من منطقة الساحل إلى ليبيا: الحراك والأمن القومي

لم تعد الصين هي المنافس الاستراتيجي الوحيد للغربيين في أفريقيا. فروسيا وتركيا أيضاً تدافعان عن مصالحهما وتعززان حضورهما على الأرض. ولم تعد آفاق "لعبة كبرى" إفريقيّة حول الموارد الأحفورية تقتصر على منطقة إفريقيا الوسطى.. هناك رياح سيئة لا تبشر بخير تهب على العمق الجغرافي-الاستراتيجي للجزائر، ليبيا ومنطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا.
2020-06-07

عمر بن درة

خبير اقتصادي من الجزائر، عضو في Watch Algeria


شارك
| fr
الجزائر في قلب منطقة تواجه تحديات ورهانات أمنية متعددة.

شكّل تحول فيروس كوفيد-19 إلى جائحة هدنةً غير متوقعة للسلطات في الجزائر، التي تواجه حركة احتجاج شعبي واسع وشامل. يطالب الجزائريون والجزائريات بلا كلل، وبنسق مظاهرتين أسبوعيتين منذ 22 شباط/ فبراير 2019، بإنهاء الديكتاتورية العسكرية-البوليسية ("دولة مدنية ماشي عسكرية!")، وترسيخ دولة القانون والحريات العامة، وإرساء قضاء مستقل، ورحيل الشخصيات السياسية الموالية للنظام والمتهمة بالفساد وسوء الإدارة. لايزال النظام يصّم أذنيه عن هذه المطالب، ويسعى بشكل جلي جداً للعودة إلى الوضع السابق مع تطبيق بعض التغييرات الشكلية. العامل الرئيسي المجهول في هذه الظروف الوبائية يكمن كلّياً في قدرة النظام على إقناع جزء من الرأي العام، ووضع حد نهائي لحراك الشعب الجزائري.

الحراك الذي لا يمكن إخماده وممارسات النظام الاعتيادية

كان الترشح–غير المعقول - لعهدة رئاسية خامسة من قبل عبد العزيز بوتفليقة هو الشرارة التي أشعلت فتيل "الحراك" منذ أكثر من سنة بقليل. حاكم غائب منذ سنوات وشبه عاجز كلياً، بلغ الفساد في عهده مستوىً مفزعاً - عشرات مليارات الدولارات نُهبت ما بين 2003 و2018- وسط إفلات كامل من العقاب. وفي سياق أزمة اقتصادية صامتة تتخللها الفضائح، اعتبر هذا الترشح المهين القطرة التي أفاضت الكأس. فبما يتجاوز السخط والاستنكار، أدان الشعب، بصورة قطعية ونهائية، الديكتاتورية العسكرية-البوليسية التي أضعفت البلاد إلى حد كبير. اقتحام الفضاء العام، في مختلف أنحاء البلاد، بشكل سلمي، من قبل مئات آلاف وحتى ملايين المواطنين، باغت نظاماً اعتاد أن يقمع بلا شفقة احتجاجات محلية محلية وأن يئد في المهد أيّة نوايا ومحاولات للتنظم، وأن يشتري ذمم الأشخاص الذين يقفون وراءها اعتماداً على طرق أثبتت نجاعتها.

اعتقد النظام، الذي تخلخلت قواعده، أنه من الممكن تهدئة الغضب الشعبي عبر الانحناء بانتظار مرور العاصفة، وذلك بتفادي قمع المحتجين السلميين، وسجن - كقربان استرضائي- بضعة أوليغارشيين وجنرالات يكرههم الشعب ويشّهر بهم. ومن دون تقديم تنازلات جوهرية، طبّق الجنرالات استراتيجية تعوّل على "تعفن" الحراك وربح الوقت، مقدرين بلا شك أن التعب والاستنزاف سيضعفان عزيمة المحتجين في نهاية المطاف. ولكن، وعلى العكس من هذه التوقعات، وعلى الرغم من كل الظروف غير الملائمة للمتظاهرين في الشوارع (موجة حر شديد، شهر رمضان، تقلبات الطقس...)، استمر الحراك بثبات كل يومِ ثلاثاء وجمعة، في تعبئة الشباب ومن هم أكبر سناً، رجالاً ونساء، وجرى ذلك في كل أنحاء البلاد إلى حين قدوم الوباء إلى الجزائر وفرض الحجر الصحي على السكان.

الإعلان عن دستور "جديد" يهدف إلى إرساء دعائم جمهورية "جديدة" أمرٌ بعيد عن دولة القانون التي نادى بها الحراك، وهو قبل كل شيء تطبيق للممارسات الاعتيادية للديكتاتورية. السلطة تقع خارج المؤسسات، والنظام لا يحترم أبداً القواعد التي يضعها بنفسه، ولعبة الصراع على السلطة تدور داخل حلقة مغلقة بين جدران القصور بعيداً عن أعين الرأي العام.

أعلن النظام، مستغلاً الزمن المعلّق خلال الأزمة الصحية -ما بين القمع وتكميم وسائل الإعلام- عن تعديلات دستورية تهدف، حسب ما روّج، إلى تحقيق "قطيعة مع ممارسات الماضي"، مدشناً بذلك "عهداً سياسياً جديداً" لاتزال معالمه غير واضحة بالمرّة. لكن هذا الإعلان لم يلق أي صدى. فلا أحد يعتقد أنّ هناك أيّة مصداقية للناطقين باسم نظام لفظته الأغلبية، ولم يسبق له أبداً أن أظهر أي احترام للقانون. في الواقع، وباستثناء فترة الانفتاح الديمقراطي القصيرة زمن حكومة مولود حمروش الإصلاحية (أيلول/ سبتمبر 1989- حزيران/ يونيو 1991)، فإنّ الجزائر المستقلة عاشت دوماً تحت الطوق غير الشرعي لنظام تسلطي وقمعي يتجاهل كلياً الإرادة الشعبية. الدستور الأول للجمهورية الجزائرية الذي وقعت المصادقة عليه بالتزكية، في قاعة سينما في الجزائر العاصمة، في أيلول/ سبتمبر 1963 من قبل نواب غير منتخبين، ثم تمّ تعطيله إثر انقلاب العقيد بومدين في 1965، كان أول تعبير عن احتقار الإرادة الشعبية. ويتم منذ ذلك الوقت(وباستثناء دستور 1989 الذي فتح الطريق أمام التعددية الحزبية والحريات العامة) تجديد وتنقيح هذا الإطار القانوني الأساسي -الذي أصبح نصاً رمزياً محضاً. وقد شهدت الجزائر منذ استقلالها في 5 تموز/ يوليو 1962 أربعة دساتير تمّ تحويرها بشكل واسع في مرات عديدة.

تتوالى الدساتير والديكتاتورية ثابتة في مكانها

استمر هذا التقليد مع شاغل الكرسي الرئاسي الحالي، عبد المجيد تبّون، المعين من قبل الجنرالات، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، عقب انتخابات أخرى مزورة. الإعلان عن دستور "جديد" يهدف إلى إرساء دعائم جمهورية "جديدة" بعيدة جداً عن دولة القانون التي طالب بها الحراك، هو قبل كل شيء تطبيق للممارسات الاعتيادية للديكتاتورية. ما يعد نصاً مؤسساً في بلدان أخرى، هو في بلادنا مجرد قائمة جرد نوايا حسنة لا تلزم إلا الذين يريدون تصديقها. تتركز السلطة خارج المؤسسات، ولا يحترم النظام أبداً القواعد التي يضعها بنفسه. في نهاية المطاف، فإن هذه القوانين والنقاشات الشكلية جداً التي تثيرها في وسائل الإعلام الخاضعة للسيطرة ليست إلاّ حيلاً، الغاية منها تقديم صيغ قانونية تحظى بقبول الشركاء الأجانب.

منذ تنفيذ الانقلاب العسكري في 11 كانون الثاني/ يناير 1992، ووقف العملية الديمقراطية بشكل دموي من قبل قادة الجيش والمخابرات، تركزت السلطة الفعلية في حلقة ضيقة من الجنرالات يترأسون جماعات مصالح اقتصادية. وكما أمكننا ملاحظة ذلك خلال مرحلة تصفية الحسابات التي عقبت إبعاد عبد العزيز بوتفليقة، فإنّ هذه الجماعات تعمل كشبكات متعاونة من أجل إدامة سيطرتها، ولكن يحدث أن تدخل في منافسة عنيفة على ملعب النهب الاقتصادي.

طبّق الجنرالات، من دون تقديم تنازلات جوهرية، استراتيجية تُعوّل على "تعفن" الحراك وربح الوقت، مقدّرين بلا شك أن التعب والاستنزاف سيضعفان عزيمة المحتجين في نهاية المطاف.

شهدت الجزائر منذ استقلالها في 5 تموز/ يوليو 1962 أربعة دساتير تمّ تحويرها بشكل واسع في مرات عديدة. ولكن السلطة الفعلية تركزت في حلقة ضيقة من الجنرالات يترأسون جماعات مصالح اقتصادية.

مناقشة الدستور والمصادقة عليه ليست إذاً إلا مرحلة في المسار البيروقراطي الساعي إلى تثبيت قمة النظام في تشكيلتها الجديدة. ولا يعكس نص الدستور حتى توازن قوًى سياسي، فلعبة الصراع على السلطة تدور داخل حلقة مغلقة بين جدران القصور بعيداً عن أعين الرأي العام. وليس للصيغ القانونية، التي وضعها خبراء عينتهم الأجهزة الأمنية، من غاية غير اجتياز مرحلة، وإلهاء الجوقة التي ترعى مشهداً سياسياً مصطنعاً، وهي مكلفة بإدارة وتوجيه نقاش سطحي.

التدخل العسكري في الخارج : عقيدة وتابو؟

أمام غياب مقترحات مبتكرة حقيقية -إذا ما استثنينا إمكانية إحداث منصب نائب لرئيس الجمهورية، والطابع التجميلي المحض للمقولات "الديمقراطية" - فإن العنصر الذي يجلب الانتباه هو إمكانية السماح للجيش الوطني الشعبي بالتدخل العسكري خارج حدود البلاد بأمر من السلطة السياسية، وبعد تصويت أغلبية أعضاء البرلمان بالموافقة. أثار هذا المعطى الجديد اهتمام الملاحظين، حتى وإن سارع أحد المكلفين بصياغة النص إلى التقليل من أهميته وتأثيره، مقصراً التدخلات الخارجية على المشاركة في العمليات التي تقودها الأمم المتحدة فقط. لكن يبقى إدراج هذه الاحتمالية في القانون الأساسي أمراً غير مسبوق، أثار تعليقات كثيرة. أولئك الذين لا ينتظرون شيئاً من النظام، وهم الأكثرية، يشتبهون في وجود نوايا "ارتزاقية": إرسال الجيش الوطني الشعبي لفرق عسكرية إلى البلدان المجاورة -بطلب من الأوصياء الغربيين- كقوة تابعة لـ"الدرك" الاستعماري في المنطقة. آخرون، أقل ارتياباً، يعلنون بكل ثقة وتحذلق "نهاية تابو" أو "تغيير عقيدة" من قبل الجيش الجزائري.

بيد أن الجيش الجزائري لم يظهر يوماً أي عقيدة تحدد مبادئه الاستراتيجية، وكيفية تطبيقها على أرض الواقع داخل أو خارج تراب البلاد. ففي مختلف النصوص الصادرة عن الجيش والواردة في الدساتير المتعاقبة (ما عدا تلك التي نُشرت في عهد الحزب الواحد عندما كان الدور السياسي لـ"المناضلين بزي عسكري" -كما كان هواري بومدين يسمي عسكريّيه- يشمل حماية "الثورة الاشتراكية") نجد أن مهمة الجيش تتمثل -على نحو كلاسيكي جداً- في حماية الحدود والوحدة الترابية. والموقف التقليدي للدبلوماسية الجزائرية، القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى واحترام سيادتها، يتعارض مع سياسة خارجية تدخلية. وبناءً على هذا المبدأ رفضت الجزائر دائماً إرسال جنودها إلى مالي.

ليس هناك أيضاً كسر لأي تابو، حتى وإن كان الإضمار هو القاعدة صلب تنظيم يحرص على الحفاظ على جدار سميك يخفي مواقفه. تَدخّل الجيش الوطني الشعبي -منذ حزيران/ يونيو 1967- في مسارح حرب خارج البلاد في مناسبات متعددة، في الشرق الأوسط (حتى في لبنان) [1] وإفريقيا وآسيا [2]. هذه التدخلات العسكرية الخارجية متعددة الأشكال، وهي أقل ندرة مما يبدو عليه الأمر، كانت أحياناً معلومة وأحياناً أخرى غير معلنة. وكانت تندرج ضمن علاقات ثنائية، أو في إطار التعاون العربي، أو تحت إشراف الأمم المتحدة في إطار عمليات حفظ سلام متنوعة. ويجب أن نضيف لهذا حقيقة أن هذه التدخلات الخارجية للجيش الوطني الشعبي كانت إلى حد اليوم قراراً سيادياً يتخذ وفقاً للخيارات السياسية والإستراتيجية للبلاد. رفضت الجزائر أن تشارك -وهذا أمر يسجل لها- في التحالف الدولي ضد العراق في 1990، وفي عهد قريب، في المغامرات الوهابية الإجرامية في اليمن. ليس هناك إذاً تغيير حقيقي في هذا الموقف ما عدا أنه سيتم تضمينه في القانون الأساسي للنظام.

رسالة إلى جهات متعددة؟

يجب إذاً البحث عن السبب وراء هذا الإعلان في مكان آخر غير المراجعة المزعومة للتوجهات البرامجية للجيش. يرى الكثيرون أن الرسالة سياسية قبل كل شيء، وهي مؤشر على الاستفاقة الدبلوماسية للجزائر، واستعادة استقلاليتها فيما يتعلق بخياراتها السياسية في منطقة نفوذها الجيو-سياسي. يتعلق الأمر بإعادة تفعيل دور تخلت عنه الجزائر منذ أمد طويل، وخسرت بالفعل الكثير من التأثير الدبلوماسي خلال الثلاثين عاماً الماضية. وغيبت فترة حكم بوتفليقة، السخيفة والتسلطية، الجزائر عن المشهد الإقليمي تماماً. وإلى حدود عقد الثمانينات من القرن الماضي، كانت الجزائر محطة إجبارية ودولة محورية في كل التفاهمات الإقليمية الاستراتيجية، فحجمها السياسي وشبكاتها الإقليمية، وأيضاً قدراتها المختلفة على الإزعاج وإلحاق الضرر كانت أموراً تجعل منها مُحاوراً لا يمكن تخطيه. لم يعد الأمر كذلك.

تدمير ليبيا، والبعثات العسكرية الاستعمارية الجديدة في شمال مالي هي شواهد على تقهقر دبلوماسي كبير للجزائر، وعلى تجاهل واضح للمصالح الوطنية الجزائرية من قبل لاعبين فاعلين من خارج القارة. وقد أخذ تهميش البلاد منحًى شديد الفظاظة مع دعوة ألمانيا، في كانون الثاني/ يناير 2020، إلى تنظيم قمة حول ليبيا لم يطلب من الجزائر -التي لم توجّه لها دعوة في البداية- المشاركة فيها (على الرغم من حدودها التي يبلغ طولها قرابة ألف كيلومتر مع هذا البلد)، إلا في آخر لحظة وبإلحاح من تركيا... أصبحت الجزائر مجرد شريك ثانوي، بيدق فوق رقعة شطرنج تسعى القوى الدولية إلى إدماجه في مناوراتها.

منذ إطلاق المغامرات الاستعمارية الجديدة لحلف شمال الأطلسي(الناتو) ضد نظام العقيد القذافي في 2011، ولفرنسا في منطقة "الساحل" ضد "التهديد الجهادي" في 2013، صارت التخوم الجنوبية والجنوبية-الشرقية للجزائر في تماس مع مناطق رمادية، حيث تنتشر بكثرة منظمات مسلحة متمردة يحظى بعضها بدعم قوى من خارج المنطقة. الوضع الليبي هو الأكثر إثارة للقلق، فهذا البلد ذو البنى الاجتماعية-السياسية المعقدة، والذي كان في السابق مزدهراً، هو اليوم فريسة لحرب أهلية لا تلوح نهايتها في الأفق، وتتحول -عبر سلسلة من الانزلاقات المتتالية- إلى مواجهة عالمية.

وتميل هذه الحرب التي تشنّها -عبر وكلاء محليين- فرنسا وإيطاليا والإمارات العربية المتحدة وروسيا وتركيا، إلى أن تتطور إلى مواجهة مباشرة بين هؤلاء الخصوم، سيكون لها آثار مدمرة مستديمة على مجال جغرافي واسع جداً. هذا الصراع بين القوتين الليبيتين الرئيسيتين على الأرض، "حكومة الوفاق الوطني" بقيادة فائز السراج و"الجيش الوطني الليبي" بقيادة المشير خليفة حفتر، يمكن أن يفضي إلى تقسيم البلاد، وهو ما يبدو الهدف غير المعلن للقوى الغربية.

تحديد قواعد اشتباك عامة جديدة للجيش الجزائري يمكن أن يكون أيضاً رسالة إلى لاعبين إقليميين نزقين تحركهم نزعتهم الحربية، مثل المشير حفتر الذي هدد الجزائر بشكل علني، وكذلك رعاتهم ومموليهم الذين تحركهم الرغبة في توسعة نطاق الصراع، وإضعاف أطراف يمكنها أن تعرقل، قليلاً أو كثيراً، مخططاتهم. ولا تمتلك القوى الاستعمارية القديمة، التي تخشى بشكل جلي فقدان هيمنتها في مناطق نفوذها القديمة، إلا الخيارات العسكرية. لم تعد الصين هي المنافس الاستراتيجي الوحيد للغربيين في إفريقيا، فروسيا وتركيا أيضاً تدافعان على مصالحهماوتعززانحضورهما على الأرض. ولم تعد آفاق "لعبة كبرى" إفريقيّة حول الموارد الأحفورية تقتصر على منطقة إفريقيا الوسطى. هناك رياح سيئة لا تبشر بخير تهب على العمق الجغرافي-الاستراتيجي للجزائر، ليبيا ومنطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا.

تدمير ليبيا والبعثات العسكرية الاستعمارية الجديدة في شمال مالي هي شواهد على تقهقر دبلوماسي كبير للجزائر، وعلى تجاهل واضح للمصالح الوطنية الجزائرية من قبل لاعبين فاعلين من خارج القارة. وقد أخذ تهميش البلاد منحًى شديد الفظاظة مع دعوة ألمانيا، في كانون الثاني/ يناير 2020، إلى تنظيم قمة حول ليبيا لم يطلب من الجزائر المشاركة فيها إلا في آخر لحظة.

الخطر داهم. فهناك أجزاء واسعة من التراب الليبي مهملة و"مصوملة"، حسب التعبير الفصيح لخبير إفريقي. وهي يمكن أن تستغل كملاذات أو كقواعد خلفية لقوى مسلحة بعتاد قوي، ويحتمل أن يتم تحريكها ضد تونس و/أو الجزائر. من هذه الزاوية، تصبح إمكانية إرسال قوات من الجيش الوطني الشعبي في مهام وقائية استباقية - تحت غطاء القبعات الزرقاء أو غيره - منطقية تماماً...

الشعب أكبر ضامن للأمن القومي

بهذا الشكل، يمكن أن يشكل النقاش البيروقراطي جداً، حول الدستور الجديد لنظام عاجز عن الانفتاح على شعبه، فرصة لبعث رسالة إلى الذين يراهنون على الإضعاف المستمر للجزائر. ولو أن إمكانية استفاقة ديبلوماسية حقيقية تبقى مجرد أمنيات طالما ظلّ النظام معزولاً سياسياً على المستوى الداخلي. يدعم التاريخ المضطرب للبلاد ضرورة وجود جيش قوي يمتلك قدرات ردع حقيقية، وهناك إجماع لا لبس فيه حول هذه النقطة. الجزائريات والجزائريون صدحوا بهذا مراراً وتكراراً وبأشكال مختلفة منذ انطلاق الحراك قبل أكثر من سنة: هم لم يعد بإمكانهم تحمل تسلط الجنرالات الفاسدين، لكنهم ما زالوا متعلقين بجيشهم. تنديد الحراك الصريح بدور القوى الاستعمارية ووكلائها في منطقة الخليج يعبر عن الإيمان بأن الديكتاتورية، بتحالفاتهاوتفاهماتها المشبوهة، هي الحليف الموضوعي للجهات التي تبغي إعادة تشكيل المنطقة. وليس هناك شك في أن الشعب الجزائري، الذي يعي جيداً المناورات الاستعمارية الجديدة في المنطقة ويعرف عنها الكثير، لن يتسامح مع أي اعتداء. وتؤكد الحركة التي ولدت في 22 شباط/ فبراير 2019 ذلك بقوة: وحدة الشعب هي خط الدفاع الأول عن البلاد. السياسات الخارجية والأمنية تنبع من التوجهات المؤسِّسة للثورة الجزائرية وتستند على السيادة الوطنية ورفض الاستعمار ودعم نضالات التحرر. الحراك من هذا المنظور هو أيضاً استمرار لحركة التحرير الشعبية المناهضة للاستعمار.

يُظهِر التاريخ القريب أن الأنظمة الديكتاتورية هي التي توفر كل التبريرات للتدخلات الأجنبية، كما يشهد بذلك ما حدث في العراق، وفي سياق أقرب سوريا التي نجا نظامها بفضل حلفائه.

أظهر الحراك -ويمثّل علم فلسطين رمزاً قوياً لذلك- انحيازه إلى الشعوب المناضلة والمقاومة والمناهضة للإمبريالية. تعلق الشعب بمبادئ "بيان أول نوفمبر 1954" هو الضمانة السياسية الأساسية للاستقلال في سياق تفاقم التهديدات في منطقتي المغرب والساحل. ويمكن لصراعات القوى الدولية من أجل السيطرة على الموارد أن تدمر دولاً مثلما حدث في ليبيا، أو تفككها كما هو الحال في الصومال والسودان.

ويظهر التاريخ القريب أن الأنظمة الديكتاتورية هي التي توفر كل التبريرات للتدخلات الأجنبية، كما يشهد بذلك ما حدث في العراق، وفي سياق أقرب سوريا التي نجا نظامها بفضل حلفائه. هشاشة الديكتاتوريات حقيقة جلية، وتلك التي لا تستطيع التعويل على الدعم الاستراتيجي لقوة عظمى تبقى بالطبع الأكثر انكشافاً.

يجب على الجزائر، "الناجي الوحيد" من ضمن بلدان ما كان يعرف ب"جبهة الصمود والتصدي"، أن تسترجع مكانتها والدور الذي ينبغي لها في محيط جيوسياسي حساس ودقيق. والقدرة العسكرية للجزائر معتبرة ورادعة بشكل كبير، لكن فقدان نظامها للشرعية يشكل نقطة ضعفها ويعيق كثيراً سياستها الخارجية. أمن الجميع - سواء الجزائر أو جيرانها - لا يكمن فقط في قوة الأساطيل العسكرية، بل يضمنه -أولاً وقبل كل شيء- الشعب ذو السيادة والمؤسسات الشرعية المعترف بها. إعادة بناء دبلوماسية نشيطة تتحرك في إطار أهداف وطنية هو أمر ممكن، شريطة أن يحظى المكلفون بإدارتها بثقة ورضا الأغلبية. هل سيفهم الحكام الحقيقيون للبلاد هذه الواقع في آخر الأمر، ويستخلصون منه الاستنتاجات السياسية اللازمة؟ هذا هو الشرط لكي تسترجع الجزائر أخيراً الموقع الذي تستحقه في محفل الأمم.

*ترجمه من الفرنسية: محمد رامي عبد المولى

______________

1- الجزائر: نحو دسترة التدخلات العسكرية في الخارج.
2- تفاصيل حول عمليات الجيش الوطني الشعبي في الخارج.

مقالات من الجزائر

اﻷﺳﻼف يمنحوننا الصُدف السعيدة

ﺳﺒﺐ وﺟﻮدﻧﺎ ﻫﻨﺎ اﻟﯿﻮم: ﻟﻨﺪﻓﻦ، ﻓﺮدﯾﺎً وﺟﻤﺎﻋﯿﺎً، 24 رأﺳﺎً ﺑﺪون أجسادها*، "ﺑﻘﺎﯾﺎ" كما يُكتب ﻫﻨﺎ وﻫﻨﺎك. ﺑﻘﺎﯾﺎ ﻣﻦ ﻣﺎذا؟ ﺑﻘﺎﯾﺎ ﻗﺮن وﻧﺼﻒ، وبقايا ﺛﻼﺛﺔ أرﺑﺎع تاريخٍ، ﺗﻨﺘﻈﺮ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻮدﻋﺎت اﻟﻐﺒﺎر.

بعد مضي 55 عاما

2020-06-18

بادرت مجلة "نقد" بنشر هذه النصوص التي تستحضر لحظة الانقلاب العسكري في الجزائر المحررة من الاستعمار الفرنسي، والذي وقع في 1965، مكرمة من ناهضوا الانقلاب وعلى رأسهم حسين زهوان ومحمد...

للكاتب نفسه

الخداع والزيف: بوتفليقة لا يقدم ترشّحه لكنه لن يترك السلطة!

عمر بن درة 2019-03-13

ضاق المجتمع الجزائري ذرعا بهذا النظام الفاسد والخبيث والعنيف. ويعلم المواطنون تماماً أن هناك استحقاقات كبيرة في الافق نتيجة تخبط وعدم كفاءة الذين يديرون البلاد. فالسياسة الاقتصادية الفاسدة تؤدي حتما...

ماذا تبقى من اليسار في الجزائر؟

عمر بن درة 2018-11-27

تعيش الساحة السياسية وقتاً معلقاً، فلا حق للقوى السياسية بالوجود كمنظمات وحتى كخطاب. ولكن وبمواجهة ليبرالية مافيوزية فرضتها الديكتاتورية، يتمسك الأهالي بتقاليد المساواة والعدالة المتجذرة بعيداً عن القطعيات والايديولوجيات. وفي...