الحرب ليست أرقاماً.. لكن الخسائر الاقتصادية تقاس بالأرقام

وفق تقديرات محركات الذكاء الاصطناعي، عند إدراج كافة المعلومات لديها، فى ضوء حساب ميزان الخسائر العسكرية، فقد جاء الكيان الصهيوني في المركز الأول في تكلفتي الهجوم والدفاع، وفتح جبهات ثلاث، في إيران ولبنان وغزة، لتشير التقديرات الحسابية إلى كلفة تبلغ حوالي 60 مليار دولار.
2026-03-19

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
أقواس قزح فوق أنقاض مدينة غزة

على وقع هدير الانفجارات، تحضر الأرقام لتحكي عن معادلة الخسائر. خسائر في ميزان الإنسان بالنسبة إلى الشعوب.. و خسائر في ميزان الأموال بالنسبة إلى الأنظمة. لتبقى الأخيرة هي الأكثر تأثيراً في قرار استمرار أو وقف الحرب.

وحين يأتي هذا الهدير من فوق الحاملات الأميركية المنتشرة فى مياه الشرق الأوسط، لتُنزِل برفقة جيش الاحتلال حمم النار على أرض إيران، فإن حساب الأرقام يصبح أشد حساسية وأكثر حسماً، في ضوء قياس رد الفعل واتساع رقعته، ليشمل لبنان ودول الخليج العربي وكافة المنطقة.

هي أرقام تستحق التوقف عندها واستعراضها وإنزالها في مكانها الصحيح، ضمن سياق المعادلات والمبادئ والاستراتيجيات الحاكمة لهذه المعركة، التي لم تبدأ الآن، وإنما قبل أكثر من عامين ونيف، من غزة لحظة انطلاق الطوفان.

تكلفة الهجوم

بالتركيز على الأرقام المعلنة في الأسبوع الأول من الحرب…

فإن الولايات المتحدة قد نفذت 3000 هجوم، واستخدمت خلال اليوم الأول فقط حوالي 1200 قنبلة وصاروخ، عبر غارات شنتها حوالي 200 طائرة مقاتلة، انطلقت من 20 منصة عسكرية.

هذا فيما أفاد البنتاغون بعد اثني عشر يوماً من الحرب أن الحسابات الاقتصادية، تكشف عن أن الأيام الستة الأولى منها قد كلّفت الولايات المتحدة 11.3 مليار دولار[1].

وهو ما أوضحه مسؤولون في وزارة الحرب خلال جلسة مغلقة في الكونغرس، مشيرين إلى أن هذا التقدير لا يشمل العديد من التكاليف المرتبطة بالحشد العسكري.

وفي شىء من التفاصيل، تحدثت مصادر عسكرية أميركية للصحف عن أن هذه التكلفة في الأسبوع الأول تشمل حوالي 4 مليار دولار على بند الذخيرة المستخدمة وحده، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالمعدات الأمريكية. ويضاف إليها تكلفة تشغيل الحاملات الثلاث يومياً، التي تبلغ للحاملة الواحدة بالمتوسط ما بين 6 - 8 مليون دولار يومياً.

وقد ركزت تحقيقات عدة في الصحف نفسها على أن الجيش الأميركي هو من استهدف مدرسة "الشجرة الطيبة"، لأنه وحده من يملك صاروخ من طراز "توماهوك" الذي سقط فوقها. فكم تكلفة هذا الصاروخ ؟ حوالي 2 مليون دولار.. فكيف هي الحال بالنظر إلى عدد الغارات ؟

تحدثت مصادر عسكرية أميركية للصحف عن أن تكلفة الأسبوع الأول من الحرب تشمل حوالي 4 مليار دولار على بند الذخيرة المستخدمة وحده، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالمعدات الأمريكية. ويضاف إليها تكلفة تشغيل الحاملات الثلاث يومياً، التي تبلغ للحاملة الواحدة بالمتوسط ما بين 6 - 8 مليون دولار يومياً.

أما دولة الكيان الصهيوني، فكانت ضرباته منتقاة في إيران، بالعشرات يومياً لا بالمئات، وهو ما يتوافق مع ما أعلن عنه جيش الاحتلال في نهاية الأسبوع الأول من استهداف 200 هدف داخل إيران عبر قصف شاركت فيه حوالي 50 طائرة، ما يجعل متوسط تكلفة الهجوم الإسرائيلي على إيران لا تقل عن 2 مليار دولار في ذلك الأسبوع الأول.

وأما الحضور الرئيسي للكيان، فهو على الجبهة اللبنانية، إذ لا يقل عدد الضربات عن 1100 غارة، وهذا ما يفسر التقديرات الرسمية الإسرائيلية، التي تشير إلى تكلفة شن هجوم، على كل من لبنان وإيران في الأسبوع الأول لم تقل عن 6 مليار دولار[2].

وهو ما يفسر أيضاً اتخاذ حكومة الاحتلال قراراً برفع ميزانيتها العسكرية بحوالي 13 مليار دولار بعد أيام من بدء الحرب[3].

ويفسره أيضاً إعلان الخارجية الأميركية بشكل عاجل، ودون الحصول على موافقة الكونغرس، عن توقيع صفقة توريد جديدة لإسرائيل، بقيمة 17 ألف قنبلة جوية، من إنتاج شركة تركية بقيمة، 660 مليون دولار.

ومن الجانب الآخر؟

وفق تقديرات رسمية أيضاً، فقد تم في الأسبوع الأول من الحرب إطلاق حوالي 500 صاروخ باليستي، وحوالي 2000 مسيرة إلى أهداف أميركية، في منطقة الخليج وأهداف تابعة للكيان فوق الأرض المحتلة.

وبالنظر إلى تكلفة صناعة الصاروخ الواحد، التي تتراوح ما بين 1 و 2 مليون دولار، وتكلفة المسيرة (بين 20 و50 ألف دولار) يمكن للتكلفة الاجمالية بأن تقدر بحوالي 1.2 مليار دولار .

الحضور الرئيسي للكيان الصهيوني، هو على الجبهة اللبنانية، إذ لا يقل عدد الضربات عليها عن 1100 غارة، وهذا ما يفسر التقديرات الرسمية الإسرائيلية، التي تشير إلى أن تكلفة شن هجوم على كل من لبنان وإيران في الأسبوع الأول لم تقل عن 6 مليار دولار. 

اعلنت الخارجية الأميركية بشكل عاجل، ودون الحصول على موافقة الكونغرس، عن توقيع صفقة توريد جديدة لإسرائيل، بقيمة 17 ألف قنبلة جوية، من إنتاج شركة تركية بقيمة 660 مليون دولار.

وعلى مستوى الضربات التي يوجهها حزب الله، ووفق مرصد تابع لقوات اليونيفيل (قوات حفظ السلام في لبنان)، فقد أطلق الحزب منذ 2 آذار/ مارس الجاري، وعلى مدار أربعة أيام حوالي 200 صاروخ. وبالنظر إلى نوع الصواريخ التي يستخدمها حزب الله، وأشهرها: كاتيوشا، و فجر، وبركان، فإن متوسط تكلفة الإطلاق في الأسبوع الواحد لا تتجاوز بحد أقصى 700 ألف دولار. 

تكلفة الدفاع

بالمقابل، فعّلت دول الخليج العربي والأردن وفي داخل الكيان الصهيوني منظومات الدفاع الجوي والصاروخي فيها.

ووفق تقديرات رسمية أيضاً تتعلق بالأسبوع الأول من الحرب، فإن الإمارات تصدت لحوالي 200 صاروخ باليستي، و 1000 مسيرة، وتصدت الكويت لحوالي 100 صاروخ، و300 مسيرة، وتصدت قطر لحوالي 100 صاروخ و100 مسيرة. أما الكيان، فقد أعلن عن التصدي لأكثر من 300 هجوم إيراني وحوالي 200 هجوم من الجنوب اللبناني[4].

فكم تبلغ تكلفة التصدي الواحدة، سواء للصاروخ الباليستي أو للمسيرة ؟

من المؤكد، وفق صفقات معلنة، اعتماد دول الخليج بشكل رئيسي في منظومة دفاعها الجوي على صواريخ "باتريوت" الأمريكية. فكم تبلغ تكلفة شراء وصيانة وإطلاق الصاروخ الواحد ؟ من 2 الى 5 مليون دولار.

ويعتمد الكيان الصهيوني على منظومة دفاع متنوعة، تشمل صواريخ باتريوت الأميركية، وصواريخ داود الإسرائيلية، و منظومة القبة الحديدية. وفي ضوء ذلك، ذهبت تقديرات الإعلام الإسرائيلي، إلى أن تكلفة الصد في الليلة الواحدة لا تقل عن 1.3 مليار دولار.

وإذا كان هذا التقدير المتوسط في إسرائيل، التي تلقت حوالي 500 هجوم، فإن دول الخليج التي أعلنت عن التصدي لحوالي 1800 هجوم، كلّفت ما لا يقل عن 16 مليار دولار.

من جانبها لم تعلن وزارة الحرب الأميركية، عن نتائج التصدي للهجمات الإيرانية على الحاملات الأميركية، كما لم يتم الإعلان عن حجمها، فيما تشير المصادر الإيرانية العسكرية إلى تنفيذ عدة هجمات، تبقى محدودة فى ضوء الجبهات التي اختارت تفعيلها.

القواعد العسكرية الأميركية في منطقتنا (الخريطة عن معهد دراسات الحرب والكونغرس الاميركي)

أما التصدي في إيران، فلا إحصاءات كاملة عنه، في ظل حجم الغارات اليومية، لكن بيانات متتالية من الحرس الثوري والجيش الإيراني، أشارت إلى اعتراض حوالي 350 هدفاً جويّاً، ما يجعل التكلفة المتوقعة لا تقل عن 1.5 مليار دولار.

   أما لبنان الحبيب، فيتلقى الغارات من دون أية قدرة على الصد.

فارق التكاليف

أرقام تشرح نفسها بنفسها ويبقى رصد مدى أثرها مهمة مؤجلة…
لكن ووفق تقديرات محركات الذكاء الاصطناعي، عند إدراج كافة تلك المعلومات لديها، فى ضوء حساب ميزان الخسائر العسكرية، فقد جاء الكيان الصهيوني في المركز الأول، في تكلفتي الهجوم والدفاع، وفتح جبهات ثلاث، في إيران ولبنان وغزة، لتشير التقديرات الحسابية إلى حوالي 60 مليار دولار.

وجاءت دول الخليج العربي في المركز الثاني من منطلق "الدفاع" وحده، بتكلفة تتراوح بين 16 - 20 مليار دولار.

من المؤكد، وفق صفقات معلنة، اعتماد دول الخليج بشكل رئيسي في منظومة دفاعها الجوي على صواريخ "باتريوت" الأمريكية. وتبلغ تكلفة شراء وصيانة وإطلاق الصاروخ الواحد من 2 الى 5 مليون دولار. 

يبقى ملف إعادة الإعمار في كل من إيران ولبنان (لو وضعنا جانباً الدمار التام لقطاع غزة)، عنواناً رئيسياً عندما ستتوقف هذه الحرب، بتكلفة تتخطى كافة الأرقام السابقة، وتقدر بحوالي مئات مليارات الدولارات. أما على المستوى الإنساني، فيكفي استخدام الكلمة المفردة كمعنى، لتكون "الخسارة" تتجاوز أي وصف، مهما بلغت دقته.

أما الولايات المتحدة التي يصرح البنتاغون رسمياً عن كلفة لا تقل عن 11 مليار دولار، فإن التقديرات الحسابية تشير إلى زيادة لا تقل عن 4 - 5 مليارات فوق الرقم المعلن عنه.

وبفارق شاسع تأتي إيران في المركز الرابع، في ظل تقديرات تشير إلى أن أعلى هجوم يضم فوق المئة صاروخ في الرشقة الواحدة، لا تزيد كلفته في أقصى تقدير على 400 مليون دولار، والتكلفة الإجمالية لا تزيد على 5 مليار دولار.

وتبقى المفارقة الدالة والأكثر حضوراً هي أن تكلفة إسقاط مسيرة لا تزيد تكلفة صناعتها عن 50 ألف دولار، تتجاوز الـ 5 مليون دولار، ما يفسر بشكلٍ وآخر التصميم على هذا النوع من الاستهداف، على الرغم من نجاح تلك الأطراف في تفعيل منظومات الدفاع الجوي.

لكن، وبالطبع، فإن لغة الأرقام لا تقتصر على الخسائر العسكرية، بل تمتد منها إلى ما لا يقل فداحةً، سواء فيما يتعلق بتدمير البنية التحتية والعسكرية ومنصات الطاقة في إيران، أو إلى أثر ارتفاع أسعار الوقود والمحروقات نتيجة الاضطراب في مضيق هرمز، وهو ما قد يصب في مصلحة دول الخليج المصدِّرة لكنه بكل تأكيد لا يصب فى مصلحة كافة الدول المستورِدة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وقد دفعت الشعوب سريعاً ثمن هذا الارتفاع، فضلاً عن حجم الخسائر، بسبب اضطراب حركة التصدير، والمقدرة بحوالي 120 مليون دولار يومياً.

ويبقى ملف إعادة الإعمار في كل من إيران ولبنان (لو وضعنا جانباً الدمار التام لقطاع غزة)، عنواناً رئيسياً عند توقف هذه الحرب بتكلفة تتخطى كافة الأرقام السابقة، وتقدر بحوالي مئات مليارات الدولارات.

أما على المستوى الإنساني، فيكفي استخدام الكلمة المفردة كمعنى، لتكون "الخسارة" تتجاوز أي وصف، مهما بلغت دقته، وتناثرت من حوله أعداد الشهداء والجرحى والنازحين في كل من إيران ولبنان.

..
وبين هذا وذاك

تبقى الاستراتيجية هي الفيصل في حساب نتائج تلك الحرب، ومحاولة توقع مسارها.. لماذا نشبت؟ ولماذا ومتى وكيف ستنتهي؟

______________________

  1. تقرير صحيفة نيويورك تايمز، عن إفادات مسؤولي البنتاغون في جلسة مغلفة أمام الكونجرس عن تكلفة الحرب. https://shorturl.at/GjLYY 

  2. - تقرير المنصة الأوروبية "الدبلوماسية الحديثة" عن تكلفة الحرب على الخزانة الإسرائيلية.
    https://moderndiplomacy.eu/2026/03/04/3-billion-a-week-the-staggering-economic-cost-of-israels-iran-war

  3. - تقارير وكالة بلومبرغ الاقتصادية، عن زيادة موازنة الحرب في الأسبوع الأول 13 مليار دولار

    https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-03-10/netanyahu-s-cabinet-to-expand-budget-by-13-billion-to-fund-war

  4. - تقرير "مجلة الدفاع" الأميركية، عن كيفية عمل صواريخ ثاد وباتريوت وكلفة استخدامها في الخليج العربي.
    https://shorturl.at/qAC5S↑

مقالات من العالم

سرديات منحازة في الإعلام الغربي تموّه جرائم قتل الأطفال في غزة

صفاء عاشور 2026-02-26

كان التقليل من حجم المعاناة والمأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني أحد الاستراتيجيات المتّبعة في الإعلام الغربي، عند التطرق إلى الضحايا من الأطفال. فعلى الرغم مما رصده الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني...

للكاتب/ة

حقوق وأحقاد حول الآثار المصرية

منى سليم 2026-03-12

في مقابل التعنت والإيغال في السرقة في بلدان أوروبية وفي أمريكا، كان هناك موقف مصري رائد في جولة استرداد الآثار المصرية التي نهبتها إسرائيل، تحت اسم الكشف العلمي خلال احتلالها...

مصر… دور الوسيط في مواجهة السليط

منى سليم 2026-01-15

هل المصلحة المصرية يحكمها فقط الاحتياج الاقتصادي؟ وهل ما يؤرق الاقتصاد المصري والأمن القومي المصري هو النقص الحاد في الطاقة فقط؟ بالتأكيد لا! لكن ملفات أخرى لا تقل فداحةً، من...

المصريون والسعي المكلوم إلى غزة

منى سليم 2025-08-14

شهد انصياع مصر الكامل للقرارات الاسرائيلية، بعد سيطرة حركة حماس على القطاع في 2007، محاولات ناجحة لكسره، أولها خرق الغزيين للسلك الشائك عام 2008، وثانيها قرار الرئيس مبارك نفسه، بفتح...