علامات العصر الجديد

ربطاً بما حدث ويحدث في فنزويلا والعالَم، نضيف الى هذه الافتتاحية السابقة المنشورة بعنوان "العبودية الجديدة"، ما قد يفسر سياق الحدث واللحظة: لحظة الفجاجة التامة في ممارسة سياسات النهب المباشِر من رأسماليي الكوكب ومستعمِريه... المصحوب دوماً بالعنف الدموي.
2026-01-08

نهلة الشهال

أستاذة وباحثة في علم الاجتماع السياسي، رئيسة تحرير "السفير العربي"


شارك
نعيم إسماعيل - سوريا

لم تولد فجأة هذه الحال التي تعيشها البشرية اليوم في كافة الميادين، السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والفكرية. لم تولد مع الحرب الإبادية على غزة، الدائرة منذ أكثر من عامين بوحشية نادرة. تراكَم رويداً رويداً، وخلال عقود، التحوّل إلى هذا العالم الجديد، الذي يبسط اليوم جناحيه. كان الماضي يحمل بذاره، ولكنها كانت مقنَّعة، أو كانت تعيش إلى جانبها آمال وأحلام أخرى، مؤمنة بالرخاء والتقدم والمساواة... ثم جاءت غزة لتكون العلامة التامة على المرحلة التاريخية الجديدة في مسار البشرية.

مقالات ذات صلة

تتصرّف الولايات المتحدة الأميركية كسيّدة على هذا العالم الجديد، الذي يولَد أمام أعيننا المذهولة، تماماً كما تصرفت حثالات أوروبا من المجرمين واللصوص والقتلة، الذين تخلّص منهم أسيادهم – واستخدموهم – في غزو العوالم الجديدة ونهبها واستعبادها: في الأمريكيتين، وفي أفريقيا، وفي جنوب شرق آسيا، وفي أستراليا... كانوا رعاعاً يُؤطِّرهم السادة والقادة العسكريون، وتمنحهم السلطات الدينية بركاتها...

وكما كان العام 1492 – و"اكتشاف أمريكا" - منعطفاً في تاريخ العالم، أسس للنظام الرأسمالي كما عرفناه خلال خمسة قرون، فإن ما يجري اليوم في غزة (وبعدها في كل فلسطين، وبعدها في المنطقة المحيطة بفلسطين - انظروا خرائط المجرم نتنياهو)، هو منعطف، ولحظة قطيعة مع كل ما اعتدنا عليه.

حرب الإبادة في غزة (المستمرة اليوم)، هي عنوان افتتاحي للعصر الجديد، لرأسمالية غير إنتاجية، ريعية ونهّابة فحسب، تُعنى بأقلية قليلة من البشر، فيما ترى الآخرين فائضين عن الحاجة.. وهذا التحوّل يُفسّر انحطاط أحزاب البرجوازية التقليدية في الغرب كله، وابتذالها الكبير، وفراغها من أي معنى، وغياب أية شخصية قيادية من بين صفوفها، بحيث أن قادتها الذين يتبوؤن مناصب في السلطة، يبدون مبتذَلين، وأقرب إلى المهرِّجين. وفي هذا الصدد أيضاً، يمكن إدراج المماحكات حول المناخ الذي يَستكمل ترديه بفعل سلوك المتنفِذين وجشعهم، مع أنه يهدد وجود الحياة على الأرض، كما إهمال الصحة العامة وشيوع الغش الصريح في مؤسساتها، وكما الانحدار المتعاظِم في التعليم... وهذه بعض ملامح هذا العصر الجديد.

ما حدث في فنزويلا وما يمارسه رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب كلّ يوم من تصريحات يُقرّ فيها برغبته "بالاستحواذ والاستثمار" في أماكن مختلفة من العالم، من شواطئ غزة إلى فنزويلا وكوبا في أميركا الجنوبية، وصولاً حتى إلى غرينلاند في الدانمارك (لأهميتها الاستراتيجية في نظره!)، وهي جميعاً انعكاسات واضحة تؤكد ملامح هذا العصر المرعب.

يوجد في فنزويلا أكثر من النفط. يوجد معادن نادرة، منها مثلاً أكبر مناجم الليثيوم (وهو معدن نادر وركيزة من ركائز التكنولوجيا الحديثة، ويدخل في صناعات شتّى). قالتها لورا ريتشاردسون، تلك الضابطة التي تحمل نجوماً اربعة على كتفيها، وهي القائد العام السابق للقيادة المركزية الأمريكية: "لا نهتم بالديمقراطية بل بتلك الثروات".

من المعيب أن رئيس فنزويلا أهمل هذا الجانب بعد أن أوصلته الثورة البوليفارية الى السلطة، أهمل رفاه شعبه الذي كان ممكناً تحقيقه، واهتم هو وزوجته بنفسيهما: لا يكفي أن يرتدي الكوفية الفلسطينية! لا يمكن الجمع بين هكذا متناقضات، و"الرقص على الحبلين"، لأن العدو الذي أمامنا شرس الى حدود فظيعة! الكوفيه الفلسطينية رمز لقيم أثبتت جدارتها في الميدان، ومادورو لم يعد ينتمي فعلياً اليها.
هذا لا يلغي بشاعة بل فظاعة ما ارتكبه ترامب والأمريكان، ولكنه يضيء على بعض الوقائع.

للكاتب/ة

حوار مع نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

في الحوار مع «الفيصل» تكشف الشهال عن مسار طويل من الالتزام الفكري والسياسي، يمتد من تجربة اليسار الجديد في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى تأسيس منصة «السفير العربي» التي صارت...

صون شعاع الأمل المتجدِّد

هذا صراع عنيف وشرس، لم يتوقف يوماً، منذ فجر التاريخ وإلى اليوم. ينتصر الخير أحياناً، وينتكس في أحايين أخرى، وينهزم مرات. وحين ينتصر، يُصاب البشر بالنشوة، وحين ينهزم يهبطون إلى...

العبودية الجديدة

لم تولد بشكل مفاجئ هذه الحال، التي تعيشها البشرية اليوم في كافة الميادين، السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والفكرية. لم تولد مع الحرب الإبادية على غزة، الدائرة منذ عامين بوحشية نادرة....