اندثار لبنان

كل هذه العناصر، مجتمعة، تولّد الأزمة الحالية الطاحنة، وتتولى تغيير لبنان الذي عرفناه. ويحدث ذلك فيما الأرض اللبنانية جدباء قاحلة من كل مبادرة فكرية أو عملية تتلمس طريقاً للخلاص، وبينما الطبقة السياسية في انحطاط مذهل. وحده حزب الله يقترح خياراً: "التوجّه نحو الشرق"! فما مقدار جاذبيته؟ وما مقدار الإرغام فيه؟
2020-07-02

نهلة الشهال

رئيسة تحرير السفير العربي


شارك
عمر ابراهيم - سوريا

تعداد أسباب الانهيار الحالي الذي يعيشه لبنان قد يكون بمتناول الكثيرين، حتى لو كانوا مختلفين في التقدير. لكن تلمس المخارج هو المستعصي، مما يؤشر إلى خطورة ومصيرية ما نعيش.

في لبنان، يتضور الناس جوعاً. والذين كانوا من بينهم "مستورين" يفقدون أعمالهم، ويُخرِجون أولادهم من المدارس. والأفق مبهم أمام الجميع، عدا القلة القليلة من السرّاق والمتنفذين الذين هرّبوا أموالهم إلى الخارج، المتواطئ معهم، طمعاً ربما إن لم يكن كموقف. وقد استعيد مؤخراً (في الغارديان البريطانية، ثم في "ميديابارات" الفرنسية) تصريحٌ كان قد أدلى به عام 2009 أنطونيو ماريا كوستا، رئيس مكتب مكافحة المخدرات والجريمة في الأمم المتحدة، يؤكد أن 352 مليار دولار من أرباح الاتجار بالمخدرات دخلت إلى البنوك الأوروبية عام 2008، في عز الأزمة المالية العالمية، وقبلت بها واستوعبتها لحاجتها إلى السيولة وقتها. وكما أغمضت السلطات أعينها حينذاك وغطّت على الأمر، فإن تهريب أموال كبار المودعين من بنوك لبنان جرى بشكل مقبول منها، و"تعرفه"، وهو أمر أبسط بكثير من قصة 2008 تلك.

التدبير "السيادي" السيئ للشأن المالي في لبنان وقع بشكل مديد، وليس وليد البارحة. وربما كان المتحكم فيه هو مزيج من الفساد المهول والجهل المتين، وعليهما – وهي لعلها النقطة الأهم، أو التي تهمنا هنا - افتقاد تام لأي حس بالمسؤولية عن البلاد والعباد. فإذا كان العراق على سبيل المثال – ونحن نشرنا نصوصاً عديدة في الشأن، آخرها "جار" هذه الافتتاحية – يرتكز إلى ثرائه الفاحش بفضل مخزون النفط فيه، وبفضل إمكاناته الاقتصادية المتنوعة - حتى لو كانت معطّلة عمداً - فلبنان الصغير ومحدود الإمكانيات لا يرتكز إلا على نظامه المصرفي، بعدما جففت السلطات الخليجية مصدر رزق مهم له متمثل بالسياحة ومشتقاتها، ضغطاً وكيداً، وذلك منذ أكثر من عشر سنوات الآن، فتحول "وسط البلد" الذي بنته شركة "سوليدير"، إلى مساحة مقفرة، وأفلست فنادقه ومطاعمه ونواديه والمولات والـ"بوتيك" الذي يبيع البضائع الـ"لوكس" والتي كانت تجعل السذج يظنون أنه يضاهي باريس ونيويورك.. وهي كلها كانت موجودة لخدمة هؤلاء الأثرياء المستهلِكين بشكل فاحش، وليس لأبناء البلد أنفسهم. وقد عززت نمطاً في العيش، وقيماً شاعت حتى لدى من ليسوا معنيين بها، ولاسيما أن أغنياء البلد الجدد كانوا هم أيضاً نتاجَ خارجٍ منفلت من كل عقال، وأغلبهم صنعوا ثرواتهم من الوساطة والسمسرة في كل البضائع (سلاح، جنس، مخدرات الخ)، لدى دول خليجية وإفريقية (يعملون مع الدول الغربية "المحترمة")، أو لكونهم شركاء في احتكارات كبرى لبضائع "مشروعة" وعلى الموضة، أو مسهّلين لصفقاتٍ شتى مقابل عمولات. وهذه كلها تمر عبر أبواب السياسة، أو وبشكل أدق، السلطة، باعتبار القانون القديم ما زال ساري المفعول حتى الآن، بل هو تعزّز: السلطة هي مصدر الثروة في بلداننا...

وكان لبنان مؤهلاً للاستثمار في مجالات أخرى، وإن أقل ربحية من هذا الجنون، ولاسيما في قطاعي الصحة والتعليم. ولكن أحداً من القيمين عليه، أو من المقتدرين فيه، لم يلتفت للأمر الذي يحتاج إلى استهداف وتخطيط إراديين، لأنهم ظلوا مأخوذين بالسعي إلى استعادة النمط الذي خبروه. وهذا النقص الفادح كان واحداً من علامات إدقاع النخب القائمة، التي تفتقد إلى "الإيمان" بفكرة ما، وتفتقر للخيال والإرادة. ليسوا "ميشال شيحا"، وليسوا حتى كميل شمعون أو صائب سلام أو رشيد كرامي أو رياض الصلح أو عادل عسيران.. نعرف أسماء المعاصرين، وهم جعلونا نترحم على هؤلاء الذين كنا – نحن ثوريي السبعينات، أبناء ثوريي الأربعينات - نعاديهم، ونريد التخلص منهم باعتبارهم رجعيين ومتخلفين ومتعالين ومتسلطين واقطاع سياسي.. إلى آخر الصفات. وهذه هي العلامة الثانية على الإدقاع الحالي، حيث فقدت "النخبة البديلة" هي الأخرى، مشروعها ومعه خيالها وإرادتها، وصارت إما خرساء منكفئة، أو تكتفي بسخرية سينيكية وعبثية من كل شيء، حين لم تسعَ للالتحاق بالسادة الجدد طمعاً بمناصب ومداخيل – وهي مرغوبة منهم بحكم ثقافتها الواسعة ومهاراتها الكثيرة - طالما أن "الإيمان" ذاك، إيمانها البديل هو الآخر بمشروعٍ وقيمٍ، قد تلاشى (انحيازاً للـ"واقعية" وبفعل الهزائم؟ هل حقاً ذلك هو السبب الوحيد؟)، بل صار التخلص من بقايا ذلك الإيمان، أو من ذكراه يتطلب الإمعان في شتمه وإهانته.

لقد أمضى لبنان الناشئ في 1920 وفق حيثيات مفهومة ومعلنة، أقرب إلى الصفقة منها إلى التأسيس، نصف عمره في حال من التوازن المستقر نسبياً، وإن الرجراج بحكم طبيعة عناصر تلك الصفقة. بلور "اليسار اللبناني الجديد" نظريات وتحليلات لهذا الـ"لبنان" التقطتْ خاصياته، وقالت أنه مستنِد إلى منظومة تتجدد أزماتها بشكل متكرر، بحكم تغيّر توازنات كتل الداخل والخارج الصانع لها. وركّز على وظيفة لبنان، وعلى كونه أُنشئ بناءً على دور يُفترض به أن يؤديه، كمكان يشكل "متنفساً" مالياً وسياسياً وثقافياً ومخابراتياً لمنطقة متقلبة ومتفجرة، وهو معنى شعار "حياديته" المبهمة.. وهي أقرب إلى توازن البهلوان على حبل مشدود. وكان ذلك اليسار الجديد مبدعاً في تحليلاته تلك، التي مزجت عدة مستويات من الواقع، بخلاف اليسار التقليدي المتمثل بالحزب الشيوعي، والذي كان يكتفي بإسقاط التحليلات الطبقية المنتَجة في أوروبا على بنى وديناميات لا علاقة لها بها.

وقد عرف لبنان في الماضي لحظاتٍ من الاختلال العنيف لهذا التركيب، وهو أصلاً هش. وباختصار: في 1958، حين أراد رئيس الجمهورية آنذاك، كميل شمعون الالتحاق بمحور "حلف بغداد" الأمريكي فقامت بوجهه ثورة، ولا سيما أن الوضع كان يعتمل بأحداث جسام، كالوحدة بين مصر وسوريا، ثم ثورة 14 تموز العراقية التي قلبت نوري السعيد صديق شمعون عن الحكم. وحدث في 1969 دخول المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، بعد مجازر الأردن بحق منظمة التحرير. إلا أن هذا الدخول قُنّن كذلك (على الأقل نظرياً) باتفاق القاهرة. وبعد عبد الناصر، كان مجمل الوضع العربي قادراً على احتوائه ولو نسبياً.. إلى أن انفرط عقد هذا الاحتواء، وعاش لبنان 15 سنة من الحرب الأهلية الطاحنة، التي دمرت كل شيء. ولكن تلك السنوات كانت مترافقة مع وفرة مالية كبيرة، أولاً بفضل ما تنفقه منظمة التحرير الفلسطينية نفسها في البلاد، وثانياً بفضل المساعدات العربية والدولية الغزيرة التي كانت تصل إليه تحت مسميات شتى. كما استمر آنذاك النظام المالي والمصرفي اللبناني شغّالاً، ولم يتعرض لخضته الكبرى إلا مع خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، هي وأموالها، فقفز الدولار ألف ضعف! من معادلٍ لـ 3 ليرات لبنانية للدولار في 1982 تدرّج حتى وصل إلى ثلاثة آلاف ليرة للدولار خلال بضع سنوات قليلة!

ومذاك، تفككت المعادلة. صحيح أنه حدثت تسوية "اتفاق الطائف"، وصحيح أنه جرت المراهنة على "سلام" شامل لم يتحقق بالطبع، بينما كان "لبنان الجديد" قد فُبْرك على فرض تحققه.. بل دخلت إلى المشهد عناصر كانت كلها تدفع إلى النتيجة الحالية التي نعيشها اليوم: اغتيال رفيق الحريري، وعدد من الشخصيات السياسية والإعلامية، انسحاب القوات السورية إثر ذلك بعدما عاثت فساداً في البلاد لمدة 30 عاماً، عدوان إسرائيل الواسع على البلاد عام 2006، الذي جرى بتغطية أمريكية وخليجية مباشرة وعلنية، وفشله في تحقيق غرضه الرئيسي.. ولكن ولهذا، ولتطورات أخرى كبرى في المنطقة، اتجه حزب الله إلى اختزال علاقته بلبنان إلى اعتباره ساحة لتأكيد نفوذه ولخوض صراعاته.

... واليوم، وصلت كل هذه العناصر مجتمعة – وليس الإستراتيجيا العدوانية الأمريكية وحدها، وليس العجز الغربي عن الحماية والمساعدة وحده، وليس الحقد الخليجي المتبطّر وحده - إلى توليد الأزمة الحالية، وهي طاحنة، وتتولى تغيير لبنان الذي عرفناه. ويحدث ذلك فيما الأرض اللبنانية جدباء قاحلة من كل مبادرة فكرية أو عملية تتلمس طريقاً للخلاص (لم نرَ نصاً واحداً يفسر للناس بشكل رصين ما الذي جرى ويجري لهم، بل هي غيبوبة كاملة، وما صدر لم يتعدَ الاقتراحات التكنوقراطية الشكلية أو تلك الاخرى البلهاء!). هذا بينما الطبقة السياسية في انحطاط مذهل: كلن يعني كلنّ.

وحده حزب الله يقترح على لسان أمينه العام خياراً: "التوجّه نحو الشرق"، رداً على حرب الدولار والعقوبات والابتزاز الأمريكيين، ودرءاً للجوع الذي يتهدد البلاد..

ولكنه توجه ليس جذاباً للأغلبية العظمى من اللبنانيين، لأنه يعني تغييراً جذرياً في أنماط حياتهم، ووقوعاً في قبضة قوى لا يتمنى أحد الاقتراب منها، بل وتسعى شعوبها للتخلص من وطأتها. فلا سوريا ولا إيران نماذج يقتدى بها. ولا مصير العراق الذي تقاسمت أمريكا وإيران استباحته حتى وصل إلى الفناء، مغرٍ. ومن المرعب أن يُبتز اللبنانيون بالجوع ليرضخوا لهذا "الخيار". ومن المعيب أن يتبجح حزب الله بقوة سلاحه الذي "لا يقدر أحد على انتزاعه"، وأن يتبجح بأنه، وبيئته، لا يتأثرون بالضائقة المعيشية الطاحنة، فدولاراتهم ليست في البنوك حسب إحدى مداخلات السيد نصر الله، وهم تمام التمام.. ما يَستحضر مثالاً قريباً منا، حين راح صدام حسين يبني القصور والجوامع العملاقة ويقيم الولائم الباذخة، بينما يأكل العراقيون حشائش الطرقات. وكان ذلك هو ردّه على الحصار والعقوبات والابتزاز. وهكذا يعتبر حزب الله أنه يمكنه الاكتفاء بنفسه وببيئته، وأن آراء سائر العباد لا تعنيه، لأنه - لوحده وبالقوة - يخوض ما يراه معركة "إستراتيجية"!.

مقالات من العالم العربي

إلى أين؟ طبعاً الى جهنّم

2020-09-24

على الرغم من أن اللبنانيين صاروا يعرفون جهنم جيداً، يتوقّعونها عند كل مفترق، يعاينونها في أسعار السلع والخدمات، ويختبرون أكثر تجلياتها فجاجةً في انفجار مرفأ بيروت... إلّا أنهم يسمعونها منطوقة...

للكاتب نفسه

محنة لبنان

نصوص خمسة نشرت خلال الشهرين الماضيين تبحث في أسباب محنة لبنان، وهي محنة تدلّ على اختلال عميق وواسع، ليس كله "صناعة وطنية"، من دون إعفاء النفس من المسئولية الجسيمة..

? Requiem

... ها قد تمددتْ الأسطورة مجدداً، وعصفت النوستالجيا بمن عاش مثل تلك اللحظات، وبمن يتخيلها على حد سواء. ذلك كله هو ما يصنع بيروت، وهي تلخّصه. فينتاب المرءَ فجأة شعورٌ...