في بداية الألفية الجديدة، كانت وزارة البيئة، بالتعاون مع عدة جهات حكومية أخرى، تعمل على غرس الأشجار كرئة للعاصمة والمحافظات، إضافة لمشروع الحزام الأخضر الذي خصصت له حكومة القاهرة آلاف الأفدنة حول المدن - خاصة مدن الجيل الأول (أبرزها؛ 6 أكتوبر، والسادات، والعاشر من رمضان، و15 مايو) ليعمل كمصدات طبيعية للعواصف الرملية وخافض للحرارة والانبعاثات (بدأ تنفيذه بالفعل حول مدينة 6 أكتوبر في أطراف محافظة الجيزة في العام 1992).
ومع إطلاق "البرنامج القومي للاستخدام الآمن لمياه الصرف الصحي المعالَج في التشجير"، في تسعينيات القرن الماضي، عكست المؤشرات الدولية بعض النجاحات التي حققتها حكومة القاهرة، إذ سجلت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) معدل نمو سنوي في الغطاء الحرجي/ الشجري[1] في مصر، بلغ 3.3 في المئة، بين العامين 1990 و2000، لتتصدر مصر قارة إفريقيا بأعلى معدل زيادة سنوية، في وقت كان فيه متوسط الغطاء الحرجي للقارة يتراجع بمعدل 0.8 في المئة سنوياً.
كيف تدير القاهرة مساحاتها الخضراء؟
21-06-2024
وقد تعزز ذاك المسار بمشروع تجريبي غطّى أكثر من 4 آلاف هكتار من الأراضي الصحراوية (الهكتار يساوي 2.38 فدان بالمعيار المصري، أو ما يساوي 4.200 متر مربع)، تُوِّج بتوقيع مذكرة تفاهم في العام 2007 بين وزارة البيئة ومعهد زراعة الغابات بجامعة ميونخ التقنية[2]. وأثبتت الأبحاث آنذاك أن معدل نمو وحجم إنتاجية الأشجار الخشبية في مصر يتحقق أسرع بنحو 4.5 مرات مقارنة بألمانيا، وأن استغلال 5.5 مليار متر مكعب من مياه الصرف سنوياً (ما يعادل 10 في المئة من حصة مصر في مياه النيل) يكفي لغرس 650 ألف هكتار في الصحراء، وتخزين ما يزيد عن 25 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون. غير أن هذه الإمكانات الإيكولوجية والاستثمارية الاستثنائية سرعان ما وُئِدت في مهدها، لتبدأ الدولة ارتدادة معاكسة بدّلت ريادة الغابات بهندسة الخرسانة واقتلاع ما تبقى من فضاءات الظل.
قضية "الحزام الأخضر"
لم تكن أزمة اقتلاع الأشجار السارية حالياً وليدة اللحظة، بل بدأ التراجع التدريجي عن المخططات البيئية التي وُضِعت لحماية المدن الجديدة من التصحر والعواصف الترابية. كان مشروع الحزام الأخضر لمدينة السادس من أكتوبر وغرب القاهرة بمثابة الركيزة الأبرز لفكرة الرئة الطبيعية، إذ خُصصت له مساحات شاسعة تجاوزت آلاف الأفدنة، مع اشتراطات تخطيطية حازمة حينها تُقْصِر النشاط على الزراعة والتشجير بنسب بنائية لا تتعدى 3 في المئة فقط لخدمة النشاط الزراعي وسكن المزارع.
وتكشف وقائع التراجع عن مشروع الحزام الأخضر حول القاهرة الكبرى جذور هذه الأزمة. فبعد أن أعلنت السلطة خطتها لإحاطة العاصمة بنطاق شجري وقائي على 4 مراحل، تبددت التجربة تحت وطأة المضاربات والفساد الإداري. ففي نموذج مدينة 6 أكتوبر، تحولت الرئة التي خُصصت لحماية المدينة من منطقة زراعية يُحظر فيها البناء بنسبة تتجاوز 3 في المئة لسكن المزارعين، إلى أراضٍ تُباع بالمتر لإقامة الأبراج والمجمعات السكنية، وهي الواقعة التي شكلت إحدى كبرى قضايا الفساد بعد ثورة العام 2011، التي حُوكم فيها مسؤولو الإسكان، وهيئة المجتمعات العمرانية، ووزير داخلية مبارك، حبيب العادلي. وظلت النسبة البنائية ترتفع تدريجياً حتى ابتلع الحيز العمراني كافة أراضي الحزام بحلول العام 2017.
لم تكن أزمة اقتلاع الأشجار السارية حالياً وليدة اللحظة، بل حدث تراجع تدريجي عن المخططات البيئية التي وُضِعت لحماية المدن الجديدة من التصحر والعواصف الترابية. كان مشروع الحزام الأخضر لمدينة السادس من أكتوبر وغرب القاهرة بمثابة الركيزة الأبرز لفكرة "الرئة الطبيعية".
بعد أن أعلنت السلطة خطتها لإحاطة العاصمة بنطاق شجري وقائي على 4 مراحل، تبددت التجربة تحت وطأة المضاربات والفساد الإداري. وفي نموذج مدينة 6 أكتوبر، تحولت الرئة التي خُصِّصت لحماية المدينة من منطقة زراعية يُحظر فيها البناء لسكن المزارعين بنسبة تتجاوز 3 في المئة، إلى أراضٍ تُباع بالمتر لإقامة الأبراج والمجمعات السكنية. وهي الواقعة التي شكلت إحدى كبرى قضايا الفساد بعد ثورة العام 2011.
تزامن هذا التآكل المؤسَسي للحزام الأخضر مع نزيف أوسع نطاقاً استمر مع النظام الحالي، إذ تَكْشف بيانات الأقمار الصناعية الصادرة عن منصة مرصد الغابات العالمي، عن خسارة القاهرة لنحو 1.9 ألف هكتار من غطائها الشجري بين العامين 2001 و2025، ما أسفر عن إطلاق انبعاثات كربونية بلغت 570 ألف طن. وتُظهر المؤشرات ذاتها أن 84 في المئة من مجمل هذا الفقد الشجري يعود إلى عمليات تجريف بشري مباشِر. وتتجلى المفارقة في مصير محافظة قنا، التي قادت تجربة بيئية مشهودة في مطلع الألفية لصون الفضاء العام، حتى تُوِّجت كأنظف مدينة عربية (2004- 2006)، وقد انتهى بها الحال اليوم لتسجِّل واحداً من أدنى معدلات المسطحات الخضراء على مستوى الجمهورية، بمتوسط نصيب للفرد لا يتجاوز سنتيمترين مربعين فقط.

واليوم، يتكرر المشهد، إذ تُبرِّر السلطة إزالة الأشجار المعمرة من أحياء القاهرة التاريخية بحجة التطوير ورفع كفاءة المرور، بينما الظاهر أن الأحياء القائمة تُستباح شوارعها ومساحاتها الخضراء، لتتحول إلى محاور إسفلتية وكباري هدفها الأول ربط العاصمة القديمة بمشروع العاصمة الإدارية الجديدة، ليُضحَّى بظل العامة خدمة لتدفق سيارات النخبة.
إنهم يقتلون الأشجار: نزيف الغطاء الأخضر
تكشف بيانات جهاز الإحصاء الرسمي للعام 2017 عن وجود 1802 حديقة ومتنزه وحديقة حيوان ونباتات داخل مصر بإجمالي مساحة بلغت 5.3 ملايين متر مربع. غير أن مقارنة هذا الرقم بالمعايير الرسمية المعلنة - التي تقضي بتخصيص حديقة لكل 3000 إلى 5000 نسمة بمعدل يتراوح بين 0.8 و1.6 متر مربع للفرد - تكشف عن فجوة هائلة، إذ تحتاج مصر فعلياً إلى 120.7 مليون متر مربع، ما يعني وجود عجز يناهز 115 مليون متر مربع من الرقعة الخضراء الواجب توافرها بالمدن.
معاداة الأخضر ومجزرة الأشجار
11-07-2024
ووفقاً لبيانات منصة "أور ورلد إن داتا" ما بين العامين 2014 و2024، فإن مصر خسرت خلال هذا العقد وحده ما يقارب 405 هكتارات (نحو 964 فداناً) من غطائها الشجري، بمتوسط هدر سنوي بلغ قرابة 37 هكتاراً. وبينما شهد العام 2014 ذروة الفقد بتبديد ما يزيد عن 93 هكتاراً (أكثر من 223 فداناً)، عاود المؤشر صعوده الحاد للعامين 2023 و2024 ليتجاوز الفقد حاجز الـ 30 هكتاراً سنوياً، كاشفاً عن كلفة بيئية ثقيلة تزامنت مع التوسع غير المسبوق في شبكات الطرق والجسور.
غير أن هذا الرصد لا يروي كافة التفاصيل، فإذا كانت الأقمار الصناعية تلتقط الكتل الشجرية المتصلة التي اقتُلعت من الأحزمة الوقائية، فإن ما وثّقته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في العام 2022، يعكس المأساة داخل النسيج السكاني المباشر. ففي حي مصر الجديدة وحده الذي يضم بين شوارعه قصر الاتحادية - مركز الحكم في مصر-، ابتلعت مشروعات المحاور وتوسعة الطرق نحو 37.8 هكتار (90 فداناً) من المسطحات والأشجار التاريخية دفعة واحدة دون تقييم للأثر البيئي. فيما كشفت دراسة لـ مؤسسة "ندى" عن أن إعادة هندسة المحاور الرئيسية جرى لتغليب حركة المركبات على حساب الفضاء المشجر والترام التاريخي، فاتسع مسار السيارات في الشوارع الرئيسية على حساب الجزر الوسطى الشجرية[3]. وتكتمل ملامح هذا النزف البيئي وفقاً لدراسة حلول للسياسات البديلة، التي رصدت - وفق تقديراتها - فقدان الحي لنحو 96 فداناً من إجمالي مساحاته الخضراء، إثر اقتلاع آلاف الأشجار المعمرة وإزالة قطاعات من حديقة الميريلاند التراثية.

فيما طرح مركز الإنسان والمدينة نماذج أخرى بارزة لعمليات التجريف ومذابح الأشجار، أبرزها كورنيش حي غرب القاهرة. فقد جرى اقتلاع وإزالة ما يقارب 10.500 متر مربع من الأشجار الممتدة على الكورنيش وأراضي طرح النيل، بهدف تشييد المرحلة الأولى من مشروع "ممشى أهل مصر"، بما يضُمه من مطاعم ومقاهٍ سياحية، وأيضاً - كورنيش حي الساحل (شمال القاهرة)، إذ أزالت المشروعات ما يقارب 33.000 متر مربع من الغطاء الشجري والمسطحات النهرية في المسافة الفاصلة بين كوبري إمبابة وكوبري تحيا مصر، لصالح استكمال المرحلة الثالثة من المشروع الترفيهي ذاته. إضافة إلى تقليص مساحة حديقة الفسطاط بمصر القديمة من 250 فداناً إلى 100 فدان فقط بحلول العام 2022، إذ تعمدت السياسات إهمال أجزاء شاسعة من الحديقة لضمها إلى مشروعات استثمارية وسياحية (مشروع تلال الفسطاط، ومنطقة بحيرة عين الصيرة المحوَّلة الى مطاعم، ومحيط متحف الحضارة ودار الوثائق).
وتعزو الدراسة هذا التجريف المباشر إلى مسارين رئيسيين، تقودهما المحليات والأجهزة التنفيذية: الأول استغلال العائد المالي للأخشاب المقطوعة، كمورد دخل محلي سريع عبر توريدها لمصانع الأثاث ومكامير الفحم، والثاني التوسع الجارف في شبكات الطرق والمحاور والكباري المرورية الجديدة - خاصة في مناطق شرق وجنوب القاهرة - بهدف خلق شرايين تدفق مروري سريعة تربط العاصمة بمشروع العاصمة الإدارية الجديدة.
تَكْشف بيانات الأقمار الصناعية الصادرة عن منصة مرصد الغابات العالمي، عن خسارة القاهرة لنحو 1.9 ألف هكتار من غطائها الشجري بين العامين 2001 و2025، ما أسفر عن إطلاق انبعاثات كربونية بلغت 570 ألف طن. وتُظهر المؤشرات ذاتها أن 84 في المئة من مجمل هذا الفقد الشجري يعود إلى عمليات تجريف بشري مباشِر.
طرح مركز الإنسان والمدينة نماذج بارزة لعمليات التجريف ومذابح الأشجار، أبرزها كورنيش حي غرب القاهرة. فقد جرى اقتلاع وإزالة ما يقارب 10.500 متر مربع من الأشجار الممتدة على الكورنيش وأراضي طرح النيل، بهدف تشييد المرحلة الأولى من مشروع "ممشى أهل مصر"، بما يضُمه من مطاعم ومقاهٍ سياحية، وهو أيضاً ما حصل مع كورنيش حي الساحل (شمال القاهرة).
هذا البعد الاقتصادي هو ما فصَّلته الصحافية رانيا بدوي، إذ كشفت استناداً إلى بيانات التجارة الدولية وتتبع حركة المزادات الحكومية أن الأشجار المقتلعة تُطرح في مزادات علنية رسمية تشارك فيها شركات ومصانع إنتاج الفحم والأخشاب، كما حدث في طرح جهاز مدينة حدائق أكتوبر في العام 2022 بيع أشجار خشبية على مساحة 500 فدان، ومزايدة هيئة نظافة وتجميل القاهرة لبيع أخشاب الأشجار المقطعة في العام 2025، وبيع جهاز مدينة العاشر من رمضان أخشاباً في العام 2025 بحصيلة تجاوزت 5.4 ملايين جنيه.
لكن الأمر لم يتوقف عند حد التجارة الداخلية، إذ كشفت "بدوي" عن أن ذلك تزامن مع حركة تصديرية خارجية واسعة؛ إذ استوردت تل أبيب من القاهرة أكثر من 19 مليون كجم من الفحم الخشبي بين العامين 2022 و2024 بقيمة قاربت 15 مليون دولار، مرتفعة من نحو 5.49 ملايين كجم في العام 2022 إلى 6.06 ملايين كجم في 2023، وصولاً إلى نحو 7.92 ملايين كجم في 2024 بقيمة تقترب من 6 ملايين دولار. وتنتهي تلك الأرقام مباشرة إلى الفحم المُصدَّر، وتضع علامات استفهام كبرى حول أسباب تفضيل خيار القطع والبيع بالطن على النقل وإعادة الزراعة، وتفتح باب التساؤل والمساءلة حول مصير تلك الأخشاب، وهوية المشترين في المزادات، وحقيقة وجود مصالح تجارية وراء هذا الاستنزاف البيئي المتسارع.
طبقية الظل: الأخضر للأغنياء والإسفلت للفقراء
تكشف مذابح الأشجار عن انقسام طبقي حاد في إدارة وتوزيع الفضاء العام. فالأحياء السكنية المفتوحة تُجرَّد تدريجياً من حزامها الشجري تحت ذريعة توسعة الحارات المرورية، وتسهيل حركة التدفق السريع نحو العاصمة الإدارية الجديدة، بينما تُسوَّق "الكومباوندات" في أطراف العاصمة ببحيراتها ومساحاتها الخضراء المروية بانتظام، ليتحول الظل من منفعة عامة، وحق دستوري، إلى امتياز نخبوي في مقابل محاصرة الغالبية من السكان داخل كتل خرسانية ترتفع حرارتها سنوياً بصورة قياسية.

وتسلط دراسة مركز الإنسان والمدينة الضوء على الهوة الصارخة بين المحافظة التاريخية والمدن الجديدة التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية المستقلة بميزانياتها الخاصة. ففي القاهرة الجديدة، قفزت رقعة المسطحات الخضراء في العام 2022 إلى نحو 9,204,200 متر مربع (ما يعادل ضعف المساحة الخضراء في عموم أحياء القاهرة بأكملها). ليحصل ساكن القاهرة الجديدة (البالغ تعدادهم 685 ألفاً في العام 2022) على حصة تبلغ 13.4 متر مربع للفرد، مع استهداف رفعها لخدمة 5.6 ملايين نسمة متوقَعين بحلول العام 2030.
تعزو الدراسة هذا التجريف المباشر إلى مسارين رئيسيين، تقودهما المحليات والأجهزة التنفيذية: الأول استغلال العائد المالي للأخشاب المقطوعة، كمورد دخل محلي سريع عبر توريدها لمصانع الأثاث ومكامير الفحم، والثاني التوسع الجارف في شبكات الطرق والمحاور والكباري المرورية الجديدة - خاصة في مناطق شرق وجنوب القاهرة - بهدف خلق شرايين تدفق مروري سريعة تربط العاصمة بمشروع العاصمة الإدارية الجديدة.
لم يتوقف الأمر عند حد التجارة الداخلية، إذ كشفت الصحافية رانيا بدوي عن أن ذلك تزامن مع حركة تصديرية خارجية واسعة، إذ استوردت تل أبيب من القاهرة أكثر من 19 مليون كيلوغرام من الفحم الخشبي بين العامين 2022 و2024 بقيمة قاربت 15 مليون دولار.
وفي المقابل، لم تتعد المسطحات الخضراء القائمة في العاصمة الإدارية الجديدة، حتى آب/أغسطس 2022، مساحة 367,409 متر مربع نظراً لاستمرار الإنشاءات، إلا أن المخطط يستهدف تدشين حزام "النهر الأخضر" بطول 35 كم وعرض 120 متراً وبمساحة 1000 فدان. وتلفت الدراسة إلى مفارقة بيئية مقلقة، إذ يتطلب استيعاب 6 ملايين نسمة مستهدَفين في العاصمة الجديدة، توفير نحو 90 مليون متر مربع من المساحات الخضراء المروية، ما سيفرض استنزافاً لكميات ضخمة من المياه في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة فقر مائي حاد.
وتتجلى العدالة البيئية الغائبة بأوضح صورها في دراسة أعدها باحثون بجامعة القاهرة في العام 2019 حول تداعيات ظاهرة "الجزر الحرارية الحضرية"، إذ أثبتت أن 13 حياً من أصل 38 حياً في محافظة القاهرة باتت مصنفة تحت مخاطر مرتفعة أو مرتفعة جداً من التعرض للإجهاد الحراري والموجات الحارة. والمفارقة أن هذا الخطر يتوزع بين شريحتين متناقضتين عمرانياً: شريحة تمثل الأحياء الشعبية والتاريخية الكثيفة التي تحتضن معدلات حرمان مرتفعة وتركيزاً كبيراً للفئات الأكثر هشاشة كالأطفال دون سن الخامسة والمسنين فوق الـ65 (مثل البساتين وطرة والمقطم وحلوان وقسم أول مدينة نصر والتبين والمطرية) وشريحة أخرى تمثل المدن والتوسعات الشرقية الصحراوية حديثة النشأة ذات درجات حرارة الأسطح الفائقة (مثل بدر، والشروق، والنزهة). وتشترك هذه المناطق في افتقارها الحاد لغطاء نباتي يكفل خفض الحرارة، إذ كشفت الدراسة أن نصيب الفرد من المساحات الخضراء في العاصمة متدن بصورة صارخة، حيث يحظى أكثر من نصف السكان بأقل من 0.5 متر مربع للفرد، بينما يعيش نحو مليون مواطن بنصيب يقل عن 0.1 متر مربع للفرد.

ولم يقف الأمر عند حرمان الأحياء الشعبية والمناطق المعرضة للخطر من التشجير، بل امتد إلى تسليع ما تبقى من فضاءات عامة مفتوحة وتضييق مساحات التنزه على الطبقات الفقيرة والمتوسطة. وهو ما وثقته تقارير صحافية برصد تحول المتنفسات التاريخية المجانية إلى مساحات مدفوعة ومحاصَرة بالأنشطة التجارية. ويتجسد هذا التحول في تسوير ميدان وحديقة قصر عابدين، وفرض تذكرة دخول مصحوبة باستقطاع أجزاء واسعة لتشييد مقاهٍ ومطاعم استثمارية، وهو النهج ذاته الذي التهم حدائق العاصمة، كاقتطاع مساحات خضراء من حديقة جسر السويس لصالح مطاعم الوجبات السريعة، والتجريف الجزئي لحديقة مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط، إلى جانب استغلال المساحات الشجرية وأسفل الكباري حديثة الإنشاء في مشروعات "شارع مصر" ومواقف الانتظار والمقاهي المؤجرة. وتكشف البيانات عن عمق الأزمة الترفيهية لفقراء المدينة، إذ تم إخضاع 29 حديقة كبرى لإدارات استثمارية، مع قفزات قياسية في رسوم الدخول أخرجتْ المواقع العامة من متناول الأسر الشعبية الفقيرة، ما صادر حق الفئات الأكثر حرماناً في الاستمتاع المجاني بالفضاء المفتوح.
القانون وردود الأفعال
مثّل النهج الذي يتبعه النظام الحالي منذ العام 2014، اختراقاً لنصوص القانون والدستور المصري، إذ وحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإنه واستناداً إلى قرار وزير النقل رقم 93 لسنة 1967، وبموجب المادتين 32 و45 من الدستور المصري، الملزمِتين بحماية وتنمية المساحات الخضراء، فإن الأشجار المزروعة داخل الشوارع أموال عامة خاضعة لحماية مشددة. وقد أوجبت المادة 19 من قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 ولائحته التنفيذية، تقديم دراسة وافية لتقييم الأثر البيئي قبل الشروع في أي مشروع قد يؤثر على التوازن الإيكولوجي.
تتجلى العدالة البيئية الغائبة بأوضح صورها في دراسة أعدها باحثون بجامعة القاهرة في العام 2019 حول تداعيات ظاهرة "الجزر الحرارية الحضرية"، إذ أثبتت أن 13 حياً من أصل 38 حياً في محافظة القاهرة باتت مصنفة تحت مخاطر مرتفعة أو مرتفعة جداً من التعرض للإجهاد الحراري والموجات الحارة.
لم يستسلم المواطنون أو الناشطون في المجتمع المدني لذلك النهج، إذ ولَّدت موجة التجريف نوعاً من الحراك الأهلي. ففي أحياء مثل: مصر الجديدة والمعادي والزمالك، انخرط السكان في حملات توثيقية ميدانية شملت تصوير الأشجار المعمرة، ووضع لافتات تعريفية بأعمارها وأنواعها التاريخية، وإطلاق عرائض توقيعات إلكترونية وميدانية لوقف اقتلاعها. وامتد هذا الحراك ليفرز مبادرات مجتمعية مثل "شجرّها" وحملات ترقيم الأشجار لحمايتها. فيما تحرك المحامون لإقامة دعاوى قضائية لوقف نزيف الأشجار. ومؤخراً، قدم محامون بلاغاً للنائب العام، للمطالبة بفتح تحقيقات عاجلة ضد المسؤولين عن مذابح الأشجار في كافة المحافظات.
يأتي ذلك تزامناً مع اعتماد أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر بالإجماع قرار استضافة مصر للدورة الـ18 لمؤتمر الأطراف، والمقرر عقدها في العام 2028، في الوقت الذي وجه فيه رئيس الجمهورية ببدء "تخضير القاهرة"، وحصر إي مساحات تم إخلاؤها لتحويلها لمتنزهات وحدائق عامة!!
يبدو أن السؤال الذي طرحته مبادرات الألفية لم يعد: "كيف نزرع رئة تحمينا حتى الكِبر؟"، بل: "كيف نحمي ما تبقى من شجر وظل أمام زحف الإسفلت؟". تقف محاور الطرق السريعة اليوم في مواجهة حراك مجتمعي يحاول بكل الطرق وقف مذابح الأشجار، لتبقى مدينتنا معلقة بين مسارين: إما عاصمة تُفاوِض على خضرتها ومستقبل أجيالها، أو فضاء حي يَسترد فيه البسطاء حقهم البديهي في ظل شجرة مجاني.
- يُعنى بالغطاء الحرجي للمدن: المساحة الإجمالية للأرض المغطاة بأوراق الأشجار وأغصانها وفروعها عند النظر إليها من الأعلى (مثل صور الأقمار الصناعية) داخل بيئة المدينة. للمزيد من المعلومات: Forest Cover - an overview | ScienceDirect Topics ↑
- جاء المشروع بشراكة بحثية مع جامعتي عين شمس والإسكندرية ومركز البحوث الزراعية وحكومة ولاية بافاريا الألمانية وهيئة (DAAD). للإطلاع على مزيد من التفاصيل: https://webarchiv.it.ls.tum.de// ↑
- حسب دراسة "مؤسسة ندى"، فقد اتسع مسار السيارات في شوارع رئيسية مثل: الأهرام من 20 إلى 30 متراً بالتوازي مع تقليص الجزيرة الوسطى من 14 متراً إلى 4 أمتار فقط، بينما شهد شارع أبو بكر الصديق تمدداً خرسانياً واسعاً لتبلغ حارات السيارات 55 متراً بدلاً من 29 متراً بعد انكماش جزيرته الوسطى الشجرية من 30 متراً إلى 4 أمتار خرسانية. ↑






