حتى يمر الوباء: ليس الوقت مناسباً للإخلاءات في مصر

أوقفوا الإخلاءات تحقيقاً لهدف "مصر بلا عشوائيات"، حتى لا يتشرد أشخاص جدد في الشارع، ولا تضيفوا أعباءً على أشخاص يعيشون حالة من انتظار المجهول، ويفقدون عملهم اليومي جراء الوباء العالمي. الوقت ليس مناسباً للإخلاءات.
2020-04-10

أمنية خليل

باحثة أنثروبولوجيا في شؤون العمران من مصر


شارك
عمل غرافيتي فني في إحدى عشوائيات مدينة القاهرة، من انجاز الفنان التونسي-الفرنسي "السيد".

تفصل بين الشك واليقين مساحات لأطروحات تدعونا للتفكير والتأمل فيما يطرأ حولنا من مستجدات. يتجلى الشك في أوقات مثل هذه الحالية، تبحث فيها البشرية عن طرق لمواجهة فيروس كوفيد-19... لحظة شمولية في معانيها وسياساتها، حيث نواجه خطر فيروس يقضي على حياة الآلاف. تُتوج اللحظة بغموض وتساؤلات حول المستقبل، وماذا يعني، أمام الحاضر الذي يملؤه الخوف والشك بما ستكون عليه الفترات القادمة في العالم.

أطلقت الحكومات حول العالم نداءات طلباً لمواطنيها أن يلزموا المنازل، وألاّ يخرجوا منها. الطلب يُحمّل المواطنين والمواطنات مسؤولية في التقليل من انتشار الفيروس. وما بين منتصف شهر شباط/ فبراير وأوائل شهر آذار/ مارس، أعلنت وزارة الصحة المصرية عن أولى الحالات لمصابين بالفيروس من بين جنسيات أجنبية موجودة في مصر، تلاهم في الإصابة عدد من المصريين. ثم صدرت قرارات في منتصف شهر آذار/ مارس بتعليق الدراسة في المدارس والجامعات لمدة أسبوعين مددت لأسبوعين آخرين، ثم الإعلان عن غلق المحلات التجارية في السابعة مساءً، تلاه إعلان حظر تجول تُستثنى منه بعض المهن يومياً من الساعة السابعة مساءً وحتى السادسة صباحاً.

إزالة المناطق غير الآمنة

بالتوازي، وفي مطلع عام 2020، أعلنت محافظة القاهرة عن خطتها لإزالة المناطق "غير الآمنة" (التي تُعرف بالعشوائية) في القاهرة. وتضمنت تصريحاتها إعلاناً بأنه تمت إزالة حوالي 50 في المئة من تلك المناطق عام 2019، وإسكانهم في حوالي 15 ألف وحدة سكنية. وإنه، ومن المُقرر إزالة المناطق الأخرى في عام 2020، وإعادة إسكانهم في حوالي 25 ألف وحدة سكنية ، بغاية أن تعلن الحكومة أن العاصمة خالية من العشوائيات مع نهاية العام، ضمن "استراتيجية التنمية المستدامة لمصر".

____________
من دفاتر السفير العربي
إشكاليات في مقاربة دراسة العشوائيات
____________

نظرياً، ولتنفيذ عمليات الإزالة وإعادة الإسكان، يتم أولاً حصر عدد الأسر في المنطقة المراد إخلاؤها عن طريق لجنة حكومية تمر على البيوت، وتعطي كل بيت رقماً وتسجل أسماء الأسر المقيمة، ثم على الأسر تقديم أوراق تثبت وضعهم القانوني لنوع الحيازة للوحدة السكنية، وشهادات ميلاد أطفالهم وتقارير تثبت دخولهم، وهي عمليات إجرائية تتم بتدخل من المحافظة وإدارة الحي الذي يتبع للمنطقة. ويُعطي السكان فترة زمنية لتقديم تظلّمات لإعادة النظر في أوراقهم، ثم يتم تسليم السكان وحداتهم السكنية المستحقة في مشاريع الإسكان المختلفة التي أنشأتها الدولة، كما مثلاً مشروع "تحيا مصر" "الأسمرات" بمراحله الثلاث، أو مشروع "معاً" أو "المحروسة" وغيرها، وهي المشاريع المخصصة لإعادة إسكان أهالي المناطق المُراد إزالتُها. وبعد تسليم الأهالي الوحدات السكنية، يتم هدم المنطقة التي كانوا يقيمون فيها.

وقت ودقة ليسا متاحين

تتطلب عملية الإزالة وإعادة الإسكان وقتاً ودقة، حيث هي عمليات إجرائية يتم فيها تدخل المحافظة وإدارة الحي التابعة له المنطقة، إضافة إلى القوات التنفيذية لهذا الحي، علاوة على إدارة الإسكان في المحافظة، والمختصين بالمشروع السكني الذي ينقل إليه السكان. في الشهور الماضية، وفي عمليات إعادة الإسكان وإخلاء مناطق مختلفة في حي مصر القديمة، منها "عين الحياة" و"أكشاك أبو السعود" و"عزبة المدابغ". هُدمت المنازل، وطُرد ساكنوها قبل تسليمهم الوحدات السكنية المخصصة لهم في مشاريع الدولة . وعليه انتظر الأهالي في الشوارع وفي مناطقهم المهدمة حتى تسلموا شققهم، ومن متابعة الحالات لعينة من عزبة المدابغ من خلال عملي الميداني، وجدتُ أنه تم تسليم وحدات سكنية فقط لنصف عدد السكان، ولم يستوفِ بقيتهم الشروط اللازمة لإعادة إسكانهم.

أعلنت محافظة القاهرة عن خطتها لإزالة المناطق "غير الآمنة" (التي تُعرف بالعشوائية) في القاهرة. وقالت أنه تمت إزالة حوالي 50 في المئة من تلك المناطق عام 2019، وإسكانهم في حوالي 15 ألف وحدة سكنية. وإنه، ومن المُقرر إزالة المناطق الأخرى في عام 2020، وإعادة إسكانهم في حوالي 25 ألف وحدة سكنية.

وهكذا ظل هؤلاء السكان بلا مآوي وتشرد أطفالهم. وعانت النساء في إيجاد مكان يأويهن، وتحملن ظروفاً ظالمة بفقدهن لمساكنهن. وضعت إحداهن طفلها خلال أيام قليلة بعد طردها من المنزل، وقبل تسلّم أسرتها لوحدتهم في مشروع الإسكان الاجتماعي، وإحداهن مُسنة لم تملك أي اثبات للدخل، وأصبحت غير مستحقة لوحدة، وقد ظلت بالمنطقة بعد هدمها حتى ماتت بعد أسابيع وسط الخراب. كل هذه الإجراءات تضع الأهالي في وضع انتقالي غير منصف، يحكمه الانتظار والسعي وراء إجراءات بيروقراطية في عدة مصالح حكومية. هذا بخلاف عدد من السكان الذين يفقدون مساكنهم للأبد، ولا يتم تعويضهم بوحدات سكنية، إذ تخبرهم المحافظة وإدارة الحي أن أوراقهم لا تستوفي شروط استحقاق وحدة سكنية. فيتشرد هؤلاء السكان في شوارع العاصمة، ويبدؤون اللجوء لأقارب لهم حتى يستوفوا الأوراق.. أو يصبحوا مشردين في شوارع المدينة.

مشكلات علاوة على توفير السكن

ولا يتوقف النقل وإعادة الإسكان عند هذه الصعوبات فحسب، التي تخص المأوى، لكنه يرتبط أيضاً بفرص العمل، حيث يفقد عدد من المنقولين أعمالهم بسبب تركهم لمناطق سكنهم، لاستحالة تحملهم تكاليف المواصلات اليومية من سكنهم الجديد إلى تلك الأماكن. هذا عدا الوقت والمجهود المبذولين في عمليات التنقل. وقد عانت أسر عزبة المدابغ، وأكشاك أبو السعود خصوصاً نتيجة إزالة منطقة المدابغ بالكامل التي كانوا يعملون فيها، ولم يتمكن جميعهم من العمل بالمدابغ المنقولة ل"مدينة الجلود بالروبيكي" التي تقلص حجمها. ولم يكن سهلاً وجود أعمال بديلة نتيجة سن العمال المتقدم، وافتقادهم المؤهلات للحصول على وظائف أخرى. ومن النساء، ممن تسلمن وحدات سكنية جديدة، من ظللن لشهور يبحثن عن عمل، فوجدت إحداهن عملاً كعاملة نظافة، وكانت أسعد حظاً من المئات، ممن فقدن موارد رزقهن في مختلف الأعمال غير المنتظمة.

تم تسليم وحدات سكنية فقط لنصف عدد السكان، ولم يستوفِ بقيتهم الشروط اللازمة لإعادة إسكانهم. وهكذا ظل هؤلاء السكان بلا مآوي وتشرد أطفالهم. وعانت النساء في إيجاد مكان يأويهن، وتحملن ظروفاً ظالمة بفقدهن لمساكنهن.

وعلى الرغم من حالة عدم اليقين في الحاضر والمستقبل، ونظراً للأزمة العالمية الآن جراء الوباء، والتي تتطلب أن يلتزم الأفراد منازلهم، ولتوقف العديد من الأعمال، ما يضع صحة الجميع البدنية والنفسية في محنة تربك حياتهم اليومية وتفاصيلها، فليس من الحكمة أن تجري الآن أي إخلاءات للمناطق المُقرر إخلاؤها في هذه السنة. وقد أطلق نداء من المقررة الخاصة لمفوضية الأمم المتحدة السامية للحق في السكن بأنه يجب على جميع الإخلاءات أن تتوقف تماماً في العالم. ولكن، وعلى الرغم من ذلك، فقد أعلنت محافظة القاهرة على بوابتها الالكترونية منذ أيام قليلة، وتحديداً في 29 آذار/ مارس، أن محافظ القاهرة "يجرى جولة تفقدية لمتابعة بدء إزالة المنطقة العشوائية بالوايلي" . وفي اليوم التالي، أعلن أهالي منطقة الحطابة بالخليفة، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، عن بدء لجنة الحصر لأعمالها استعداداً لإخلاء المنطقة. ووسط اعتراض السكان، ألقي القبض على عدد منهم. وفي 8 نيسان/ إبريل تم إخلاء 113عشة من محور ترعة الطوارئ بمنطقة السلام. هذا إلى جانب الأعمال المستمرة في الإخلاءات من قبل لجنة استرداد أراضي الدولة في محافظات مصر المختلفة.

هذا النص لا يتطرق الآن إلى الأسئلة المتعلقة بجدوى الإخلاءات وإشكالياتها وتأثيراتها على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية في حياة السكان، ولا يناقش الأهداف السياسية والاقتصادية من هذه الإخلاءات على المدى البعيد، لكنه يخص فقط هذه اللحظة في ظل الوباء.

إذا كان عدد الوحدات المُعلن عن إعدادها لإسكان الناس فيها في عام 2020 هي25 ألف وحدة، فهذا يعني أن الجاهزية هي لاستقبال حوالي 125 ألف نسمة. فماذا عن سواهم من الأسر الذين سوف يُلقى بهم إلى مصير مجهول لأنهم، من وجهة نظر السلطة، غير مستحقين لوحدات سكنية؟ والكلام هنا فقط عن محافظة القاهرة، وتبقى بقية محافظات مصر التي تمر بالوضع نفسه. الهدف الحكومي أن تصبح مصر بنهاية عام 2020 خالية من المناطق غير الآمنة، وعددها 192 منطقة على مستوى البلاد .

لا يتوقف النقل وإعادة الإسكان عند هذه الصعوبات فحسب، التي تخص المأوى، لكنه يرتبط أيضاً بفرص العمل، حيث يفقد عدد من المنقولين أعمالهم بسبب تركهم لمناطق سكنهم، لاستحالة تحملهم تكاليف المواصلات اليومية من سكنهم الجديد إلى تلك الأماكن. هذا عدا الوقت والمجهود المبذولين في عمليات التنقل.

ما يعنيه وصف "مناطق غير آمنة" يدخل في حيز تصنيفات تضم تهديد تلك البيوت لحياة ساكنيها. ولكن في لحظة تتهدد فيها حياتهم جراء الجائحة، فمن الأفضل لهم أن يظلوا في أوضاعهم نفسها، وفي مساكنهم نفسها، ومحاطين بالشبكات نفسها من العلاقات الاجتماعية، وألا يتم تهجير أو طرد أو إعادة إسكان أي منهم في اللحظة الراهنة.

أوقفوا الإخلاءات تحقيقاً لهدف "مصر بلا عشوائيات"، حتى لا يتشرد أشخاص جدد في الشارع، ولا تضيفوا أعباءً على أشخاص يعيشون حالة من انتظار المجهول، ويفقدون عملهم اليومي جراء الوباء العالمي. الوقت ليس مناسباً للإخلاءات.

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

عاصمة أخرى لمصر، تتلافى "25 يناير" أخرى

أمنية خليل 2018-09-06

كان مشروع جمال مبارك و"لجنة السياسات" التخلص من المجتمع وهمومه والمسؤولية عنه، والاكتفاء بما قُدّر وقتها بـ5 ملايين مصري "نافع". وهنا فلن يتمكن الناس من الوصول الى العاصمة الجديدة، ولا...