الحرب على غزة: شركات الأسلحة الأمريكية والإسرائيلية وأرباح حرب الإبادة

شركات الأسلحة الخاصّة جزء جوهريّ من البنية التحتيّة لحرب الإبادة. هناك، في هذا العالم الكبير الذي ينظر إليه الفلسطينيون وهو لا يراهم، من يحتفلون الآن بمراكمة ملايين ومليارات الدولارات مع كل قنبلةٍ تمحو بيتًا، مع كل قذيفةٍ تسقط في حضن طفلٍ تحمله أمّه.
2023-11-16

شارك
دبابات ميركافا الإسرائيلية منتشرة في منطقة كريات شمونة الشمالية بالقرب من الحدود مع لبنان في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2023. FADEL SENNA / AFP

عندما تدخل موقع جريدة “هآرتس” الإسرائيليّة هذه الأيّام، يظهر إعلان مموّل لشركة استثمارات إسرائيليّة. تضغط على الإعلان، فيأخذك إلى مقالٍ في مدونةٍ فيها “محتوى دعائيّ مموّل” يُقنع الناس بأن تستثمر مالها بهذه الشركة أو تلك، بهذه البورصة أو تلك. والآن، في موسم حصاد الدم، هذه ساعة الاستثمار بالشركات العسكريّة.

يقول عنوان المقال الدعائيّ: “هذه منظومة الأسلحة المتقدّمة التي تمتلكها إسرائيل والولايات المتّحدة،” ثم يتابع العنوان الثانويّ: "في الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحماس، ويُمكنها التوسع للحدود الشماليّة، وربّما حتّى أن تتدخّل الولايات المتّحدة، تُستخدم منظومات سلاح متقدّمة وذكيّة. كثير منها تصنعه شركات أمريكيّة ضمن مؤشّر S&P Aerospace & Defense."

تطرُّق الإعلان لتوسّع الحرب ليس معلومة إخباريّة فحسب، بل إغراء بفرصة استثماريّة يتوجّب اقتناصها الآن في شركات الأسلحة.

أصحاب الأسهم في هذه الشركات من ضلع الحكومات والجيوش الغربيّة. تخرّجوا منها بعد عقودٍ من ارتكاب الجرائم لصالحها، وباتوا الآن مستشارين أصحاب كلمة في أروقة الحكم. يزوّدون الجيوش بألعاب قتلٍ جديدة، ثم أجدد. سوق كامل من “العجائب” القتاليّة. كلّها تسوّق نفسها – مثل أي دعايةٍ رأسماليّة- بأنّها ستغيّر الحياة؛ “ستغيّر قوانين اللعبة”، “ستغيّر شكل المعركة”، “ستؤمّن النصر!”... يخترعون ألعاب القتل، يجرّبونها علينا، يبيعونها ويرسلونها في الأرض، ثم يخترعون جديدة. أما نصرهم الساحق علينا فلا يأتِ أبدًا.

من مصنع الصواريخ إلى البيت الأبيض، وما بعد..

الدعاية ليست كاذبة: منذ بدء حرب الإبادة في غزّة، شهد المؤشّر الأمريكيّ المذكور، المختص بشركات الطيران والأمن، ارتفاعات ملحوظة وصلت 5.88 بالمئة يوم خلال الأيّام العشر الأولى للحرب.

جريج هايز، المدير التنفيذيّ لعملاقة الأسلحة الأمريكيّة “RTX” أرسل تقريرًا للمستثمرين بعد أيامٍ من حرب الإبادة، يحثّهم فيه على تأييد المساعدات العسكريّة الأمريكيّة لإسرائيل. في تقريره، يؤكّد على أن المساعدات الأمريكيّة ستُنتِج اتفاقيّات جديدة لتصدير الصواريخ: “إذا نظرتم للمحفظة الاستثماريّة الشركة، ستلحظون الاستفادة من تجديد مخزون [الصواريخ].”

ارتفعت أسهم هذه الشركة، التي تصنّع الرادارات والقذائف الموجهة، والشريكة في مشروع “القبّة الحديديّة” الإسرائيليّ، بنسبة 13.46 بالمئة منذ بدء الحرب. مديرها المذكور أعلاه تقاضى في العامين الأخيريّن 63 مليون دولار، عمل على تأمينها بقنوات عديدة، من ضمنها تأثيره كعضو في إدارة Business Round Table – واحدة من مجموعات الضغط الأشد تأثيرًا في السياسات الأمريكيّة التي قادت توجّهات سياسيّة واقتصاديّة تاريخيّة في الولايات المتّحدة منذ 1972، منها محاربة قوانين منع الاحتكار وحماية المستهلك في السبعينيّات واتفاقيّة NAFTA في التسعينيّات.

على ذات المنوال، أفادت تسريبات بأن جيسون آيكن، نائب رئيس شركة “General Dynamics”، التي تزوّد إسرائيل بقذائف مدفعيّة، بشّر المستثمرين بالآتي: “إذا نظرتم للصفقات التي من الممكن أن تتراكم أمامنا بسبب الحملة [الإسرائيليّة]، فإن أشد ما يظهر، ويبرز حقًا، هو المجال المدفعيّ.” أسهم الشركة ارتفعت منذ بداية الحرب بنسبة 9.72 بالمئة، لا سيما مع الإعلان عن إرسال نماذج تجريبيّة من المركبات التكتيكيّة الخفيفة Flyer72 لاختبارها ميدانيًا في غزّة.

كُبرى شركات الأسلحة الأمريكيّة “Lockheed Martin” تزوّد إسرائيل منذ عقود بطائرات الـ“F16” والـ“F35” وصواريخ “Hellfire” وغيرها المئات من الأسلحة والمعدّات منذ عقود. ارتفعت أسهم الشركة، منذ بداية الحرب وحتّى 30 أكتوبر/تشرين الأول، بنسبة 10.65 بالمئة. مديرها التنفيذي، جيم تايكليت، تقاضى في العامين الأخيرين ما يُقدّر بـ 66 مليون دولار، إضافةً إلى أسهم بقيمة 25 مليون دولار يمتلكها في الشركة. الرجل الذي ينتفع مباشرةً من الحرب هو عضو في إدارة مركز الأبحاث “Council on Foreign Relations” – وهو أحد المراكز الأشد تأثيرًا في القرار السياسيّ والعسكريّ في البيت الأبيض منذ بداية القرن العشرين: هؤلاء وضعوا الخطوط العريض لنقاط ويلسون الـ 14 في الحرب العالميّة الأولى، ووضعوا أسس خطة مارشال وحلف الناتو. وفي 2002، بعد غزو أفغانستان، نشر أحد مدراء المركز مقالًا تاريخيًا تحت عنوان “المحطّة القادمة بغداد؟”، ليُطلق مركز الأبحاث بعده حملة ضغط هائلة للدفع نحو احتلال العراق.

الخط المباشر، الذي يبدأ من مصانع الأسلحة، لا يتوقّف في البيت الأبيض. شركة BlackRock، أكبر مؤسسة إدارة استثمارات في العالم لها استثمارات بأكثر من 13 مليار دولار في الشركات الثلاث المذكورة أعلاه فقط، ومليارات غيرها بشركات تصنّع أسلحة محرّمة دوليًّا، كالفوسفور الأبيض – الذي يُستعمل في الحرب الحالية على غزة - والقنابل العنقوديّة. المدير العام لمركز أبحاث الشركة المسؤول عن إنتاج المعرفة والأبحاث الجيوسياسيّة من أجل “الاستثمارات المستدامة” هو ثوماس دونيلون – زوج كاثرين راسل، المديرة التنفيذيّة لليونيسف، المنظمة الأمميّة التي كان من واجبها أن تعمل لحماية الـ 3500 طفل الذين قُتلوا إلى حد الآن في غزّة.

انتعاش بفضل الحرب

تراجع مؤشر بورصة تل أبيب “TA-35” بنسبة 9 بالمئة من بدء العدوان وحتّى 30 أكتوبر/تشرين الأول 2023. إلا أن التدهور الذي شهده السواد الأعظم من الشركات الإسرائيليّة لم يمس شركات الأسلحة بأي سوء. بالعكس طبعًا. بحسب محلل الاستثمارات الإسرائيليّ شاحر كارمي: “القذائف تتطاير في كل مكان، فلا بد أن تستفيد الشركة”.

بقية التقرير على موقع "أوريان 21". 

مقالات من فلسطين

غزة القرن التاسع عشر: بين الحقيقة الفلسطينية والتضليل الصهيوني

شهادة الكاتب الروسي ألكسي سوفورين الذي زار غزة عام 1889: "تسكن في فلسطين قبيلتان مختلفتان تماماً من حيث أسلوب الحياة: الفلاحون المستقرون والبدو المتجوّلون بين قراها. الفلاحون هنا هم المزارعون....

وليد دقة الذي عاش ومات حرّاً

2024-04-11

عاش وليد دقّة غصباً عن القيد، غصباً عن السجان، غصباً عن الزنزانة، غصباً عن دولة الاحتلال بأكملها، غصباً عن العالم المختلّ بأسره، غصباً عن المرض أيضاً، غصباً عن العمر المنهوب...