هاني شنودة الذي فتح الباب واسعاً إلى تعبيرٍ موسيقي جديد

"الكرة الأرضية لم يكن فيها تزاوج بين الدرامز والدفّ النوبي"، وشنودة فعلها. وحكت الأغاني عن المجتمع، الشعور بالحزن، التهميش، هموم المدينة وأهلها، وحكت عن أملٍ بعالم لا نخفي فيه مشاعرنا ولا ننسى فيه ما يهزّنا من الداخل ويجعلنا أحياء، فيغني الكورس في أغنية "هزّني" مثلاً: "رُحنا مدارس وتعلّمنا.. إزّاي نتستّر على مشاعرنا.. زيّ أسير هربان.. من حكم الإعدام... وحياتنا عيب وحرام وغلط وكلام وكلام وكلامْ..."
2026-07-30

شارك
الموسيقار المصري الراحل هاني شنودة
إعداد وتحرير: صباح جلّول

صوتُ صفير رجلٍ في مزاجٍ رائق، يدنو من أذن المستمِع، مرافقاً صوتَ اقتراب خطوات أقدام لا نسمع حولها خطواتٍ غيرها. على الفور، ترسم المخيلة صورة ليلية لشارعٍ فارغٍ إلّا من صاحب الخطوات الذي يصفر متمشياً. يدخل الإيقاع فجأة مرافقاً الصفير، معه غيتار باص (Bass)، يثبّت كل شيء في مكانه، قبل أن يطلع الصوت الرخيم الذي لا تخطئه الأذن. إنه الشاعر صلاح جاهين، يُلقي قصيدة مطلعها: "الشوارع حَواديت.. حوَداية الحبّ فيها، وحوَداية عَفاريت. اسمعي يا حلوة لمّا أضحّكِك.."

تسرح الموسيقى شابكةً صوت الشاعِر بصوتِ المغنية إيمان يونس. الاثنان يقولان الشِّعر نفسه، محكياً ومغنّى، واللحن يقول معهما، كأنهم كورس من ثلاثة أشخاص: "الشارع دا كنا ساكنين فيه زمانْ.. كلّ يوم يضيق زيادة عنْ مَا كانْ.. أصبح الآن بَعد مَا كبرنا عَليه...زَيّ بطن الأمّ ما لْناش فيه مكانْ..".

في نهاية كل مقطع، وكلّ "حدّوتة" عن كلّ شارع، ينفجر اللحن بحنين لذكريات صارت كأنها ذكريات كلّ مستمِعٍ لهذه الأغنية. صارت الشوارع شوارعنا، والحدّوتة قصتنا، قصة الناس الذين يجدون أنفسهم على هامش حياة جُعِلت جنّة للأقوياء والأغنياء، وكفاحاً مراً مستمرّاً للإنسان الرقيق الحالِم...

أما الذي ورّطنا في هذه الرحلة في الشوارع والمشاعر، مانِحاً شِعر جاهين حياة جديدة، فليس سوى الملحّن المصري هاني شنودة.

موسيقيّ مدى الحياة..

توفي الموسيقار المصري هاني شنودة يوم 20 تموز/ يوليو 2026 عن عمر ناهز 83 سنة، بعد تدهور حالته الصحية، في العاصمة المصرية القاهرة. مذّاك، تملأ موسيقاه الشاشات وسيرته الألسن والصحف. وقد يحصل ألّا يعرف كتير من الناس خارج مصر من هو الرجل، لكنهم على الأغلب لا بدّ أنهم سمعوا وحفظوا شيئاً من أعماله بدون انتباه. في وداعه، لا بدّ من العودة إلى قصة هذا الإنسان منذ البداية، لفهم شيء عن البصمة الفريدة التي تركتها موسيقاه في عالم الفنّ بأشكاله المتنوعة، من الغناء إلى السينما، وما بينهما.

ولد هاني شنودة في طنطا عام 1943، لأسرة مصرية قبطية من الطبقة المتوسطة. حصل على شهادته من كلية التربية الموسيقية عام 1966، وانتقل بعدها إلى التخصص في المعهد العالي للموسيقى "الكونسرفاتوار". منذ شبابه، بدا شنودة كمن يبحث عن مجالٍ أكبر لتعبيره بالموسيقى، مساحة تتّسع فيها الذائقة من دون خوف من طعمٍ غريب، فقارَب الموسيقى كاحتمال مفتوح، دائم الحركة، لا يحتاج تثبيتاً. في مصر التي تقدِّس الطرَب، جاء هذا الشاب بأفكار لعصرٍ جديد.

هاني شنودة واحدٌ من الملحنين والموسيقيين القلائل الذين تلتفت فتجدهم في كلّ مكان. مَن أحبّ نجاة الصغيرة، سمع لحن هاني شنودة في "بَحْلَم مَعاك"، ومَن أحبّ عمرو دياب سمع هاني شنودة في أغنية "الزمن"، ومن شاهد فيلم المخرج محمد خان "الحرّيف" (من بطولة عادل إمام)، حفظ عن ظهر قلب أغنية "الشوارع حواديت". حتى محبو الفن الشعبي ومواويل أحمد عدويّة، وجدوا شنودة، في أغنية عدوية التي نالت نجاحاً شعبياً منقطع النظير: "زحمة يا دنيا زحمة". أمّا الأجيال الشابة الباحثة عن موسيقى "أندر غراوند"، فيها من الغرب والشرق والتجريب والفلتات غير المألوفة في التخت الشرقي وال"بوب" العربي الشائع، كاستخدام جهاز الـ (synthesizer) الإلكتروني، فوجدت ضالتها في "ديسكوغرافي" هاني شنودة مع فرقة المصريين بالذات.

أقيمت جنازة هاني شنودة في كنيسة العذراء مريم في منطقة المعادي وسط عدد محدود جداً من الحضور من الأقارب والمقرَّبين. حضرت بعض الوجوه الفنية والإعلامية، وغاب معظمها عن توديع الراحل، وهو ما دفع كثراً للتعبير بغصّة عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن غضبٍ من التقصير وإهمال الوفاء للفنان، بل أن البعض ذهب لتفسير ما حدث بالطائفية المستبطَنة في هذا الانكفاء، ما يقف على الضدّ تماماً مما كانته حياة هاني شنودة، الذي لم يعرِّف يوماً عن نفسه بطائفة أو دين (حتى أن الرجل يستذكر في إحدى المقابلات مازحاً كيف أنه أوُقف يوماً بسبب مظاهرات طلابية بتهمة كاذبة هي انتماؤه الى جماعة الإخوان المسلمين! لأن أحداً لم يكن يعرف ديانته). وأياً كانت أسباب الغياب عن الوداع، أبانت الصورة عن مشهد حزين لا يشبه طوفان الحب الذي أغرق الصفحات بموسيقى شنودة، وبشهادات من ناس عاديين عن أغانٍ وألحان من المايسترو، غيَّرت حياتهم أو نظرتهم إلى الفن، ورافقتهم في أوقاتهم السعيدة والصعبة. وتلك كانت جنازة وفاءٍ ملأى.

الموسيقى ملعباً للخيال الحرّ

كان هاني شنودة شاباً يعزف مع فرقته "القطط الصغيرة" (Les Petits Chats) في الإسكندرية ذات صيف، عندما استمع إليهم الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ، ثمّ سألهم في مقابلة صحافية "لماذا تعزفون موسيقى الآخرين بدلاً من تقديم أعمالكم الخاصة؟"، مقترحاً عليهم استخدام ألحان غربية مع كلمات مصرية. يقال إنّ تلك المحادثة كانت البذرة التي ألهمت هاني شنودة للذهاب الى تأسيس فرقة المصريين (عام 1977)، باسمها الذي لا يحتاج تفسيراً كثيراً: إنها فرقة لموسيقى وأغانٍ يكتبها ويلحنها ويؤديها مصريون، وهي عن حياتهم وأفكارهم وعواطفهم، تتخفف من القوالب، القديم منها والجديد، فتَستخدم من الشرق والغرب ما يحلو لها في خدمة التعبير عن الذات.. ولمَ لا؟

فرقة المصريين
غلاف كاسيت "بحبك.. لا" لفرقة المصريين

صارت الفرقة مساحة لتجارب تجديدية لم تصنع لنفسها قفصاً عبر تقليد ما هو قائم، بل تجاوزت ذلك إلى حرية مُنعِشة، فكانت أول من قال، عبر الموسيقى، لأجيال لاحقة "لستم محكومين بما رأيتم وسمعتم"، وألهمت بمنتوجها فرقاً ومغنين مجايلين لها. فُتِح الباب على مصراعيه نحو أساليب تعبير أكثر جرأة.

لفتت الموسيقى الطازجة الانتباه، ولم يبدُ أن هاني شنودة يبذل جهداً متكلِّفاً لاستخراجها من نفسه. كان هو هكذا بالفعل، قادراً على صنع الشيء الجديد، وموهوباً في التقاط الموهبة أيضاً. اكتشف مغني البوب المصري الأكثر شعبية لجيل الألفية، عمرو دياب، ولحَّن أعمالاً مبكرة للفنان محمد منير، صاحب الأغاني التي جمعت بين التراث النوبي وال"بوب" الحديث.

____________
من دفاتر السفير العربي
الموسيقى والغناء.. سجل خاص للتغيرات السياسية
____________

بخصوص هذا التعاون المبكر مع منير، يقول شنودة في أحد اللقاءات الصحافية "من أول مرة شفته، الكيما اشتغلت، وحبيته جداً"، فقال له بتواضعه المعهود: "سأعمل على تجربة جديدة، يمكن تكون حلوة، ويمكن تكون زيّ الزفت، فكيف للإنسان أن يضمن النتيجة؟". بهذه الروحية المنفتحة على التجربة والخطأ خاض شنودة مغامرة التلحين مع منير، وقد كان الأخير مغنياً شاباً مغموراً في تلك الفترة. قال لمنير إنه يتكفّل بالآلات الافرنجية، الغيتار والباص والطبول، وطلب من منير أن يأتي بعازف دفّ نوبي أصلي، فكان أن جاءه بسليم شعراوي. التقى الجمعان في جلسة تسجيلٍ عاد منها هاني شنودة إلى بيته سعيداً كأنه وجد كنزاً. "الكرة الأرضية لم يكن فيها تزاوج بين الدرامز والدفّ النوبي"، وشنودة فعلها.

الموسيقى لغة تَخاطُب

رأى هاني شنودة الموسيقى بوصفها لغة تَخَاطُب وتواصُل. في أكثر من مقابلة إعلامية، عبّر عن رأي يقول بضرورة تعليم هذه اللغة للأطفال في المدارس، وفَسّر غير مرّة كيف يسمع كلام الموسيقى عندما يقوم بالتأليف، فالنغمة بالنسبة له سؤال وجواب، أخذُ وردّ، وحوار كامل فيه العقلانية والانفعال والحزن والغضب والرقة والانكسار، وغالباً ما حاول تشريح نغماته لإيصال تلك الفكرة، عبر القول مثلاً أنه في هذه الجملة اللحنية يسأل، وهناك يؤكّد، وفي مكانٍ آخر يعبِّر عن اضطراب، وهكذا. فتكون الموسيقى الصامتة، تلك التي ليست مصنوعة لأغنية، أيضاً غير "صامتة". كانت تلك طريقته في تقريب عالَم التأليف الموسيقي المستغلق على من لم تتسنّ له فرصة تعلّم أبجديته، فيحاول جعله في متناول الناس. ولعلّه لهذا السبب استطاع أن يُبدع في الموسيقى التصويرية للأفلام السينمائية، حيث يكون مطلوباً منه وضع موسيقى تشبه العالم الداخلي لشخصية أو ترجمة لقلق أو حلم، كما في فيلم "المشبوه" أو "الحرّيف" أو "شمس الزناتي"، فوضع موسيقى أكثر من 140 فيلماً، منها ما صارت له حياته الخاصة خارج إطار الفيلم، فتجد الناس يعودون لسماعه لذاتِه.

هاني شنودة على البيانو

أما في الأغنيات، حيث الكلام موجود، يكتشف المستمِع مروحة من المواضيع الاجتماعية والشخصية التي طُرِحت بشكل لم تألفه آذان المستمعين، معظمها تتناوب على ألسنة أكثر من شخص من الفريق، فلا يبقى نجمٌ غنائي واحد، إنما أصوات متعددة في تَحاوُر أو تجاوُر، ومواضيع حميمة تَطرح ما يدور في عقول الشباب بدون مبالغات درامية أو رومنسيات مبتذلة، بعضها مُذهِلٌ في طرحه خطاباً "نسوياً" متقدماً عن زمانه في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات.

في أغنية "بنات كتير"، من كلمات صلاح فايز، تصف فتاة نفسها كإنسانة جديّة، لا تغريها الموضة ولا النجوم الشباب، بعيدة النظر، و"متوعيّة" كأمّها الفلاحة. وفي أغنية "لمّا كان البحر أزرق"، من كلمات هاني ذكي، صوت نسائي وآخر ذكوري يرويان وجهة نظرهما عن انفصالهما، فيشكو الرجل هجر المرأة له، بينما تشرح هي "لكنْ في يُوم كانْ لازم أبدأ... وأخلَق لنفسي كيان" بعيداً عن ظلّه. أغنية "ما تحسبوش يا بنات"، من كلمات صلاح جاهين، توجّهت للفتيات بالقول إن الزواج ليس بالضرورة هدفاً في الحياة، ولا هو حَلّ لانعدام الحريّة في حياة الفتيات. هذه الخيارات للألحان والكلمات كانت ثورة حقيقية في عالم الأغنيات العربية والمصرية، عدا عن نَفَس تقدّمي وأغانٍ استطاعت أن تسلِّح الفتيات والشباب بلغة خفيفة الظلّ، ذكية، وساخرة، حول واقع حياتهم. حكت الأغاني عن المجتمع، الشعور بالحزن، التهميش، هموم المدينة وأهلها، وحكت عن أملٍ بعالم لا نخفي فيه مشاعرنا ولا ننسى فيه ما يهزّنا من الداخل ويجعلنا أحياء، فيغني الكورس في أغنية "هزّني" مثلاً: "رُحنا مدارس وتعلّمنا.. إزّاي نتستّر على مشاعرنا.. زيّ أسير هربان.. من حكم الإعدام... وحياتنا عيب وحرام وغلط وكلام وكلام وكلامْ..."

فتح أحدهم كوة للجميع، ليطلّوا على فضاء تعبيري جديد تماماً، وكان هذا الشخص هو هاني شنودة.

مقالات من مصر

من كأس العالَم.. هنا فلسطين!

2026-07-09

مَن يسمع أحاديث الناس في الشوارع والمقاهي والبيوت على امتداد المنطقة، وأمام الشاشات العملاقة والصغيرة على السواء، ومَن يصغِ لهتافهم وقت الهدف المصري، وغضبهم الفائر بعد النتيجة التي أجحفتهم، يفهم...