في العام 1924، أعلن عن أول انتخابات برلمانية في تاريخ مصر، ليترشح إسماعيل صدقي باشا - الذي كان وزيراً في حكومة عبد الخالق ثروت، قبل أن تستقيل في العام 1922- لكنه أخفق في أن يستحوذ على عضوية البرلمان، بعد أن فاز في دائرته مرشح حزب الوفد نجيب الغرابلي. لم يرق الأمر له، فقرر في العام التالي، وبعد أن صار وزيراً للداخلية، أن يسعى إلى حل البرلمان الوليد، بوصفه قائماً على "انتخابات غير حرة" - بحسب وصفه في كتابه "مذكراتي"-، إذ اختير سعد زغلول وقائمته الوفدية زعيماً للأمة، ليصدر قرار حل المجلس يوم افتتاحه! [1]
مزج أول
في كانون الأول / ديسمبر من العام 2010، تظاهر مئات من المصريين أمام مبنى دار القضاء العالي وسط العاصمة القاهرة، احتجاجاً على ما وصفوه بتزوير الانتخابات البرلمانية لمصلحة الحزب الوطني الحاكم. لكن الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، نفى ذلك، حاصراً ما حدث بأنه "مجرد انتهاكات من بعض المرشحين في بعض الدوائر، للسيطرة على أصوات الناخبين باستعمال المال". الانتخابات التي أجريت قبل ذلك بشهر واحد، شهدت مقتل ثلاثة مواطنين وإصابة العشرات، إثر اشتباكات بالأسلحة من "بلطجية النظام"، وقد انسحب منها المرشح حينئذٍ عن دائرة الحامول بمحافظة كفر الشيخ، حمدين صباحي؛ ما أدى إلى قطع مئات من المواطنين الطريق الساحلي، فيما احتجت جماعة الإخوان المسلمين لخسارتها مقاعدها الـ88 داخل المجلس.
مزج ثان
في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات، عن إبطال وإلغاء نتائج 19 دائرة انتخابية، في سبع محافظات من محافظات المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب، على المقاعد الفردية (الغرفة الأولى للبرلمان المصري، أما الغرفة الثانية فهي مجلس الشيوخ)، وتحديد موعد آخر لإجرائها [2]. جاء ذلك بعد يوم واحد من صدور بيان على الصفحة الرسمية لرئيس الجمهورية على "فيسبوك"، يوجه فيه الهيئة إلى ضرورة اتخاذ ما يلزم من إجراءات، وتسيير الطعون التي تقدم بها مرشحون حول انتهاكات في بعض الدوائر، لتعلن الهيئة في اليوم التالي عن موقفها المؤيد لقرار الإلغاء، بسبب رصد انتهاكات، على الرغم من نفيها في أيام سابقة وجود انتهاكات.
وقد أعلنت اللجنة – أيضاً - عن فوز القائمة الوطنية من أجل مصر (القائمة الوحيدة التي تقدمت للانتخابات بنظام القوائم، وتضم 12 حزباً وتجمعاً موالياً للسلطة في أغلبها)، في قطاع غرب الدلتا بتجاوزها النسبة القانونية، بحصولها على 18.9 في المئة، ما يمثل مليون و671 ألفاً و626 صوتاً من إجمالي من يحق لهم التصويت، البالغ 9 ملايين و239 ألفاً و101 ناخب، إضافة إلى حصولها على النسبة القانونية بنسبة 20.33 في المئة، بإجمالي 5 ملايين و295 ألفاً و927 في دائرة قطاع شمال ووسط وجنوب الصعيد، والتي يحق فيها التصويت لـ 26 مليوناً و40 ألفاً و821 ناخباً.
يحلل سيد أبو العلا – وهو محامي حقوقي قائلاً إن النفوذ والمال السياسي هما الركيزة التي بُني عليها نظام الانتخابات في مصر منذ نشأة أول برلمان. ويعدد عدة مظاهر وأشكال من استغلال النفوذ والمال السياسي تاريخياً. إذ يُسهم النفوذ والمال السياسي في تزوير الانتخابات عبر مسارين: الأول يسبق عملية الاقتراع ويتمثل في تزييف إرادة الناخبين. والثاني يؤثر في صندوق الاقتراع نفسه عبر تغيير أصوات الناخبين.
المشاهد الثلاثة بين انتخابات الأعوام 1924 و2010 و2025، متفرقة، لكن تجمعها شبهات تدور حول نزاهتها، وقد مثلّت محطات فارقة في تاريخ السياسة المصرية: فالأولى كانت افتتاحية انتخابات المجلس، وبإرادة شعبية ناجحة، لكن "صدقي" ورجال القصر، قرروا دحضها، أما الثانية مع قرب انتهاء العام 2010، التي تم فيها تزوير كامل لصالح الحزب الوطني المنحل، فقد كانت من أبرز الأسباب التي مهدت لقيام ثورة العام 2011. بينما الانتخابات البرلمانية التي أجريت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، فشابها فساد مالي ظاهر- بحسب شهادات من مرشحين ومواطنين وشكاوى رسمية - ما استدعى تدخُلّاً سياديّاً لتحسين الصورة، عبر إعادة الانتخاب في19 دائرة، في المرحلة الأولى من الانتخابات. فيما صدر حكم قضائي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، قضى بإلغاء نتائج الانتخابات في 29 دائرة إضافية، ليصل عدد الدوائر المُلغاة إلى 48 من إجمالي 70 دائرة جرت فيها انتخابات المرحلة الأولى، ما يمثل حوالي 70 في المئة من الدوائر لتلك المرحلة.
كل تلك التقاطعات أسهمت في إبراز الصورة الكاملة لتاريخ يربو على الـ 102 عاماً من الانتخابات النيابية، لكنه مشوّه بفعل الفساد والمال السياسي والتزوير، الذي هندس أسسه الأولى إسماعيل صدقي باشا. فماذا حدث في الانتخابات البرلمانية المصرية عبر تاريخها؟
تاريخ من المال السياسي والتزوير
لم يكن المال السياسي غائباً عن غالبية الاستحقاقات الانتخابية، التي جرت في مصر خلال العقود الأربعة الماضية. لكن ومنذ العام 2015، ظهر شكل آخر لتوظيف المال مقابل عضوية البرلمان، يتمثل في دفع مسبق لجهات في السلطة، مقابل الترشح ضمن قائمة مغلقة تضم كافة أحزاب الموالاة، وعدداً محدوداً من المعارضين المألوفين. وتحظى تلك القائمة بدعم أمني وسياسي وإعلامي واسع. وبحسب تقارير صحافية، فإن بعض السياسيين الذين شاركوا في مشاورات تشكيل القوائم الانتخابية وتنسيق الدوائر الفردية، كشفوا عن أن الحصول على عضوية البرلمان بغرفتيه، صار يتطلب مساهمات مالية تُدفع لصالح صندوق تحيا مصر، مشيرين إلى أن المرشح في قائمة مجلس الشيوخ، يسدد ما يقارب 30 مليون جنيه مصري، بينما ترتفع القيمة إلى 70 مليون جنيه للمرشح ضمن قائمة مجلس النواب، في حين يدفع المُعيّنون من قبل رئيس الجمهورية حوالي 50 مليون جنيه. ما يعني أن الأمر تحول إلى اقتصاد لقوائم مُهَندس فوزها مسبقاً. في الوقت الذي تحدد فيه المادة 25 من قانون مباشرة الحقوق السياسية، سقف الإنفاق على الدعاية الانتخابية لكل مرشح في النظام الفردي، بحوالي 500 ألف جنيه، و200 ألف جنيه في مرحلة الإعادة. والمرشحون على القائمة المخصص لها 15 مقعداً ب2 مليون و 500 ألف جنيه، ومليون جنيه في مرحلة الإعادة. ويزاد السقفان المشار إليهما إلى ثلاثة أمثال، للقائمة المخصص لها (45) مقعداً.
بعد سقوط نظام حكم الإخوان، اتخذ المال السياسي دوراً أكثر فجاجة، لأنه لم يعد يستهدف الناخبين، الذين صاروا صفراً في المعادلة الانتخابية، بل استهدف شراء العضوية في البرلمان مباشرة، عبر دفع الملايين للجهة المُرشِّحة (سواء قائمة أو فردي) التي تضمن عدداً من المقاعد باتفاق مسبق مع الأجهزة التي تدير الانتخابات فعلياً. ما جعل الانتخابات أقرب إلى التعيين منها إلى الانتخاب، وأفقد المواطنين ثقتهم في العملية برمتها. وتأتي عملية شراء الحضور بالمال لتُكمِل المشهد الشكلي ولحشد أي عدد من الناخبين لضرورات الصورة الإعلامية.
وبحسب ما وثقته تقارير صحافية، فإن الطريق إلى برلمان 2025 صار يُدار من قبل الأجهزة الأمنية بشكل مباشر، إذ يتم التوظيف السياسي لقيادات من خلفيات عسكرية وأمنية سابقة في الصفوف الأمامية للأحزاب الموالية، كما تتدخل الأجهزة مباشرة في اختيار المرشحين، وتأمين تمويلهم. وعلى الرغم من ذلك، تحولت معركة الانتخابات النيابية إلى معركة من نوع آخر، وصراع بين أجنحة متصارعة داخل الجهاز الأمني (صراع بين مرشحي الأمن الوطني وجهاز الاستخبارات) على حجز المقاعد البرلمانية. في الوقت الذي كانت فيه الأصوات المعارِضة أو المستقلة تُحَارب لمنعها من طباعة منشور أو إقامة مؤتمر، كان مرشحو المال يستخدمون سيلاً لا يتوقف من الأموال لتأمين كتلة تصويتية ضخمة، مدفوعين بالاعتقاد بأن الاستثمار في المقعد النيابي سيُدر عليهم أضعاف ما دفعوه، من خلال النفوذ والتسهيلات الحكومية.
____________
من دفاتر السفير العربي
كيف تشتغل الدولة المصرية؟
____________
يحلل سيد أبو العلا - محامي حقوقي - في مقابلته معنا، المشهد، قائلاً إن النفوذ والمال السياسي هما الركيزة التي بُني عليها نظام الانتخابات في مصر منذ نشأة أول برلمان. وانطلاقاً من عمله كباحث في التاريخ السياسي الاجتماعي والنظم القانونية، ومراقِب للانتخابات التي شهدتها مصر بين عامي 2005 و2025، يعدد مظاهر وأشكال استغلال النفوذ والمال السياسي تاريخياً. إذ يُسهم النفوذ والمال السياسي في تزوير الانتخابات عبر مسارين: الأول يسبق عملية الاقتراع ويتمثل في تزييف إرادة الناخبين. والثاني يؤثر في صندوق الاقتراع نفسه عبر تغيير أصوات الناخبين. وبحسب وصفه، وُجِد المال السياسي عبر العصور لكن بأشكال مختلفة وأهمية متباينة. ففي العصر الملكي، كان غالبية المرشحين من كبار الملاك الزراعيين. لكن المال السياسي كان شرطاً للترشح، إذ به تُشتَرى الألقاب كـ "الباشوية أو البكوية"، وتُكتسب الشهرة بين أهل الدائرة. ولهذا، لم يحصل على عضوية البرلمان في تلك المرحلة سوى الباشوات والبهوات والعمد وكبار الملاك الزراعيين. أما بعد العام 1952، مثّل النفوذ السياسي العامل الأكبر تأثيراً في الانتخابات، فالفوز يتطلب أن يكون المرشح أحد ضباط الثورة، أو وزيراً أو عضواً مهماً في التنظيم السياسي التابع للسلطة. وفي عصر مبارك، تعددت صور النفوذ السياسي، ومنها العضوية في الحزب الحاكم، "الحزب الوطني"، وأُضيف إليها النفوذ الديني متمثلاً في العضوية في جماعة الإخوان المسلمين، التي لم تكن محظورة بعد، كما برز النفوذ العائلي أو القبلي. وقد ظهر دور أكبر في هذه المرحلة للمال السياسي الذي استخدمته كافة القوى السياسية، مع اختلاف صوره وتأثيره المباشر في الصندوق (كان مرشحو الحزب الوطني يشترون الأصوات بالمقابل المالي، عبر ما يُعرف بـ "البطاقة الدوارة". واستخدمه مرشحو الإخوان بصورة أقل عبر توزيع السلع الاستهلاكية من خلال جمعياتهم الخيرية). فيما برز دور المال السياسي في قوة الدعاية وانتشارها، وتحديداً بين العامين 2011 و2013. أما بعد سقوط نظام حكم الإخوان، فقد اتخذ المال السياسي دوراً أكثر فجاجة، لأنه لم يعد يستهدف الناخبين، الذين صاروا صفراً في المعادلة الانتخابية، بل استهدف شراء العضوية في البرلمان مباشرة، عبر دفع الملايين للجهة المُرشِّحة (سواء قائمة أو فردي) التي تضمن عدداً من المقاعد باتفاق مسبق مع الأجهزة التي تدير الانتخابات فعلياً. ما جعل الانتخابات أقرب إلى التعيين منها إلى الانتخاب، وأفقد المواطنين ثقتهم في العملية برمتها. وتأتي عملية شراء الحضور بالمال لتُكمِل المشهد الشكلي ولحشد أي عدد من الناخبين لضرورات الصورة الإعلامية.

ويربط الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي، أشرف راضي، في مقابلته معنا، ظاهرة المال السياسي بفساد النظام الانتخابي. إذ يقول:"إن اعتراف القيادة السياسية بوجود مخالفات انتخابية، وإنْ جاء عبر تصريحات ارتجالية ونصائح للناخبين، يؤكد إحساساً بتهديد يلوح في الأفق. لقد انتقل خطر المال السياسي من مجرد شراء الأصوات إلى مرحلة أخطر هي شراء المقاعد نفسها. كما أشارت بعض الوقائع المُعلَنة إلى طلب مبالغ طائلة للترشح على القائمة الوطنية. وصار التبرع للأحزاب شرطاً للترشح على قائمة تضمن الفوز، وذلك دليل على استشراء الفساد السياسي، الذي يمكّن أصحاب الأموال، من شغل منصب تشريعي خطير"، مؤكداً أن النهج الذي يمارس في الفترة الحالية هو استمرار لملامح المباركية من دون حكم مبارك، وفي جوهرها ثلاثة ملامح رئيسية، تُبقي على الفساد السياسي: السيطرة المطلقة للأجهزة الأمنية على الشأن السياسي العام، في غياب كامل للرقابة والشفافية. تركيز السلطة في يد التنفيذية وإحكام السيطرة على السلطتين التشريعية والقضائية عبر التشريعات. زواج السلطة مع رأس المال، أو ما يُعرَف بـ "المجمع الأمني المالي"، الذي أفرز أقلية مترفة تتحكم في مصائر الأغلبية المنهكة.
ويعلق أنه - من المحتمل - وبعد إدراك خطورة المال السياسي، أن تكون القيادة السياسية تدخلت، خوفاً من أن يؤثر هذا على خططها المستقبلية، وعلى الأخص السيناريو المتوقع بأن تكون المهمة الرئيسية للمجلس المقبل، هي تمرير تعديل دستوري يسمح للرئيس بالبقاء في منصبه إلى ما بعد العام 2030. متسائلاً: "ما الذي يزعج الرئيس في نواب اشتروا مقاعدهم، وقد يكونون أكثر استعداداً للتصويت لصالح التعديل؟"، ويحيل ذلك إلى احتمالية وجود مصادر خارجية، لتمويل حملات بعض المرشحين أو تمكينهم من شراء المقاعد، بهدف خلق ركائز أجنبية، للتأثير على قرارات مجلس النواب التشريعية والرقابية.
المواطنون غاضبون والانتخابات تكتمل
بناء على رصد مكثّف لتعليقات المواطنين حول العملية الانتخابية على صفحات منصة "فيسبوك"، وخاصة الصفحة الرسمية للهيئة العامة للانتخابات، تُظهِر التعليقات حالة من الغضب والإحباط الشديدين بين شريحة كبيرة من الناخبين، وتُركِّز على تجاوزات صريحة في العملية الانتخابية، وأخرى تتعلق بـسوء التنظيم والإدارة. وقد سيطرت اتهامات الفساد والتجاوزات الصريحة على المشهد، مقترنة بفشل إجرائي في إدارة وتنظيم العملية. ويُمثِّل "المال السياسي" الاتجاه الأبرز والأكثر تكراراً (هناك أيضاً شهادات متكررة وفيديوهات موثقة على السوشيال ميديا لتفاصيل ضخ المال السياسي)، إذ تفجرت اتهامات مباشِرة وموثقة بـ"شراء الأصوات وتوزيع الرشاوى في الشارع" داخل بؤر انتخابية متوترة في محافظات رئيسة. وذهبت التعليقات إلى ما هو أبعد من مجرد الانتقاد، إذ ارتفعت أصوات تطالب بـ"إلغاء الانتخابات" بشكل كلي أو في دوائر محددة. وتضمنت الملاحظات شكاوى من "البلطجة والمخالفات"، وتوجيه الناخبين إلى مرشحين بعينهم، وصولاً إلى منع صحافيين من التغطية، ما يثير تساؤلات جدية عن الشفافية وحرية التعبير.
يربط الكاتب والباحث في علم الاجتماع السياسي، أشرف راضي ظاهرة المال السياسي بفساد النظام الانتخابي. إذ يقول:"إن اعتراف القيادة السياسية بوجود مخالفات انتخابية، وإنْ جاء عبر تصريحات ارتجالية ونصائح للناخبين، يؤكد إحساساً بتهديد يلوح في الأفق. لقد انتقل خطر المال السياسي من مجرد شراء الأصوات إلى مرحلة أخطر هي شراء المقاعد نفسها. كما أشارت بعض الوقائع المُعلَنة إلى طلب مبالغ طائلة للترشح على القائمة الوطنية. وصار التبرع للأحزاب شرطاً للترشح على قائمة تضمن الفوز، وذلك دليل على استشراء الفساد السياسي، الذي يمكّن أصحاب الأموال، من شغل منصب تشريعي خطير".
اصدرت عشر منظمات حقوقية مصرية بياناً، أكدت فيه أن التدخل المباشِر وغير المسبوق للرئيس، عبر مطالبة الهيئة الوطنية للانتخابات بالتحقيق، وإلغاء النتائج إذا لزم الأمر - يُفرِّغ العملية الانتخابية من شرعيتها، ويبرهِن على انعدام استقلالية الهيئة وخضوعها للإرادة الرئاسية. وأن هذا التدخل المفاجئ لا يعكس تحولاً إلى النزاهة، بل يؤكد أن الانتخابات لا تزال مرهونة بمصالح السلطة والأجهزة الأمنية، في سياق يُغلَق فيه المجال العام، وتتم فيه هندسة القوائم واستبعاد المعارِضين، ما يجعل البرلمان مجرد مؤسسة شكلية.
من ناحية أخرى، رصد التحليل اتجاهاً ثانياً، يُركِّز على سوء التنظيم والإدارة للعملية الانتخابية، ما فاقم من حالة الإحباط الشعبي وتسبب في حرمان الآلاف من حقهم الدستوري. وتصدَّرت شكاوى "التكدس الشديد والازدحام الهائل" المشهد، في مناطق ذات كثافة تصويتية عالية، بسبب انخفاض عدد اللجان والصناديق مقارنة بالكتل التصويتية. وتفاقمت الأزمة بشكاوى من "تعمد تعطيل اللجان"، أو قيام بعض المستشارين بـ"غلق باب اللجنة".
وقد تصدرت شهادات من مرشحين/ات، مثل مونيكا مجدي - مرشحة عن دائرة شبرا وروض الفرج بالقاهرة - التي انتقدت فوز المرشح المنافس الموالي للسلطة، إذ رصدت على مدار اليوم الأول لانتخابات المرحلة الثانية نقاط توزيع الرشاوى الانتخابية والحشد للمواطنين، وقالت إن مرشح المال السياسي فاز من خلال الاستعانة بالخارجين عن القانون والترويع والمال السياسي المتدفق، مشككة في حصوله على 18 ألف صوت انتخابي في الدائرة، من خلال رصدها لحركة تدفق الناخبين. إضافة إلى ذلك، فقد تعرضت هي وأسرتها وأعضاء حملتها إلى حالة من العنف والترويع والسرقة، ما أدى إلى محاولتها تقديم محضر رسمي، لكنهم احتُجِزوا داخل مركز الشرطة مدة 12 ساعة، من دون تحرك من الجهات المختصة. فيما احتُجز المرشح طلعت خليل - نائب برلماني سابق والمتحدث باسم الحركة المدنية - وشقيقته، في أحد مقار اللجان الانتخابية في محافظة السويس، بإيعاز من مسؤول اللجنة الانتخابية الذي رفض اعتراضه على سير الانتخابات - بحسب وصفه في مقطع مصور على صفحته الرسمية على فيسبوك - وتطور الأمر إلى احتجازهما من قبل الشرطة، وعرضهما على جهات التحقيق، مشيراً إلى استمرار النقل الجماعي، وعمليات شراء الأصوات، واستغلال الفئات الأكثر احتياجاً.
في هذا السياق، يقول المحامي والسياسي محمد أبو الديار، في مقابلته معنا، إنه قد مُنِع من خوض غمار الانتخابات البرلمانية عن عمد، وقد تمثّل هذا المنع في حذف اسمه من قاعدة بيانات الناخبين بقرار سياسي مقصود، يُعزى إلى شعبيته في دائرته الانتخابية، مدللاً على أن هذا الإقصاء كان انتقائياً وسياسياً، إذ لم يُحذف اسمه من قاعدة بيانات الناخبين طوال فترة عام كامل، قضاها في السجن على إثر قضية "التوكيلات الشعبية"، التي اتُهِم فيها المرشح الرئاسي السابق أحمد الطنطاوي وأنصاره. أما عن الانتخابات بشكل عام، فيرى أن التزوير لم يقتصر على الصناديق فحسب، بل إن الخلل يكمن في القوانين المنظِّمة: يبدأ التزوير في القوانين التي تحكم العملية الانتخابية (كقانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون تقسيم الدوائر الانتخابية)، ويمتد ليشمل طريقة تقييم واختيار أعضاء الهيئة الوطنية للانتخابات وطريقة ممارستها لدورها. ويتضمن عدم إتاحة الفرصة للأحزاب السياسية للمنافسة الحقيقية والوصول الفعلي للناخبين، وعدم توفير الحرية للمواطنين في العمل السياسي، من دون تضييق أو ترهيب، فضلاً عن التخوفات الأمنية السائدة، انتهاءً بتشكيل وعي الناخبين، وتهيئة الوضع الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، بما لا يحرر إرادتهم من أي عبث أو سيطرة خارجية.
وكانت عشر منظمات حقوقية مصرية قد أصدرت بياناً، أكدت فيه أن التدخل المباشِر وغير المسبوق للرئيس، عبر مطالبة الهيئة الوطنية للانتخابات بالتحقيق، وإلغاء النتائج إذا لزم الأمر - يُفرِّغ العملية الانتخابية من شرعيتها، ويبرهِن على انعدام استقلالية الهيئة وخضوعها للإرادة الرئاسية. وأن هذا التدخل المفاجئ لا يعكس تحولاً إلى النزاهة، بل يؤكد أن الانتخابات لا تزال مرهونة بمصالح السلطة والأجهزة الأمنية، في سياق يُغلَق فيه المجال العام، وتتم فيه هندسة القوائم واستبعاد المعارِضين، ما يجعل البرلمان مجرد مؤسسة شكلية.
ويبدو أن الدورة الانتخابية الجارية في مصر قد أتمت حلقة كاملة، بدأت بمحاولات جنينية للسيطرة على الصندوق في مطلع القرن الماضي تحت ذريعة أن "الشعب المصري غير مؤهل للديمقراطية"، وانتهت بتحويل المقعد النيابي إلى "سلعة استثمارية" باهظة الثمن في القرن الحالي. وبينما تنجح السلطة كل مرة في هندسة مشهد برلماني "آمن" سياسياً وفق حساباتها، إلا أنها تخسر تدريجياً الجدوى الفعلية للبرلمان كأداة للرقابة والتشريع، وتعمِّق من حالة الاغتراب السياسي لدى المواطنين. ليبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن لبرلمان "مُهندَس بالمال" أن يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية تعصف بالأغلبية، التي لم تجد مكاناً في اقتصاديات القوائم؟ وهل يشرع البرلمان المقبل، في تعديل دستوري، يقضي بمدة إضافية للرئيس الحالي؟
- يصف الكاتب صلاح عيسى في كتابه "حكايات من دفتر الوطن" تفكير إسماعيل صدقي باشا - الذي صار فيما بعد رئيساً لوزراء مصر- بأنه عمل على حل البرلمان المنتخب في العام 1925، بعد إقالة حكومة سعد زغلول، إثر حادثة مقتل السير لي ستاك، وفوز الوفديين بأغلبية مقاعد البرلمان مرة ثانية، لأنه رأى أن "الشعب لا يحسن الاختيار، وأنه لا يستحق الديمقراطية، وأنه زحام من الكائنات الوقحة". ليعزز بذلك أول تقاليد تزوير الانتخابات المصرية، بل وأجبر المواطنين، خاصة من المشردين والمسجونين والخفراء والفلاحين، على الخروج في مواكب تأييد. وتجاوز الأمر ذلك إلى أن أمر بعقاب قرية "إخطاب"، إحدى قرى وسط الدلتا بأكملها، لأن مواطنيها رفضوا استقبال حكومة الانقلاب الدستوري. للإطلاع على المزيد حول تلك الوقائع، يرجى مطالعة: إسماعيل صدقى.. عدوّ الشعب وفيلسوف «البراجماتية» السياسية | الهيئة الوطنية للإعلام. ↑
- أجريت انتخابات المرحلة الأولى من مجلس النواب، في 14 محافظة، بين 1281 مرشحاً، بالنظام الفردي في 70 دائرة انتخابية، في 5606 لجنة فرعية يحق فيها التصويت لـ35 مليون ناخب. ↑






