر طبيعة هذا الخطاب الجسدي بدقة، فهو فعال في جذب الاهتمام والانتباه ومضاعفة الضغط، لكنه يبقى عاجزاً عن حسم النزاع في جوهره القانوني والإداري.

ماذا عن استجابة السلطات؟

تلعب البنية المعمارية للمنشآت المستهدَفة دوراً محورياً في نجاح هذا الخطاب الاحتجاجي، إذ تمتلك الأبراج المخصصة للاتصالات، وأعمدة التوتر العالي، وخزانات المياه، مقومات بصرية تضمن للمحتج رؤية بانورامية، وتجعله مرئياً من مسافات بعيدة. وتمنح هذه الهياكل المرتفعة امتيازاً بصرياً للمحتج، وتضمن له البقاء خارج دائرة التدخل الأمني المباشر، فيما تُحوِّل محيطها الأرضي إلى ساحة تفاوض مفتوحة.

تشهد مرحلة ما بعد النزول وانفضاض الحشود، مسارات متعرجة تُبيِّن عمق الهوة بين الوعود الممنوحة في لحظات الأزمة القصوى، والتعقيدات الإجرائية التي تحكم سير المؤسسات. إذ تصطدم الوعود الشفوية، وأحياناً المكتوبة، بالقيود القانونية الصارمة، وغياب الاعتمادات المالية، أو تداخل الاختصاصات بين الإدارات، مما يعيد العديد من الملفات إلى نقطة البداية، ويجدد مشاعر الإحباط لدى المتضررين.

في المقابل، يختلف موقع كل منشأة ودرجة خطورتها من حالة إلى أخرى، ولهذا تتعامل السلطات العمومية مع هذه الحالات الطارئة بأساليب متباينة، تخضع لتقديرات ميدانية دقيقة تزن حجم المخاطر، وتقرأ طبيعة السياق المحيط بكل حادثة على حدة. وتبادر الأجهزة المسؤولة في بعض السياقات إلى الاستجابة الفورية ونشر فرق الوقاية المدنية والأطقم الطبية، مصحوبة بمسؤولين محليين أو ممثليهم، الذين ينخرطون في تفاوض مباشِر، يقدِّمون خلاله التزامات صريحة بتسوية الملفات العالقة فور نزول المحتج بسلام. يُملي هذا الخيار الاستعجالي الرغبة في تجنب الكارثة الإنسانية وامتصاص الغضب الشعبي المتنامي في محيط الحدث، وتفادي استغلال الواقعة - وفق تصور السلطات - من طرف تنظيمات سياسية (مثل جماعة العدل والإحسان) أو حقوقية محلية محظورة، قد تسعى إلى توظيفها في تأجيج احتقان اجتماعي أوسع، يصعب السيطرة عليه لاحقاً.

تختار الإدارة المحلية في سياقات مغايرة تبنِّي استراتيجية التريث البطيء والحصار النفسي، معتمدة على عامل الوقت لاستنزاف طاقة المحتج الجسدية والمعنوية، وإرغامه على التراجع، من دون تقديم تنازلات جوهرية. كما أن المعتصِم يتعرض لظروف مناخية قاسية، تتراوح بين حرارة الشمس الحارقة نهاراً والبرد القارس ليلاً، مضافاً إليها الجوع والعطش وانعدام النوم، وهي عوامل تعول عليها السلطات لإنهاء الاعتصام بأقل التكاليف السياسية.

وتهدف هذه المقاربة الصارمة إلى الحفاظ على "هيبة" مؤسسات الدولة، من الخضوع لمنطق "لي الذراع"، وتوجيه رسالة رادعة إلى باقي المواطنين، مفادها أن اللجوء إلى الابتزاز الجسدي عبر تعطيل المرافق أو تهديد السلم العام لن يُثمر مكاسب سريعة، وبالتالي تسعى إلى منع تطبيع هذا السلوك، وتعميمه وتكراره كطريق مختصر لتجاوز القواعد القانونية الجاري العمل بها.

من ناحية أخرى، تشهد مرحلة ما بعد النزول وانفضاض الحشود، مسارات متعرجة تُبيِّن عمق الهوة بين الوعود الممنوحة في لحظات الأزمة القصوى، والتعقيدات الإجرائية التي تحكم سير المؤسسات. إذ تصطدم الوعود الشفوية، وأحياناً المكتوبة، بالقيود القانونية الصارمة، وغياب الاعتمادات المالية، أو تداخل الاختصاصات بين الإدارات، مما يعيد العديد من الملفات إلى نقطة البداية، ويجدد مشاعر الإحباط لدى المتضررين. إذ تواجه فئة أخرى من المعتصِمين متابعات قضائية، بتهم تتعلق بالتجمهر غير المسلح، أو إهانة الضابطة القضائية، أو إزعاج السلطات وتعطيل مصالح المواطنين، مما يوضِّح رغبة الدولة في الجمع بين المعالجة الإنسانية المؤقتة لتفادي إزهاق الأرواح، والمقاربة الزجرية اللاحقة لترميم سلطة القانون، وردع محاولات تجاوز القنوات المؤسساتية المخصَّصة لتدبير الخلافات والمظالم.

وفي المحصلة...

تكشف القراءة التحليلية لهذا المشهد الاحتجاجي المتكرِّر، عن تراجع واضح لأدوار قنوات الوساطة التقليدية (الأحزاب والنقابات والمجالس المحلية...)، إذ فقدت قدرتها الفعلية على تأطير المواطنين واستيعاب مطالبهم المعيشية. وعليه، يجد الفرد نفسه مدفوعاً إلى مواجهة مباشِرة وقاسية مع البنية الإدارية. ويفسِّر هذا الوضع أسباب اللجوء إلى الاعتصام فوق الهياكل المرتفعة، حيث يعكس ذلك تعطلاً حقيقياً في قنوات التواصل، وانسداداً تاماً في آليات الإنصات المؤسساتي. وبالتالي، تتحول مرافق البنية التحتية في الهوامش الحضرية، إلى ساحات بديلة يسعى عبرها المحتج إلى إعادة التفاوض حول حقوقه ومكانته الاجتماعية.

وبذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل يظل الجسد المعلّق فوق الأبراج آخر وسيلة يمتلكها المواطن عندما توصد في وجهه كل الأبواب؟ أو أن استمرار هذا المشهد سيدفع يوماً إلى إيجاد قنوات جديدة، تُنصِت للمطالب، قبل أن تتحول إلى مأساة بين الأرض والسماء؟

مقالات من المغرب

بوجلود.. سيرة احتفال مغربي أمازيغي شعبي من ذاكرة القرى إلى سجالات الهوية والاتهام

إحدى المعضلات الأساسية التي تواجه دراسة التراث الشعبي أن الباحث يبحث عن الأصول، بينما يهتم المجتمع بالمعاني التي يمنحها للممارسة في الحاضر. وما يهم سكان المناطق التي حافظت على بوجلود،...

التعليم المغربي "جيد".. أكذوبة فرنسية؟

تتأسس النظرة الفرنسية الرسمية تجاه المنظومة التعليمية المغربية، على انتقائية تعزل القمة عن القاعدة، حيث تنظر باريس إلى المدرسة المغربية من خلال عدسة "الأقسام التحضيرية"، والمتخرجين في مدارس المهندسين، الذين...

للكاتب/ة

التعليم المغربي "جيد".. أكذوبة فرنسية؟

تتأسس النظرة الفرنسية الرسمية تجاه المنظومة التعليمية المغربية، على انتقائية تعزل القمة عن القاعدة، حيث تنظر باريس إلى المدرسة المغربية من خلال عدسة "الأقسام التحضيرية"، والمتخرجين في مدارس المهندسين، الذين...

الزمن الأوروبي الذي أنهك المغاربة

لا يمكن قراءة أزمة هذا التوقيت الصيفي المستمر في المغرب، بوصفها مجرد تذمر شعبي من الاستيقاظ المبكر، بل يكمن جانبها العميق في كونها قضية "اقتصاد سياسي للزمن"، وتكثيفاً لصراع خفي...