إعداد وتحرير: صباح جلّول
تدور أحاديث في مراكز السياسة الدولية وأروقة الحكام: "دونالد ترامب يحاول تدمير منظمة الأمم المتحدة وإنشاء أمم متحدة خاصة به". الفكرة السخيفة ليست أولى ولا آخر ثورات الرئيس الأميركي على النظام العالمي القائم – بكلّ علّاته وظلُماته. دافعه ليس إصلاح هذا النظام، بالطبع، وإنما إقامة آخَر، أكثر اعتلالاً وإظلاماً – عالمٌ يكون هو امبراطوره المطلَق.
يقول جميع "حلفائه" هذا بصوت خافت، ويزداد الانزعاج من شخصية الرئيس - "الوَلَد الكبير" حِدّة - دون أن يجرؤ على إيقافه أحد. في منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس، بدا أن غزّة نقطة انطلاق بالغة الأهمية بالنسبة لمخطط ترامب الفالِت مِن عقاله.
علامات العصر الجديد
08-01-2026
هناك وقف صهر ترامب، جاريد كوشنر، يوم 22 كانون الثاني/ يناير، متحدّثاً بثقة وحبورعن خطة لتحويل غزة إلى مسخٍ سمّاه "نيو-غزّة"، إلى "مدينة ذكية"، تشغِّلها مراكز تكنولوجيا (إسرائيلية؟)، وتحاكي "مبادئ السوق الحرة على الطريقة الأميركية".
"بيزنس" في غزّة
عمل فريق كوشنر على نماذج صور بائسة، ثلاثية الأبعاد، من شأنها إبهار المتلقّين. لا يفسح عرضهم للخيال مجالاً، يقول كوشنر لنا: هذه صورة لناطحات السحاب الكثيرة التي ستصطفّ على امتداد الشاطئ الغزّي (ضامِنة ألّا ترى العيون البحر)، وتلك المناطق التجارية الفخمة، وهذه المنتجعات السياحية الباذخة...
يلقي أمام الحضور والكاميرات أفظع الجمل وأوقح المقترحات وأكثر الأفكار فاشية براحة وهدوء، كأنها مجرد سلسلة من الأفكار "الجيّدة" التي خطرت له وللرئيس في جلسة سمَر، فيقول بالحرف: "كما تعلَمون، فإن اتفاقات السلام مختلفة عن اتفاقات "البيزنِس". السلام بحاجة لتغيير في العقليّة. هذا ما نودّ أن نفعله في غزّة". لا يرفّ له جفنٌ حين يقولها، ويتابع: "نودّ أن نأتي بهذه العقلية نفسها (ما يسميه مبادئ السوق الحرة الأميركية)، المقارَبة نفسها، إلى غزّة. نريد أن نعطي هؤلاء الناس القدرة على الازدهار والحياة".
كوشنر مخلوق لا يقلّ غرابةً عن حماه، فهو الآخر لا يعرف العيب والخجل. يجد المستمِع إلى كلامه، الذي يغلّفه بلغة اقتصادية هشة، مواضع تكشف اضطراباً عميقاً في ذهنية عمل هؤلاء. "في البدء، فكّرنا بمنطقة حرّة، ومنطقة محكومة من حماس"، يقول، "ثمّ قلنا، تعرفون ماذا، لنحضّر لسيناريو نجاحٍ كارثي، توقّع فيه حماس اتفاقاً ينصّ على نزع سلاحها، وهذا ما سنفرضه بالفعل".
غزة 2026
02-01-2026
هل مرّت على أحدِنا عبارة "نجاح كارثي" (Catastrophic success)من قبل؟ مذهلة القدرة الكلامية لدى معسكر ترامب على تتفيه الجرائم، حيث التطهير العرقي هو "تنظيف" وهدم ما تبقى من غزة هو "مسح وتمهيد الأرضية للبناء"، واحتلال قطاع كامل بمدنه وبلداته وناسه هو "نجاح كارثي"...


"نيو-غزة" و"نيو- رفح"... المسخ الذي يقترحه كوشنر هو استعمار صريح، لا يُبقي من ملامح غزة شيئاً.
يخطط كوشنر للبدء برفح: إزالة الركام، ثمّ هدم ممنهج، ثم امتداد إلى باقي غزّة، في خطة يدّعي أنها قابلة للتنفيذ خلال "سنتين إلى ثلاثة". ادعاءٌ أثار ضحك وسخرية بعض الحاضرين في دافوس، لا لناحية الإطار الزمني فقط، ولكن لناحية واقعية وجدوى الخطة بأكملها، التي تقدر كلفتها باستثمارات تصل إلى 25 مليار دولار أميركي.
"مجلس السلام".. الترامبي
في هذه الأثناء، كان ترامب يضغط على دول عدة لتوقيع ميثاق ما سمّاه "مجلس السلام" (هل يكون نواة أمم متحدة بديلة خاصة بترامب؟)، الذي يفترض أن يُعنى بمرحلة الإعمار وإدارة غزة، على أن ينفذ خطته عبر جدول زمني من ستّ مراحل، محدِّداً مناطق "سياحية على طول الساحل، وخطة لبناء 180 برجاً (!) متعدد الاستخدامات. ثمّ هناك أحياء سكنية (مَن يسكنها؟)، ومناطق صناعية تضمّ مراكز جمع وحفظ البيانات (طبعاً بتكنولوجيا الاحتلال)، ومرافق صناعية.
يضم "مجلس السلام" الذي اقترحه ترامب قادة مصر وإسرائيل وتركيا، إلى جانب عدد من قادة العالم ورجال الأعمال. وقد دعى ترامب بنيامين نتنياهو للانضمام للمجلس، وقبل ذلك (هنا نضحك ونبكي)، دعا إلى المجلس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيما لا يضمّ المجلس أي فلسطيني (ولا ينبغي له).
هذا طرف الجنون فقط، فترامب أعلن أنه يعتزم رئاسة المجلس "مدى الحياة"، وأن على الدول دفع رسم مليار دولار عن كل دولة للحصول على العضوية الدائمة. دفعت شروط الانضمام وشكل المجلس ومقاربة ترامب لعمله عدة دول لعدم قبول الدعوة للانضمام، منها فرنسا والنرويج، في حين لم تؤكد دول عديدة مشاركتها.
مشروع "طلوع الشمس": طمس كلّ غزّة
في الواقع، تحدّث كوشنر غير مرة منذ العام 2025 عن مشروع إدارة غزة وتحويلها إلى "مدينة تكنولوجية"، تحت مشروع عنونه (Project Sunrise) أو مشروع "طلوع الشمس".
في مقابلات مع قناتي الجزيرة وبي-بي-سي عربية، قال الدكتور محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية، إنّ ترامب يعمَد إلى تكرار عبارة أن "شيئاً رائعاً سيحدث في الشرق الأوسط" وأن "شاطئ غزّة رائع" ويعد بأموال واستثمارات مذهلة. غير أن الرؤية الأميركية الحاليّة تعود جوهرياً إلى فكرة "السلام الاقتصادي" التي نظّر لها كوشنر، فطرح منذ سنوات تخصيص 50 مليار دولار بعنوان "التنمية"، لحلّ المسألة الفلسطينية، عبر "تذويبها في مشاريع اقتصادية كبيرة"، لا تفيد الفلسطينيين فعلياً، إنما تفيد المحتل الإسرائيلي وتخنق أي فرص للتحرر.
خطة كوشنر هذه، التي يؤكد أنها تبدأ فقط بعد نزع السلاح بالكامل من غزة، تتوقع أن يتجاوز متوسط دخل الأسرة السنوي 13 ألف دولار فقط بحلول عام 2035، وتعد الغزّيين بمئات آلاف الوظائف.. في قطاع البناء. غزّة التي أصرّ شبابها وشاباتها على إكمال تعلّمهم في عزّ الإبادة الإسرائيلية، والتي يطمح فيها الشباب لأعلى الدرجات العلمية والمهنية، مطلوب من شبابها الآن أن يكونوا مجرد يدٍ عامِلة رخيصة لبناء أبراج هؤلاء المجانين الفارهة، ولطمسِ كلّ ملامح مدينتهم وقطاعهم الحبيب، من أجل السيّاح والمحتلّين!
رأينا مثلَ هذا من قبل
في أيار/ مايو 2023، أي قبل بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة بشهور قليلة، وفي الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة، صدر تحقيق مفصّل أجرته لجنة من أهالي قرية الطنطورة الفلسطينية بالتعاون مع مركز "عدالة" الحقوقي، ومؤسسة "فورنسيك أركيتكتشر" (Forensic Architecture). على مدى عام ونصف العام، جُمعت المعلومات وتحليلات الخرائط والصور الجوية لِما قبل وبعد احتلال القرية. استمعت اللجنة كذلك إلى العديد من الشهادات التي كانت أساسية في مقارنة المعطيات.
على أساس هذه الأبحاث، خلص التقرير إلى تحديد موقع أربع مقابر جماعية في الطنطورة، القرية التي أخذها المستوطنون بعد أن قتلوا مئات من أهلها عام 1948. فوق تلك المقابر الجماعية التي حددها التقرير، يمتد الآن منتجع سياحي إسرائيلي، وفي موقع آخر يعلوها موقف سيارات، ومساحة إسمنتية فوق مقبرة القرية القديمة التي أضيفت إليها مقبرة جماعية بعد المجزرة. ومِن ردم القرية وبقاياها، أخذت حجارُ لبناء أسوار ودور للمستوطنة الجديدة.
حتى أيار/ مايو 2023، لم يكن واضحاً أين دُفِن الفلسطينيون الذين قُتلوا بوحشية في المجازر الإسرائيلية في قرية الطنطورة. تَطلّب جمع الأدلة وأخذ الشهادات ومقارنة الأوصاف دهراً من العمل الدؤوب.
في غزة، شهدنا الإبادة بالوقت الحيّ والبثّ المباشر، ومع مئات آلاف الأدلة، وتبقى مواقع دفن كثيرين مجهولة. والآن، نشهد سعياً حثيثاً إلى إخفاء الدليل على جريمة العصر الأفظع، بل إلى إخفاء غزّة بكاملها، وابتلاعها أميركياً-إسرائياً. ومهما بلغت خطة ترامب من بلاهة ظاهرية، إلا أنها بلاهة مخيفة، تفاهةُ شرٍّ من نوع آخر.
حين كان كوشنر يقدّم مقترحه في دافوس، كان جلّ الفلسطينيين في غزة يصارعون يوماً آخر، يحرق ساعات عمرهم بين خيمة تحتاج تثبيتاً، ومطرٍ يتوجّب اتّقاؤه، وخسارةٍ تتطلّب لملمة، وسعيٍ لا يقف لتأمين قوت اليوم وحاجات الأولاد والدواء والماء والأمان...
هل سنتفرّج بعيون مفتوحة ممنوعٍ عليها أن ترمش أمام المقتلة المستمرّة؟



