على طريق الحج إلى القدس : يوم في طرابلس الشام ربيع 1900

"هبّ نسيم خفيف مباشرة من الشاطئ. ولكن من أين تأتي هذه الرائحة اللطيفة؟ ربما - ظننتُ - أن أحد الحجاج اشترى زيت الورد في أزمير وسكبه عن طريق الخطأ على سطح السفينة... سرت على السطح وأنا أنظر نحو الشاطئ. في الأفق المبيضّ، بدأ القمر يتحول تدريجياً إلى الشحوب. لكن الرائحة صارت تنتشر في الهواء أكثر فأكثر. تشبه رائحة زهر البرتقال. ثم خطرت ببالي فكرة، إنها رائحة رائعة آتية من الشاطئ..."
2024-05-23

عماد الدين رائف

كاتب وصحافي من لبنان


شارك
المدرسة المسكوبية للبنات في الميناء

كان الكاتب الروسي إيفان بافلوفيتش يوفاشيف (1860-1940)، من بين ثوريي حركة "إرادة الشعب" المناهضة للحكم القيصري، إلا أنه قدّم مراجعة علنية لأفكاره، وتحول جذرياً ليغدو كاتباً روحياً، وقد ترك عدة مجلدات من المذكرات حول أسفاره المختلفة. جاءت مذكراته[1] عن المشرق في كتاب "الحج إلى القبر المقدس في فلسطين: مقالات عن رحلة إلى القسطنطينية وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين ومصر واليونان". والكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات الصحافية عن الحج الأرثوذكسي إلى فلسطين، كتبها يوفاتشيف، عن رحلته إلى القدس ربيع العام 1900.

بعد عودته إلى روسيا، لم تتح له الفرصة لنشرها، لأنه كان مشغولاً بالعمل في آسيا الوسطى. وفي العام 1902، بعدما أصبح عضو هيئة تحرير دورية "إستوريتشيسكي فيستنيك" (البشير التاريخي)، تمكّن من نشر قسم منها في الأعداد السبعة الأخيرة من العام نفسه. وعلى الرغم من أن المقالات تتضمن انتقادات واضحة لجوانب من عمل روسيا في المشرق وبعض التجاوزات اليونانية، إلا أن يوفاتشيف رغب في أن يُصْدرها في كتاب، فكان عليه أن ينتظر الإذن من الكنيسة، وحصل عليه في 10 آذار/ مارس 1904. زوَّده مساعد رئيس "الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية" نيقولاي ميلفيتش أنيتشكوف (1844-1916) بـ 126 صورة ورسماً توضيحياً، ليضمنها في الكتاب الذي صدر كملحق مجاني لمجلة "استراحة المسيحي" الشهرية في العام نفسه.

إيفان بافلوفيتش يوفاشيف (1860-1940)

في ميناء أوديسا على البحر الأسود، يحتشد آلاف الحجاج الروس لاستلام جوازات السفر والبطاقات المخصصة للنزول في الموانئ المختلفة على طول المسار البحري نحو يافا. من هناك، ينطلق يوفاتشيف في الأول من آذار/ مارس 1900، عبر البحر الأسود نحو القسطنطينية (إسطنبول)، ثم إلى سميرنا (أزمير)، لتكون محطته الأولى على الشاطئ السوري في طرابلس الشام. ومما كتبه عنها في 16 آذار/ مارس 1900:

ضفاف سوريا

حلمي الذي طال أمده، يتحقق: إنني أقترب من سوريا، وجبال لبنان، والأرض المقدسة... وفي المساء، علمتُ أن السفينة ستقترب من طرابلس في الصباح، ولذلك سارعت إلى النوم مبكراً لكي أستيقظ فجراً وأستقبل الأرض التي طالما رغبت في الوصول إليها. لكن، إما بسبب ضيق المقصورة، أو للإثارة العاطفية، لم أستطع النوم، وصعدت إلى سطح السفينة في الساعة الرابعة فجراً. كان الظلام لا يزال مخيماً. إلى الشرق، مباشرة أمام قوس الباخرة، كان القمر الساطع يرسل شريطاً ضوئياً إلى الشاطئ بالكاد تُمْكن ملاحظته. كان قوس فضيّ رقيق جميل يحد الدائرة المظلمة المرئية أمامنا. وكان الحجاج في أماكن مختلفة على السطح ينامون بسلام في مجموعات كثيفة. هبّ نسيم خفيف مباشرة من الشاطئ. ولكن من أين تأتي هذه الرائحة اللطيفة؟ ربما - ظننتُ - أن أحد الحجاج اشترى زيت الورد في أزمير وسكبه عن طريق الخطأ على سطح السفينة... سرت على السطح وأنا أنظر نحو الشاطئ. في الأفق المبيضّ، بدأ القمر يتحول تدريجياً إلى الشحوب. لكن الرائحة صارت تنتشر في الهواء أكثر فأكثر. تشبه رائحة زهر البرتقال. ثم خطرت ببالي فكرة، إنها رائحة رائعة آتية من الشاطئ...

كنا في ذلك الوقت على بعد أكثر من عشرين ميلاً من الساحل... في الساعة السابعة صباحاً اقتربنا من طرابلس. كانت الشمس مرتفعة في السماء وغمرت المدينة بالضوء المبهر. لم تتوقف السفينة ولم تطفئ محركاتها، إلا أن القوارب العربية الصغيرة كانت تبحر محاذية لها. عجبتُ من البراعة المذهلة التي يتمتع بها البحارة السوريون. في تلك اللحظات المثيرة صار البحارة يقفزون بجرأة من مراكبهم ليتسلقوا جدار السفينة، محافظين على توازنهم، فيما تسلق آخرون جدار السفينة الثاني، وبات البحارة على السطح ليعرضوا على الحجاج خدماتهم ونقلهم إلى ميناء طرابلس...

الميناء

في الميناء، نزلتُ مع مجموعة صغيرة من الحجاج إلى قارب حملنا نحو ساحل سوريا المزهر. تحسباً، حملنا معنا جوازات سفرنا وتوقعنا المطالبة بالبقشيش. توقف أحد القوارب أمام أعيننا عند الرصيف، ونزل الركاب إلى الشاطئ من دون عوائق وتفرقوا في شوارع المدينة. لسبب ما، قاد شخص عربي قاربنا إلى الجمارك. وبمجرد أن ارتقينا المنصة، أغلقوا الباب أمام أنوفنا وأحاط بنا الحراس أو رجال الشرطة، وصاحوا بنا "جوازات السفر!". أظهرنا جوازاتنا. لكنهم لم يكتفوا بذلك، بل أخذوها منا وحملوها بعيداً عنا. كان الاستقبال مختلفاً تماماً عمّا كان عليه في القسطنطينية أو أزمير، فسارعنا لاستعادة جوازات سفرنا. لكنهم لم يسمحوا لنا بالدخول.

- خذونا إلى القنصل الروسي! طالبنا بإصرار.

كانت المحطة الأولى لرحلة الكاتب الروسي "إيفان بافلوفيتش يوفاتشيف"، بحسب كتاب "الحج إلى القبر المقدس في فلسطين: مقالات عن رحلة إلى القسطنطينية وآسيا الصغرى وسوريا وفلسطين ومصر واليونان"، على الشاطئ السوري في طرابلس الشام، في 16 آذار/ مارس 1900. يقول: "حلمي الذي طال أمده، يتحقق: إنني أقترب من سوريا، وجبال لبنان، والأرض المقدسة".

وبعد مشاحنات قليلة، أرسلوا شاباً سورياً إلى مكان ما، وبعد نحو خمس دقائق عاد ورافقنا إلى وكيل "الجمعية الروسية للملاحة والتجارة". وهذا الوكيل، مثل العديد من قناصلنا في الشرق، لا يفقه كلمة واحدة باللغة الروسية. لجأنا إلى اللغة الفرنسية، حيث أوضح لنا أننا أحرار ولا توجد أي عوائق أمام دخولنا المدينة.

ولكن إلى أين نذهب؟

بعدما علم بعض الحجاج أنه "لا توجد أماكن مقدسة" للتعبد هنا، اشتروا بعض الحاجيات الصغيرة على الشاطئ وسارعوا للعودة إلى السفينة. أما أنا فدعوت بعض الرفاق لزيارة المدرسة الروسية المحلية التي تقع وسط الحي المسيحي تقريباً. أوصلنا أحد الشبان العرب إلى مبنى صغير أبيض اللون، وحسب العادة الشرقية طرقنا الباب بحلقة معدنية. استقبلتنا إحدى المعلمات، وبعدها أتت مديرة مدرسة الفتيات فالنتينا ميخائيلوفنا سوكولوفا، التي تفضلت بالسماح لنا بالقيام بجولة في المدرسة ودخول الفصول الدراسية والاستماع إلى دروس تعليم الفتيات العربيات. في كل فصل، ما إن ندخل حتى تقف جميع التلميذات من مقاعدهن ويرددن التحية ببطء باللغة الروسية، مع نطق حرف العلة الأخير بحزم: "زدرافستوفويتي" [تحية بصيغة الاحترام].

معظم المعلمات شابات عربيات، ولكن في أحد الفصول شاهدنا معلمة روسية تطلب من تلميذة أن تتقدم من اللوح (السبورة) وتكتب صلاة "للملك السماوي..."، فنهضت التلميذة العربية بسرعة، وكتبت الصلاة باللغة الروسية بشكل واضح. فتغلبت العاطفة على أحد رفاقي، الذي علّق على المشهد: "انظروا، على الأراضي التركية كيف يعلمونهن باللغة الروسية!".
أثناء تنقلنا من غرفة إلى أخرى أدهشنا عدد التلميذات الكبير. أوضحت لنا المديرة وهي تقودنا "مدرستنا مكونة من قسمين، كل قسم يغطي ثلاث مراحل تعليمية، وتسير العملية التعليمية في القسمين بالتوازي. يضم كل فصل نحو أربعين تلميذة. إلا أن القسم الأول يضم الآن المرحلة التعليمية الأولى فقط".

بعدما علم بعض الحجاج أنه "لا توجد أماكن مقدسة" للتعبد في ميناء طرابلس، اشتروا بعض الحاجيات الصغيرة على الشاطئ وسارعوا للعودة إلى السفينة. أما أنا فدعوتُ بعض الرفاق لزيارة المدرسة الروسية المحلية التي تقع وسط الحي المسيحي تقريباً. أوصلنا أحد الشبان العرب إلى مبنى صغير أبيض اللون، وحسب العادة الشرقية طرقنا الباب بحلقة معدنية. استقبلتنا إحدى المعلمات، وبعدها أتت مديرة مدرسة الفتيات.

- كم عدد التلميذات هنا؟

- ستمئة من فئات عمرية مختلفة، لدينا طفلات في السنة الثالثة من أعمارهن، ولدينا شابات بالغات. إحداهن، على سبيل المثال، في الثانية والعشرين من عمرها.

- تستقبلين الطفلات بعمر ثلاث سنوات أيضاً!

- نعم، لكن في الروضة وليس هنا. إذا كنت تريد أن تشاهدها، يرجى التوجه إلى المبنى الثاني.

وقادتنا المديرة الطيبة عبر الشارع إلى منزل عربي آخر، وجدنا على شرفته الواسعة الكثير من الطفلات الصغيرات. وبتوجيه من إحدى الناظرات شكلن طوابير طويلة وغنين الأغاني أثناء سيرهن، وصفقن بأيديهن الصغيرة على الإيقاع.

افتتحت مدرسة المينا للفتيات في تشرين الأول/ أكتوبر 1897، وليس لها حتى الآن مبنى خاص بها. استأجرت الجمعية الخيرية المحلية، منزلين تفحصناهما، فيما تتولى "الجمعية الفلسطينية" أعمال الصيانة وتمويل كل ما يتعلق بالعملية التعليمية والمعلمات. ومن المهام الأساسية لهذه المدرسة الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي بين المسيحيين العرب، ولذلك فإن راعيها هو المطران غريغوريوس مطران طرابلس.

- كم عدد المعلمات هنا؟ - سألنا فالنتينا ميخائيلوفنا.

- بالإضافة إليّ، هنا ثلاث معلمات روسيات، وإحدى عشرة شابة عربية. هنا، اسمحوا لي، أود أن أعرفكم إلى معلمتين عربيتين أنهتا تعليمهما في دار المعلمات في بيت جالا. وهما تعملان كمترجمتين لنا أيضاً [أنشأت الجمعية الفلسطينية مؤسستين تعليميتين عاليتين، الأولى دار المعلمين في الناصرة سنة 1886، والثانية دار المعلمات في بيت جالا قرب بيت لحم سنة 1890].

المعلمتان فيرا نقولا الحلبي وهيلينا الخوري شابتان جميلتان للغاية، بعيونهما السود النموذجية للمرأة العربية. وفي الواقع تتحدثان اللغة الروسية بشكل مثالي. لديهما رغبة شديدة في زيارة روسيا، فقد عملتا بجد من أجلها. ويبدو لي أنه سيكون منطقياً تماماً أن تساعدهما الجمعية الفلسطينية، لتحققا حلمهما العزيز.

افتتحت مدرسة المينا للفتيات في تشرين الأول/ أكتوبر 1897. استأجرت الجمعية الخيرية المحلية، منزلين تفحصناهما، فيما تتولى "الجمعية الفلسطينية" أعمال الصيانة وتمويل كل ما يتعلق بالعملية التعليمية والمعلمات. ومن المهام الأساسية لهذه المدرسة الحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي بين المسيحيين العرب، ولذلك فإن راعيها هو المطران غريغوريوس مطران طرابلس. وكان عدد التلميذات ستمئة من فئات عمرية مختلفة.

حدثتنا المديرة فالنتينا سوكولوفا عن مدرسة أخرى للفتيات افتتحت أخيراً في مدينة طرابلس، على بعد سبعة أميال من الميناء. دعتنا لاستكشافها ولمشاهدة المدينة نفسها. يمر طريق الترامواي إلى طرابلس بين الحدائق المزهرة، وفي الوقت نفسه ثمار صفر وبرتقالية، في 16 آذار/ مارس! يا له من تناقض مع الحقول والغابات الروسية التي تركناها تحت الثلوج. كانت حواسنا كلها مشبعة تماماً بعبق البرتقال هنا.

تقوم المعلمات هنا بتعليم التلميذات العربيات دستور الرب والحساب والجغرافيا، بالإضافة إلى ثلاث لغات: العربية والروسية والفرنسية. كما يدرّسونهن الأشغال اليدوية والغناء باللغتين الروسية والعربية. بالإضافة إلى التدريس المباشر للأطفال، تشرف المعلمات الروسيات على العملية التعليمية، لكون المعلمات المحليات لسن على دراية كاملة بالتقنيات التربوية للجمعية الفلسطينية.

طرابلس

سوكولوفا مسؤولة عن مدرسة أخرى للفتيات افتتحت أخيراً في مدينة طرابلس، على بعد سبعة أميال من الميناء. دعتنا لاستكشافها ولمشاهدة المدينة نفسها. يمر طريق الترامواي [حافلة تجرها الخيول فوق سكّة حديدية] إلى طرابلس بين الحدائق المزهرة. خضرة زاهية وأزهار عطرة، وفي الوقت نفسه ثمار صفر وبرتقالية في 16 آذار/ مارس! يا له من تناقض مع الحقول والغابات الروسية التي تركناها تحت الثلوج. كانت حواسنا كلها مشبعة تماماً بعبق البرتقال هنا. تخيّل أن البرتقال ينمو أمام عينيك حرفياً في هذا البلد. تتدلى الثمار الناضجة الكبيرة من الأغصان المثقلة بها، أما الثمار الصغيرة فعلى أغصان أخرى إلى جانبها. يبدو أن رفاقي، الذين لم يسبق لهم أن رأوا بلداناً حارة، كانوا أكثر اهتماماً بهذا الأمر. رائحة الزهور العطرية القوية، وخاصة الليمون، لفتت انتباهنا بشكل جميل، لكنهم يقولون إنها تسبب الألم أيضاً. على الأقل، يشتكي منها الزوار من دول الشمال في البداية، حتى يعتادوا على رائحة الليمون والبرتقال العابقة.

بعد زيارتنا لمدرسة الفتيات في طرابلس، حيث تتعلم الفتيات العربيات فقط، غدونا مهتمين بزيارة مدرسة الفتيان أيضاً. تقع المدرسة في وسط المدينة، في باحة كنيسة القديس نيقولاوس. وهي أنشئت وفق مبادئ مدرسة الفتيات في الميناء. رحبوا بنا بلطف في كل مكان وأظهروا كل شيء وشرحوا لنا عن طيب خاطر. التقيت بالأستاذ ضاهر خيرالله، المعلم في المدرسة، وكان اللقاء به مؤثراً للغاية [المرجح أنه الكاتب والشاعر أمين ظاهر خيرالله صليبا الشويري. ت 1948].

وكان مدير المدرسة، الشاب العربي يوسف جريس، قد لفت انتباهي إلى أنني سأقابل أستاذاً عربياً معروفاً في سوريا بعلمه. وبمجرد أن وقفت على عتبة فصله، صاح بحيوية، مبتسماً ملء فمه: "عربي، عربي!". لم يكن لديه أدنى شك في أنني روسي، لكن وجهي الذي سمّرته شمس الربيع بشدّة ولحيتي السوداء أعطياه سبباً لهذا التشبيه. رحّب بي وعانقني تقريباً، وقلنا لبعضنا البعض الكثير من المجاملات، وشعرنا بالأسف الشديد لأننا لم نتمكن من التواصل إلا عبر مترجم. ضاهر خيرالله رجل مسن، قصير القامة، ذو وجه وسيم مفعم بالحيوية. وقد رأيت بنفسي فيما بعد مدى شهرة هذا المعلم بين العرب بفضل كتاباته.

تقع المدرسة في وسط المدينة، في باحة كنيسة القديس نيقولاوس. وهي أنشئت وفق مبادئ مدرسة الفتيات في الميناء. رحبوا بنا بلطف في كل مكان وأظهروا كل شيء وشرحوا لنا عن طيب خاطر. التقيت بالأستاذ ضاهر خيرالله، المعلم في المدرسة، وكان اللقاء به مؤثراً للغاية.

بعد زيارتنا المعابد اليونانية والعربية، عدنا بالطريقة نفسها، ركبنا الترامواي إلى الميناء، ووصلنا مرة أخرى إلى المدرسة المضيافة، حيث دعتنا المديرة الطيبة إلى تناول الغداء على الطريقة العربية. هناك التقينا بالمعلمات الشابات اللواتي وصلن من روسيا إلى هنا قبل عامين.

التقينا هنا أيضاً بمفتش المدارس المسكوبية في شمال سوريا يفيم إيفانوفيتش تاراسوف. انضم إلى مجموعتنا ودعانا لتسلق أقرب تلة، حيث لا تزال هناك قلعة صليبية، حولها الأتراك إلى سجن. من هنا، انكشفت المدينة ومحيطها أمامنا كان المنظر جميلاً. غطت بساتين الزيتون وأشجار التين، تتخللها بساتين البرتقال والليمون، مساحة واسعة من الوادي الساحلي. عند سفح جبل لبنان، كان من الطبيعي أن نتذكر أشجار الأرز، لكن تبين أنها قطعت منذ مدة طويلة على أقرب المنحدرات إلى طرابلس. لا تزال هناك غابة صغيرة من أشجار الأرز، لكنها بعيدة جداً عنا. تقع على قمم الجبال.

بعد زيارتنا المعابد اليونانية والعربية، عدنا بالطريقة نفسها، ركبنا الترامواي إلى الميناء، ووصلنا مرة أخرى إلى المدرسة المضيافة، حيث دعتنا المديرة الطيبة إلى تناول الغداء على الطريقة العربية. هناك التقينا بالمعلمات الشابات اللواتي وصلن من روسيا إلى هنا قبل عامين: بياتريسيا بيستروفايا، وسفيتلانا سوكولوفا، وأنّا يودينايا. بالطبع، لا أملك إلا أن أبارك نشاطاتهن وأبتهج لهن وأنا أرى بأي كرامة يحملن راية الاستنارة والإيمان. لكن، من ناحية أخرى، أشعر بالأسف عليهن. فهنّ، بالنظر إلى كل شيء، مجرد شابات يافعات، تخلين عن السعادة الشخصية ومباهج الحياة. كما أنهن، في الوقت عينه، طوعاً أو كرهاً، بعيدات عن العائلة والأصدقاء، بل بعيدات عن كل ما هو روسي، ولسن على دراية كافية باللغة العربية، وبالتالي فإن شعورهن بالوحدة يغدو أكثر ثقلاً. لا أحد من روسيا سواهن هنا في الميناء. صحيح أن الحجاج يتوقفون في طريقهم إلى فلسطين قليلاً، لكن هذا لا يحدث كثيراً، بل يحدث فقط في الربيع. إنهن يشتكين من أن الحمى تتفشى في الميناء ربيعاً وخريفاً، ولكن يبدو لي أن الصيف المحلي بحرارته المرتفعة ليس سهلاً على النساء الشماليات أيضاً. وبين المعلمات، تبرز على وجه خاص مديرة المدرسة فالنتينا ميخائيلوفنا سوكولوفا، بتعبير القلق على وجهها، ومشيتها السريعة، وتفسيراتها المعقولة لنا، وعباراتها القصيرة الشبيهة بالتعليمات، كلها ملامح كشفت عنها كمديرة نشطة ومربية جيدة. والأمر لا يقتصر على إدارة المدرستين فحسب، بل على كمّ البراعة واللباقة الذي تحتاج إليه للتعامل مع السكان العرب أيضاً، أولئك الذين قد يكون مزاجهم حاداً.

______________________

  1. - سان بطرسبورغ، منشورات سلوفو. ط1: 1904.

مقالات من لبنان

للكاتب نفسه

غزة القرن التاسع عشر: بين الحقيقة الفلسطينية والتضليل الصهيوني

شهادة الكاتب الروسي ألكسي سوفورين الذي زار غزة عام 1889: "تسكن في فلسطين قبيلتان مختلفتان تماماً من حيث أسلوب الحياة: الفلاحون المستقرون والبدو المتجوّلون بين قراها. الفلاحون هنا هم المزارعون....