العودة من برزخ الموت في العراق: ناجيات من "غسل العار" يكسرن جدار الصمت

في بعض الحالات، كهذه المنشورة هنا، تتحوّل العائلة من مساحة حمائية مفترضة إلى أداة تنفيذية أولى، والى الشرطي الحارس للمنظومة البطريركية، فتنهار قيمة "القرابة الدموية" أمام سلطة "الامتثال الجماعي"، حيث يتحول الأخ، والأم، والأعمام إلى وكلاء محليين، لمنظومة قهرية أوسع، تحرسها نصوص قانونية بالية وضغوط عشائرية نافذة.
2026-07-30

أماني الحسن

باحثة وصحافية من العراق


شارك
نور بهجت - سوريا

لسنواتٍ طويلة، تنام محافظات العراق وتصحو على قصص الفتيات اللواتي غادرن الحياة تحت وطأة الرصاص والسكاكين، وكانت آخرهن القاصر "كوثر بشار"، التي هزت فاجعتها الرأي العام مؤخراً. قُتلت كوثر لمجرد أنها حاولت الفرار من زواج قسري، ولم ينتهِ المشهد بلفظ أنفاسها الأخيرة، بل ترافقت الجريمة مع احتفالات عائلية وزغاريد صادمة أُطلقت "غسلاً للعار". في كواليس جريمة كوثر، كان المجتمع يقف متفرجاً، يُصفِق للرصاص، ويمنح القاتل صك الغفران والبطولة. هذا التماهي المجتمعي الجماعي مع القتل، هو البيئة الخصبة، التي تولد فيها مآسي آلاف الفتيات، وهو نفسه، الذي كاد أن يبتلع عائدة*

المائدة المسمومة.. حكاية في برزخ التعايش

عائدة، ابنة الأربعين عاماً، عاشت حياتها كـ"شمعة تحترق في زوايا منزلها بمحافظة واسط". بعد رحيل والدتها، نذرت شبابها وأيامها لخدمة إخوتها، رفضت عروض الزواج، وأغلقت قلبها أمام الحب، واختارت أن تكون الأم البديلة التي تعيل العائلة.

في ليلة من عام 2024، كانت عائدة تقف أمام طاولة الكي، تُمرر المكواة الساخنة على قميص شقيقها بعناية فائقة، ليتأنق به في الغد. وفي المطبخ، كانت قد أعدت له عشاءً دافئاً، ليرمِّم تعب نهاره ويشتد عوده. لم تكن مسكينة واسط تَعْلم، أنها تمنح القوة للجسد الذي سيسحلها بعد ساعات قليلة من شعرها، ويُلقي بها في السيارة متوجهاً إلى منطقة معزولة ومظلمة خارج حدود المدينة، ليذبحها، فقط لأن وشاية كاذبة، مغمَّسة بالغل، خرجت من فم زوجته.

في تلك البقعة النائية، وتحت سماء باردة، ركع الموت أمامها. كان شقيقها يرى فيها "عاراً" يجب محوه، مستنداً إلى مجتمع يرى في "تطهير" دماء النساء مادة للاحتفال. رُفِعت السكين. وفي الثواني الأخيرة الفاصلة بين الحياة والقبر، رنّ الهاتف. لم يرقّ قلب الشقيق، ولم يستيقظ ضميره، بل كانت مشيئة الأقدار. اتصل أحدهم ليعلن عن وفاة عمهم، فأُجًّل "حفل الدم" بسبب حداد طارئ. وفي طريق العودة، تدخلت شقيقتها المتزوجة وأخوها المعتدل ليفكوا قيدها، وينتهي مشروع الذبح مؤقتاً بعد أن انكشفت كذبة الوشاية.

عادت عائدة إلى المنزل، لكنها لم تعد حية تماماً. لقد تفتتت هويتها النفسية عند تلك اللحظة الفاصلة. تقول بنبرة يكسرها بكاء صامت مخنوق:"كنتُ أنظر إلى الملابس التي قمتُ بكيّها لأخي الذي كان يريد قتلي.. دَمّرتُ حياتي وتخليتُ عن الاستقرار والحب من أجلهم، وفي النهاية ركض وراء كلامٍ كاذب، وصدّق الإشاعات عني، من دون أن يمنحني حتى حق الدفاع عن نفسي. أسوأ شعور هو أن تكتشف أنك كنت تُطعم وتخدم يد الذابح".لكن الرعب الحقيقي لم ينتهِ بانتهاء الوشاية، بل بدأ في اليوم التالي، حيث عادت الشابة لتعيش تحت سقف واحد مع "القاتل". تتقاسم معه تفاصيل الحياة اليومية، تمر بقربه في الممرات الضيقة، وتجلس معه على مائدة الطعام نفسها، وتتلقى نظراته الصامتة. تعيش في سجن نفسي مؤبَد، تنام وعينها على الباب. وعند سؤالها بمرارة: "كيف تعيشين معه بعد كل هذا؟"، أجابت بجملة تختزل حجم القهر الممنهج الذي يفرضه مجتمع متواطئ: "لقد أعطيته عذراً.. كان شخصاً عصبياً، وهو رجل على كل حال، وعندما يسمع أن أخته في علاقة حب فبالتأكيد سيثور".

توجهنا بهذه الحالة المُقْبضة إلى المختص في الطب النفسي الدكتور مصطفى حسين عبد الإبراهيمي، من كلية التربية للبنات بجامعة الكوفة، لنفهم كيف يمكن لضحية أن تبرِّر لجلادها محاولة ذبحها، فأجاب: "ما تعيشه عائدة هو تجسيد حي لاضطراب ما بعد الصدمة المُركَّب (C-PTSD)، ممزوج بآلية دفاعية مرعبة، تُعرف علمياً بـ 'التماهي مع المعتدي" (Identification with the Aggressor). عندما تنهار المنظومة الحمائية للضحية، ويتحول البيت إلى مسلخ، يُصاب الجهاز العصبي بشلل تام. لتفادي الرعب اليومي المستمر، يقوم العقل الباطن بحيلة دفاعية: يتبنى فكر الجلاد ويبرر له أفعاله. الضحية هنا لا تعذر شقيقها حباً فيه، بل تصنع لنفسها وهماً عقلانياً لتستطيع ابتلاع لقمة الطعام معه على المائدة نفسها من دون أن تموت من الخوف".

غرف "الغميضة" والممر الآمن إلى المنفى

من سكون واسط المُثقَل بالصمت، هبوطاً إلى الجنوب، حيث تكتسب الجريمة حمايةً أشد قسوة حين تتغطى بعباءة النفوذ العشائري. هناك، في إحدى قرى سوق الشيوخ بمحافظة ذي قار، لم يكن الذنب وشاية كاذبة، بل المطالبة بالحق.

بعد رحيل والديها، وجدت إيمان ابنة الثلاثين عاماً، نفسها في مواجهة أعمامها الذين بسطوا سيطرتهم الكاملة على أملاكها وحقوقها الشرعية التي تعيلها. لم تقبل بالخنوع، ورفعَت دعوى قانونية في عام 2022،  فكان الرد الفوري من العائلة: "الدم هو ثمن التمرد". واقتادها أعمامها في واضحة النهار إلى أطراف القرية، لقتلها بداعي الشرف بسبب ذهابها الى المحكمة من دون علمهم . في الطريق، كانت سيارات المارة تَعْبر، ودوريات الشرطة تمر، وصوت صراخها المستغيث يمزِّق فضاء المكان، لكن أحداً لم يتدخل. فالأعمام شيوخ معروفون ولهم سطوة تتجاوز هيبة الدولة.

عند سؤال عائدة التي أراد شقيقها ذبحها بعدما وصلته وشاية عن علاقتها برجل: "كيف تعيشين معه بعد كل هذا؟"، أجابت بجملة تختزل حجم القهر الممنهج الذي يفرضه مجتمع متواطئ: "لقد أعطيته عذراً.. كان شخصاً عصبياً، وهو رجل على كل حال، وعندما يسمع أن أخته في علاقة حب، فبالتأكيد سيثور".

يقول الاخصائي في الطب النفسي من جامعة الكوفة، حينما عرضنا عليه الواقعة، أنه "عندما تنهار المنظومة الحمائية للضحية، ويتحول البيت إلى مسلخ، يُصاب الجهاز العصبي بشلل تام. ولتفادي الرعب اليومي المستمر، يقوم العقل الباطن بحيلة دفاعية: يتبنى فكر الجلاد ويبرر له أفعاله. الضحية هنا لا تَعذُر شقيقها حباً فيه، بل تصنع لنفسها وهماً عقلانياً لتستطيع ابتلاع لقمة الطعام معه على المائدة نفسها من دون أن تموت من الخوف". 

يكشف هذا المشهد عن ظاهرة سوسيولوجية خطيرة تُعرَف بـ "إعادة التدوير الأيديولوجي للجريمة"، حيث تُستغل البنية الذكورية والرموز الأخلاقية ("الشرف" والامتثال) كقناع مبطِّن لتمرير صراعات اقتصادية وطبقية. فالمنظومة العشائرية هنا توظِّف "رأس المال الرمزي" (السمعة العائلية) لحماية "رأس المال المادي" (الأراضي والتركات)، ليُصبح اتهام المرأة في سلوكها أداة مقبولة اجتماعياً لإقصائها من الملكية وتصفية حقوقها.

 أُجِّلتْ عملية تصفية إيمان لأسباب عشائرية، ووُضِعت قيد الاحتجاز في منزل عمها وعمتها. تقول عن ذكريات حجزها: "حبسوني في الغرفة نفسها التي كنتُ ألعب فيها "الغميضة" وأنا طفلة صغيرة.. بيت عمي وعمتي الذين كانوا يدّعون حبّي، ويشترون لي الهدايا. بقيتُ لأيام أنظر في وجوههم وهم يمرون من أمامي، ولم أشعر للحظة أن ضمائرهم تؤنبهم.. لقد ماتت قرابتي لديهم عند حدود المال،  ولا زلت إلى الآن، عندما احاول فتح باب لا يَفتح اشعر بأنهيار عصبي وابدأ بالصراخ".

استطاعت إيمان الهروب من الغرفة، ولجأت مباشرة إلى مركز الشرطة، لكن الصدمة الكبرى جاءت من منصة القضاء. تروي مشهد العدالة العاجزة قائلة: "كان القاضي يعرفني ويعرف أخلاقي، ويعرف مدى نفوذ أعمامي وشرِّهم، لقد نظر إليّ وعجز عن تطبيق القانون، وبدلاً من أن يحبسهم، همس لي بنصيحة: اهربي يا ابنتي فوراً إلى العاصمة، لا مكان لكِ هنا. أرسل معي ضابطاً لتأمين طريقي، ومن هناك، وعبر كراج الناصرية-بغداد، هربتُ تاركةً وراء ظهري كل حقوقي".

في تشريحٍ هذا العجز المؤسساتي، يُوضِّح المحامي علاء الإبراهيمي، عضو الهيئة العامة لنقابة المحامين العراقيين، أن المادة (409) من قانون العقوبات، التي شُرِّعت عام 1969 متأثرةً بأعراف ذلك الزمن، صارت اليوم وسيلةً للتوسع في التفسير والاستغلال بصورة تتجاوز غايتها التشريعية. ويؤكد الإبراهيمي أن هذا النص صار في كثير من الحالات غطاءً جاهزاً للتذرع بدافع "الشرف"، في جرائم تكون دوافعها الحقيقية خلافات على الإرث، ونزاعات عائلية محضة (كما تَجسَّد تماماً في حالة إيمان)، مما يُتيح للجناة الإفلات من العقاب، أو الحصول على أحكام مخفَّفة، لا تتناسب مع جسامة فعلهم. ويرى أن إعادة النظر في هذا النص، تعديلاً أو إلغاءً، غدت ضرورة ملحة لمنع احتكار الأفراد لسلطة العقاب، ولضمان حصر الخلافات الزوجية أو العائلية في أروقة القضاء من دون اللجوء إلى العنف.

غرف بلا أبواب.. سيكولوجية الطعام المسموم والنوم المؤجل

شمالاً، نحو إقليم كردستان، تُثْبت قصة مرام، ابنة الثمانية والعشرين عاماً، أن تفكير "غسل العار" عابر للحدود والمستويات الاجتماعية. وُلدت مرام وعاشت طفولتها في إحدى الدول المجاورة، كبرت وبدأت مراهقتها في سن الخامسة عشرة كأية فتاة في بيئتها، تدرس، وتمتلك زملاء في المدرسة. لكن العائلة ظلت متمسكة بالبنية الفكرية المتوجِسة نفسها.

قررت العائلة فجأة العودة بها إلى العراق تحت غطاء زيارة، لتكتشف أن الخطة الحقيقية هي تزويجها قسراً من شخص ينتمي فكرياً إلى تنظيم متطرف، حتى "لا تنحرف خارج العراق". حاولت الهروب في ثورتها الأولى، لكنهم لحقوا بها وأعادوها إلى جحيم المنزل. تحول المنزل إلى معتقل، عُزِلت مرام، وحُبست داخل غرفتها لعام كامل تحت تهديد مستمر بالموت. لم يكن الموت هنا رصاصة طائشة، بل كان رعباً ينسلُّ إلى الأكل والنوم.

بعد رحيل والديها، وجدت إيمان ابنة الثلاثين عاماً، نفسها في مواجهة أعمامها الذين بسطوا سيطرتهم الكاملة على أملاكها وحقوقها الشرعية. لم تقبل، ورفعَت دعوى قانونية في العام 2022، فكان الرد الفوري من العائلة: "الدم هو ثمن التمرد". واقتادها أعمامها في واضحة النهار إلى أطراف القرية، لقتلها بداعي "الشرف"، بسبب ذهابها الى المحكمة من دون علمهم. في الطريق، كانت سيارات المارة تَعْبر، ودوريات الشرطة تمر، وصوت صراخها المستغيث يمزِّق فضاء المكان، لكن أحداً لم يتدخل. فالأعمام شيوخ معروفون...

استطاعت إيمان الهروب من محبسها في الغرفة، ولجأت مباشرة إلى مركز الشرطة، لكن الصدمة الكبرى جاءت من منصة القضاء. تروي مشهد العدالة العاجزة قائلة: "كان القاضي يعرفني، ويعرف مدى نفوذ أعمامي وشرِّهم. لقد نظر إليّ وعجز عن تطبيق القانون. وبدلاً من أن يحبسهم، همس لي بنصيحة: اهربي يا ابنتي فوراً إلى العاصمة، لا مكان لكِ هنا. وكلّف ضابطاً بحمايتي واصطحابي الى كراج الناصرية-بغداد.. 

تروي بكثير من الأسى كواليس هذا السجن اليومي: "كانت والدتي تدخل عليّ وتخبرني بدم بارد أنها ستقتلني وأنا نائمة، أو ستضع لي السم في الطعام. تحولتْ تجربة النوم أو تناول وجبة مع العائلة إلى عذاب يومي مرعِب. كنتُ أموت في اليوم ألف مرة خوفاً من اللقمة التي أبتلعها، أو الغفوة التي قد لا أستيقظ منها".

أُجّل قتل مرام مراراً، لأن الأم كانت تخشى "العار المزدوج" (فضيحة المحاولة، وفضيحة دخول الشرطة). مرّت السنوات، وكبرت شقيقتها الصغرى وتزوجت بمرونة من دون اضطهاد، لكن جسد مرام رفض مغادرة تلك السنة المظلمة، إذ تقول: "على الرغم من مرور السنوات، لا زلتُ مرعوبة منهم. حتى اليوم، لا أستطيع النوم وباب غرفتي مفتوح،  يجب أن يظل مغلقاً .. لقد نجت أختي، لكنني لا زلتُ مرعوبة منهم".

قتلة أحرار.. وناجيات في سجن الخوف المؤبد 

لم تكن نجاة الضحايا الثلاث صكوك أمان حقيقية، بل هي في المحصلة "نجاة مبتورة"، تضعهن أمام البرزخ الأكثر رعباً: عجز الدولة عن توفير بديل حمائي مستقل. هذا الانسداد الهيكلي هو الذي يحوِّل الناجية من ضحية تنتظر العدالة، إلى رهينة تُساق قسراً إلى التعايش مع يد الذابح تحت سقف واحد، لغياب الملاجئ والبيوت الآمنة التي تحمي جسدها من الموت المؤجل. في تعليقها على هذا الانسداد المؤسساتي والاجتماعي الذي يطوق الناجيات، تقول الناشطة الحقوقية رؤى خلف، من "شبكة النساء العراقيات":"للأسف، لا يوجد حل لهؤلاء الفتيات إلا العودة إلى العيش مع العائلة أو الشخص الذي كان يخطط لقتلهن. المادة 409 يُفترض أن تُلغى، وعليها توصيات دولية لإلغاء ما يُعرف بـ 'القتل بداعي الشرف"، فالقانون يجب ألاَّ يحمي من يَشرع بالقتل. لكن بما أن هذه التغييرات صارت "أحلاماً بعيدة المدى"، في ظل التراجع الواضح لحقوق النساء، فإننا نضغط اليوم، كأضعف الإيمان، لتوفير مساحات ومساكن آمنة رسمية وقانونية، تقدِّم الدعم القانوني والنفسي والصحي للناجيات وتحت حماية أمنية مشددة".

وتضيف خلف، واضعةً يدها على العلة الأساسية لغياب هذه الدور: "الأزمة تعود إلى غياب الإرادة السياسية، بل إن هناك خوفاً سياسياً كبيراً من أن تأخذ النساء مساحتهن، ويتم تمكينهن بالشكل الذي يحميهن من القوانين الرجعية والمتخلفة. إننا نحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى اعتراف صريح بأن هناك جرائم تُرتكَب لغرض التصفية، وأن قوانين "الشرف" الحالية هي مجرد قوانين تحمي المجرمين".

يُفتَرض أن تُلغى المادة 409 التي شُرِّعت في العام 1969، وهناك توصيات دولية لإلغاء ما يُعرف بـ'القتل بداعي الشرف". فالقانون يجب ألاَّ يَحمي من يَشرُع بالقتل. لكن بما أن هذه التغييرات صارت "أحلاماً بعيدة المدى"، في ظل التراجع الواضح لحقوق النساء، فإننا نضغط اليوم، كأضعف الإيمان، لتوفير مساحات ومساكن آمنة رسمية وقانونية، تُقدِّم الدعم القانوني والنفسي والصحي للناجيات وتحت حماية أمنية مشددة".

لم تكن نجاة الضحايا الثلاث صكوك أمان حقيقية، بل هي في المحصلة "نجاة مبتورة"، تضعهن أمام البرزخ الأكثر رعباً: عجز الدولة عن توفير بديل حمائي مستقل. هذا الانسداد الهيكلي هو الذي يحوِّل الناجية من ضحية تنتظر العدالة، إلى رهينة تُساق قسراً إلى التعايش مع يد الذابح تحت سقف واحد، لغياب الملاجئ والبيوت الآمنة التي تحمي جسدها من الموت المؤجل. 

هذا التشخيص الحقوقي يفتح الباب أمام السؤال الأخطر: أي عدالة تلك التي تفشل في حماية فتاة في عقر دارها، وتنصحها بالمنفى والهرب عبر كراجات العاصمة كفتاة الناصرية؟ إن المادة 409 وتحايل النفوذ العشائري حوّلا العائلة من مصدر أمان إلى "قاتل فاشل"، يتقاسم المائدة اليومية مع ضحيته بلا محاسبة، في ظل غياب مُطبِق لخيارات الحماية المستقلة.

أمام شهادات الضحايا وتشخيص الخبراء، يتبدى لنا المأزق الأخطر والأعمق في هذا الملف: تحوُّل العائلة من مساحة حمائية مفترضة إلى أداة تنفيذية أولى، والشرطي الحارس للمنظومة البطريركية. في هذه البيئة، تنهار قيمة "القرابة الدموية" أمام سلطة "الامتثال الجماعي"، حيث يتحول الأخ، والأم، والأعمام إلى وكلاء محليين، لمنظومة قهرية أوسع، تحرسها نصوص قانونية بالية وضغوط عشائرية نافذة.

إن بقاء الوضع الحالي يعني ببساطة تنازل الدولة عن حقها الحصري في العقاب لصالح السكاكين العائلية الخائفة من تمكين النساء. لن تتوقف جرائم من نوع "كوثر بشار"، ولن ينتهي هذا النسق الدموي، إلا عندما يُدرِك المعتدي أن دماء النساء ليست مادة للاحتفال، وأن القانون الذي شُرِّع عام 1969 لن يمنحه بعد اليوم صك الغفران لقتل امرأة طالبت بحقها، أو لإشاعة... .

______________________

  • بُدِّلت الاسماء حفاظاً على خصوصية وسلامة الشاهدات.

مقالات من العراق

تنظيم الفساد في العراق

موقع "جمار" 2026-07-09

قراءة في ما وراء حملة الاعتقالات الأخيرة التي تقودها حكومة علي الزيدي، هل تستهدف الدولة الفساد... أم تعيد تنظيمه، وما علاقة القضاء بذلك؟

للكاتب/ة