بعض ما لا بد من قوله

هذا نص قد يبدو "متشابكاً" فهو يجمع مواقف تتناول عدة مستويات من الواقع، ولكن التقاط الصلة بينها ضروري لفهم المشهد، على الرغم مما يحمله هذا السعي من تناقضات وتردد وشكوك ويقين معاً!
2023-11-09

نهلة الشهال

أستاذة وباحثة في علم الاجتماع السياسي، رئيسة تحرير "السفير العربي"


شارك
"لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه"، علي بن ابي طالب. خط: منير الشعراني

إلى كل أمٍّ لمّت أطفالها أشلاء في غزة

... ويا خجلي منكِ. يا خجلي من نفسي إذ أتناول لقمة من طعام ولو متقشِفاً وأشرب جرعة ماء نظيفة. بينما تشربون "هناك" ماء البحر أويشرب كل واحد بعيد عن البحر ماء بوله (وهي تقنية يُدرَّب عليها للبقاء على قيد الحياة حين يُفتقد الماء تماماً!). أكتب وما بيدي حيلة أخرى، وتنهمر دموعي على وجهي، ولكن ما باليد حيلة، ويا خجلي!

من الظلم الفادح مقارنة معركة غزة بمعارك لبنان، بما في ذلك أول المعارك الكبرى فيه في العام 1982 وآخرها في العام 2006. فعلى الرغم من البسالة العظيمة للمقاتلين في تلك المعارك، ومن صمود الناس وسط الدمار، ومن أعداد الشهداء، فإن الاختلال في ميزان القوى كان أخف مما هو عليه في غزة الآن، وكان التوازن في مواقف القوى الدولية لم ينكسر بعد أو لم يتناثر إلى ما صار إليه الآن، وكانت المعارك تلك – وهذا مهم للغاية – تجري في رقعة (ولو واسعة) مفتوحة على سائرالبلد وعلى جيرانه...

لم يَجُعْ نازحٌ، لم يعطش، وصار في أمان في سائر لبنان وفي سوريا حين وقع النزوح، ولو أنه عاش بشروط بائسة في الحدائق العامة أو المدارس. فقط بين أيار /مايو من العام 1985 وشباط/فبراير من العام 1987، جاع وعطش فلسطينيو مخيمي صبرا وشاتيلا في قلب بيروت حين حُوصروا تماماً لمصلحة النظام السوري وقتها وتصفيةً لما كان تبقّى من منظمة التحرير، حتى اضطر السيد محمد حسين فضل الله في حينه إلى إصدار فتواه الشهيرة بجواز أكل لحوم القطط والكلاب!

... وأما غزة فهي رقعة مختنِقة من 365 كيلو متراً مربعاً تحدّها الأرض المحتلة من شرقها وشمالها والبحر من غربها ومصر من جنوبها، وهذه خندقت الحدود معها بالأسلاك الشائكة والجدران العالية وهي تقفل معبر رفح حتى على وصول الماء والأدوية والمحروقات إليها ال"ممنوعة" حتى الآن، وأما سائر الإغاثات فعليها أن تحصل على إذنٍ بالمرور من إسرائيل.

فما وجه الشبه؟

***

إلى السيد محمد حسين فضل الله الذي لا يضاهيه أحد في التحرر من التعصب المذهبي والديني

يحتفظ المخيال الشعبي برواية مبسّطة لما جرى في المعركة الفاصلة بين الحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد النبي، ومعه آل بيته وصحبه، وبين جيوش الولاة من أتباع يزيد بن معاوية. رواية تضع مسألة الحق في السلطة بل والصراع عليها في مقامٍ ثانٍ لتتكلم عن الإخلاص للمبادئ والشجاعة... وعن التخلي. تقول الرواية إن أهل الكوفة – ويقال اختصاراً أهل العراق – أرسلوا إلى الحسين يبايعونه ويدعونه إليهم، وهو كان معتصِماً في مكة بعد مغادرته المدينة، ورافضاً مبايعة يزيد خليفة بعد وفاة أبيه معاوية. وأن الحسين انتظر أشهرَ حتى صارت الدعوة إليه عظيمة ومتكررة فقرر الاستجابة لها. وبعد تفاصيل لا شك في أهميتها ولكنها تخرج هنا عن نطاقنا، واجه في معركة الطف أو كربلاء، في العاشر من محرّم - وكان يصادف حسب التقويم الغربي للعام 680 ميلادي يوم 12 تشرين الأول/ أكتوبر، أي في عز العدوان الإسرائيلي على غزة - جيشاً يفوق ما مع الحسين عدداً وعدة، فقاتل ثلاثة أيام إلى أن استشهد هو وأهل بيته نساء وأطفالاً، وصحبه، مع ما رافق ذلك من قطع الرؤوس حقداً. وهكذا صار لقبه "سيد الشهداء"، وصار من تقاليد المسلمين شيعة وسنة لعنة يزيد. وليس في المشرق العربي كله من يسمي ابنه يزيدَ بينما كثير من السنة يُطلقون على أبنائهم أسماء علي وحسين – وقد فوجئتُ شخصياً بعدد من الشبان من بلدان المغرب اسمهم يزيد، واعتبرتُ وقتها أن بُعدهم عن الميدان قد ألحق أضراراً بذاكرة آبائهم ومحا تقاليدهم، ولعلي مخطئة وأن ذلك ليس التفسير الصحيح، والله أعلم... خلاصة، صار أهل العراق متّهمِين بأنهم لم ينصروا الحسين وتخلوا عنه بعد إلحاحهم في دعوته إليهم. وأنهم حين يتفجعون بقوة لطماً وحزناً في عاشوراء فلشعور لا يُمحى بالذنب...

وأسأل نفسي إنْ كانت غزة ستكون "سيدة الشهداء" في العصر الحديث، مع استمرار الأمل بأن مقاومتها ستصمد على الرغم من الاختلال المهول في توازن القوى، وعلى الرغم من العدد المهول هو الآخر من شهدائها رجالاً ونساء وأطفالاً، وأنها ستُرغِم العدو الإسرائيلي على التراجع. وهي وفي كل الأحوال، ومهما كانت المآلات، وبعد معجزة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، قد سطّرت في شهرٍ من القتال الباسل والصمود ملحمة لن تُمحى من ذاكرة العالم.

***

إلى صديقاتي وأصدقائي الشجعان من اليهود المناهضين بقوة للصهيونية وإسرائيل، المناضلين ضدهما.

وهم كُثر، وإن كانوا قلة قليلة مقارنة بهؤلاء المجرمين العطشى للدم. يجوب الصحافي المعروف عالمياً جدعون ليفي المنصات والمؤتمرات ويكتب في الصحف، وذلك منذ سنوات وبلا هوادة. وفي آخر محاضرة له في واشنطن منذ أيام قال إنه يعرف كثيراً من الاحتلالات المديدة في العالم ومن التوحش المرتكَب خلالها، علماً ـ كما قال ـ بأن لا شيء بات يضاهي التوحش الإسرائيلي. وقال إن الإسرائيليين كلهم عنصريون ويعتقدون أن الفلسطينيين والعرب ليسوا بشراً. ثم وصفهم بأنهم جلاّدون صنعوا من أنفسهم ضحية بل والضحية الوحيدة، وذكّر في هذا الصدد بما قالته غولدا مائير في زمانها بأنهم "أبداً لن يسامحوا العرب لأنهم أجبروهم على قتل أطفالهم!". فأي جنون! وهو ما يقوله إيلان بابيه وآفي شلايم وغيرهما من كبار الأكاديميين اليهود في العالم، وهكذا قالت المناضلة والأستاذة الجامعية نوريت بيليد التي قُتلت ابنتها ذات الأربعة عشر عاماً في هجوم لمقاتل فلسطيني على مقهى في تل أبيب في العام 1997، فمَنعت نتنياهو من تقديم العزاء لها وقالت له "أنتَ من قتل ابنتي"، واستقبلت موفد ياسر عرفات وتقبّلت منه العزاء. وهكذا يفعل فنانون وكتّاب وصحافيون مناضلون بأدواتهم وعلى الأرض، من أمثال حاييم برعشيت وميشال فارشافسكي وإيال سيفان وميشيل سيبوني وعميرة هاس وأورلي نوي... وقد حاول "السفير العربي" دوماً نقل آرائهم وتحليلاتهم.

____________
من دفاتر السفير العربي
في أهمية موقف اليهود المناهضين لإسرائيل والصهيونية
____________

أما احتلال كبرى القاعات المركزية لمترو الأنفاق في نيويورك والدخول إلى الكونغرس الأمريكي فقد قامت بهما مؤخراً حركة "اليهود من أجل السلام" التي أطلقتْ من سنوات شعار "ليس باسمنا"، فكاً لأنفس مَنْ ينخرط فيها من اليهود عن الصهيونية وعن جرائم إسرائيل التي تدّعي أنها تدافع عنهم. كما أن حركة المتدينين اليهود، وهي حركة هائلة الحجم وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية – والأكثر شهرة من بينها هي "ناطوري كارتا" – فتناهض الصهيونية وتكفِّر إسرائيل التي تعتبرها معصية لإرادة الله، وقد أحرق أتباعها على اختلاف مدارسهم علمها عدة مرات وداسوا عليه خلال مظاهراتهم في الأيام الماضية.

***

إلى نخيل دار أهل أمي في البصرة

من المضحك تماماً أن تتوالى الأسئلة من قبيل "كيف لا يتعلمون من أخطائهم". فهي تفترض فيما تفترض أن وراء مجازرهم الجهل. وأنهم يبالون بالنتائج. أن يكون العراق قد دُمِّر بفعل حربين مهولتين بينهما حصار مديد، وأن يكون قد أُلقي عليه ب"المفرق" من المواد المتفجرة ما يفوق حجم قنبلتي هيروشيما وناغازاكي اللتين القتهما واشنطن هي نفسها على اليابان بلا أي مبرر، إذ كانت الحرب العالمية الثانية قد حُسِمت، ولكنها كانت تريد تجريب السلاح الجديد، وأن يكونوا قد ضربوا البصرة ومحيطها باليورانيوم المنضب فقتلوا الأرض والضرع والبشر، وأن تكون ما زالت شائعة هناك الأجنة المجهَضة بعد عشرين عاماً، وما زال يولد حتى اليوم مواليد مشوهون، ونسبة السرطانات هي الأعلى في العالم... فهو مما لا يهمهم أبداً.

أن تكون "القاعدة" بداية هي نتاج وحشيتهم في أفغانستان، هم الأمريكان وقبلهم الروس، ثم أن تكون "داعش" التي تلتها نتاج وحشية الأمريكان والبريطانيين في العراق، فهي برأيهم دلائل، ليس إلاّ، على ميل "للإرهاب" مطبوع في جينات العرب والمسلمين! وحين تَرتكب مجموعة من الأخيرين عملاً بشعاً فيه قتل للمدنيين في أي بلد غربي، فهو دليل إضافي على ذلك، ويستوجب أقسى العقوبات بحق كل البيئة العربية والمسلمة المهاجِرة إلى هناك أباً عن جد، والتي اشتغلت في أشق الأعمال وعانت كل ظروف الاضطهاد بوصفها كانت دائماً مقيّدة في أدنى مراتب السلم الاجتماعي، بل وفي قعره غير المرئي. وحين اليوم، يتمرد أحياناً أبناء الجيل الرابع من المهاجرين، أو يتجرأون على المطالبة بأي شيء أو يسخرون من جلاّديهم، فذلك يستدعي خطاباً عنصرياً مجنوناً تُدلي به السلطات، تزبد وتتوعد، وإجراءات انتقامية، واتهاماً للأمهات بأنهن لم يُحسنّ تربية أولادهن.. وأما أن يعمِّق ذلك المشكل الهائل القائم، فهو يستوجب مزيداً من القمع الأعمى.

____________
من دفاتر السفير العربي
عشـرون عامـاً على الحرب على العـراق
____________

أن يكون العراق قد وقع بعد العدوان الأمريكي عليه - وبترتيب من الإدارة الأمريكية - بين يدي عملاء واشنطن بداية، التي ظنّت أن الحال دائمة لها، إلى أنْ اكتشفت أن بعض زبانيتها يجدون الأقربين أولى بالمعروف، وأنهم فتحوا الأبواب لإيران – التي يكرهها الأمريكان – حتى تُمدِّد نفوذها كما نراه، فكل ذلك تعالجه واشنطن بالعقوبات وبالحصار وبالحرب، وإلا فبالانصراف وترك المكان يغور في بؤسه.. وما همّها ما دام هناك دائماً زبائن لها جاهزون لتكرار المشهد... بلا حرب!

وواشنطن تدعم نتنياهو بلا تحفظ وتشجِّعه وتمده بالسلاح والمال والخبراء، وتقول أنه ليس لديها "خطوط حمراء لعدد القتلى الذين يسقطون في غزّة"!

... وبعد ذلك سيتساءلون من أين أتى هؤلاء "الإرهابيون" الجدد، بعد أن قضينا على القاعدة وداعش؟

***

إلى روزا لوكسمبورغ المناضلة الصلبة والمفكرة اللامعة التي اغتيلت في عز عطائها والتي ينبغي استعادة أطروحاتها...

ما الرأسمالية اليوم؟ لا يمكن فهم الموقف المتوحش لقادة العالم من غير الإجابة على هذا السؤال. وهو بالطبع يحتاج إلى أبحاث جادة، معمقة ومتنوعة، ولا تكفي لوصفها عبارتا "النيوليبرالية" أو "العولمة" الشائعتان. ولكن هناك خاصية رئيسية لعل هذه الحرب الإسرائيلية المتوحشة قد أضاءت عليها بسطوع يفوق ما قد تنبئ به التحركات المطلبية والاحتجاجية العملاقة التي سادت في بلدان شمال الكوكب في السنوات الماضية...

هذا الطور من الرأسمالية ابتدأ منذ سبعينيات القرن الفائت وصار مهيمِناً بشكل تام. وخاصيته أنه مقتَلع الجذور عن مجتمعاته، بل ونقيضٌ مباشر لأسس نشوء الرأسمالية نفسها، حين أقامت كبرى المصانع وسطت على فائض القيمة الناتج عن تحويل المواد الأولية، بفعل جهد العمال واستغلال قوة عملهم، إلى بضائع في السوق، كما شرح لنا كارل ماركس. ولكن هنا، فلا بد من إضافة أنه، ومن الأصل، فالتراكم الأوّلي للرأسمالية في أوروبا الغربية، قد أسهم فيه بشكل كبير، نهب ثروات القارة الأمريكية المستكشَفة طوال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وتدمير حضارات عريقة ونقل كل كنوزها إلى أوروبا، والسيطرة على مواد أولية هائلة الحجم فيها وفي الهند وإفريقيا، وأسر الأفارقة واختطافهم من قارتهم للعمل كعبيد في مزارع أمريكا الشمالية... الاستعمار بشكله الأول والأفظع في كل أنحاء العالم كان في أساس ذلك التراكم في المركز، وفي تسريع وتسهيل اشتغاله.

واليوم، ومع استمرار نهب النفط والغاز وثروات كثيرة أخرى من العالم كله، فقد صارت المضاربات على أنواعها ومنها المالية، وسيولة رأس المال، وكل أنواع التفنن في الاحتيال وفي خلق الفقاعات، هي أساس الثروات. صارت الرأسمالية تقوم بشكل أساسي على رأس المال المالي والطائر، وتجاوزت البنوك والبورصات وال"Hedge Funds" (التي تُترجم الى العربية بتعبير غامض هو "صناديق التحوط")، المعامل الكبرى والمزارع وكل ما هو إنتاجي ملموس. وباختصار، فقد غَيّر ذلك من طبيعة السلطة نفسها ومن طبيعة علاقتها بمجتمعها، وراحت كل تعريفات الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع السياسي الى الأرشيف كمحفوظات للتاريخ!

وهذا ما يفسر الطابع المافياوي المبتذل (حتى مقارنة بالمافيا الأصلية!) للممارسة السياسية في تلك البلدان التي كانت معاقل فورد والنسيج والصلب والحديد الخ... وانحطاط القيم البورجوازية نفسها التي باتت تُردّد أحياناً في أفواه اصحاب السلطة كثرثرة لا معادل لها في الممارسة وتُعامَل كنكتة سمجة. وهذا يفسر تهميش المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، كما يفسِّر تفكك النقابات والأحزاب والمجتمعات نفسها، وغياب الأفكار تماماً، وظهور سلطات سياسية تحكم من فوق: في فرنسا مثلاً التي كانت قد تأخرت الى حد ما في الانضمام إلى هذا النمط، وحافظت على بعض أجزاء من المؤسسات السابقة وأصول العمل بها وبعض الضوابط والكوابح، سُرِّعت الخطى تعويضاً وبعنفٍ ملحوظ. وكمثال أخير ومن ضمن ما هو أفدح منه، اعتُمِدت في السنتين الماضيتين كل المخططات والقرارات والتعديلات على القوانين بفضل تشغيل إجراء اسمه 49.3، الذي لا يتطلب موافقة البرلمان ولا تصويته، وقد لُجِأ إليه 16 مرة في سابقة مشهودة، إذ يُفترض أن يكون استثنائياً تماماً: لم يُعمل إلاّ به وصار البرلمان بلا طائل.

وظهر في العالم "المتحضر" كله الساسة ( بدءاً من ريغن ومروراً بالبوشين حتى بايدن و ترامب، وفي أماكن أخرى صرنا نعود الى تشرشل وديغول لنتذكر الدولة!!) الذين يمكنهم أن يرتكبوا كل الأكاذيب ويمارسوا كل الاحتيالات والتجاوزات والفضائح من كل صنف بلا خشية، طالما أنهم متمفصِلون مع ذلك الرأسمال المالي المضارب والسائل، ويتخذون اللازم لارضائه ولا يهمهم سواه. وهو يدعمهم طالما أنهم يتنافسون فيما بينهم بواسطة صفقات "من تحت الطاولة" على عقود الاستثمارات العالمية القائمة على نهب ما تبقى من ثروات الطبيعة (التي أُنهِكت حتى الموت وتُستخدم بخفة حد تهدّيدها بالفناء) ونهب الشعوب الأخرى، وخصوصاً على بيع أسلحة تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، وتحتاج إلى استمرار اشتعال الحروب وشتى أنواع النزاعات والتوترات لتبرير اقتنائها... وطالما لكل منهم زبائنهم / خدّامهم في العالم، حيث تُستنسَخ سلطات مرعبة وكاريكاتورية في آن، ليست في الحقيقة سوى حثالة ذلك المنتَج الأصلي.

إسرائيل تتطابق بحدة وتطرّف مع هذا الواقع، وقد صفّت في العقود الثلاثة الماضية كل ما قد يخالف تلك الخصائص. وهي كيان مصطنع أسسه أوروبيون "أشكيناز" في الأصل، وقام على الاستيلاء على فلسطين، وكان من المحتّم بسبب اصطناعيته من جهة وتغيّر العالم من جهة ثانية، أن تسود فيه رويداً رويداً المافيات التي تدير تلك الرأسمالية الطائرة، حيث ليس لديهم سوى الاشتغال فيها أصلاً - وأما الكيوبتسات التأسيسية كمزارع ومشاغل جماعية فهي مزحة أيديولوجية انتهت وظيفتها وكانت أصلاً بلا أفق.

وهم اليوم يقولون عن أنفسهم إنهم بلد معولم وأن بلدهم هو "ستارت آبّ"! ويديرون واقعاً مجتمعياً معقّداً يجمع في آن أحدث التقنيات في الذكاء الاصطناعي وفي كل المجالات ومعها الأوساط المشتغِلة فيها، وأكثر الأفكار تخلفاً وخرافة وانغلاقاً وتعصباً هستيرياً، كما يتمثل من بين سواه في سكان المستوطنات.

وهم لم ينجحوا في التخلص من الشعب الأصلي وصاحب الأرض والمكان، ولم يتمكنوا من إخضاعه على الرغم من القمع المستمر والمجازر الفظيعة المتوالية، ومن تواطؤات محلية وإقليمية وقعت بسبب تردِّي واقع حالنا، بعد القمع المديد والمتكرر لمجتمعاتنا وإغلاق الأفق أمامها بتسييد البؤس واليأس، ومعهما الأخلاق الريعية القائمة على الزبائنية والفساد.

فلا عجب ألا تروِّع أحداً الإبادة الجارية في غزة ولأهلها، وأن يشيح العرب والعجم بأبصارهم الى الجهة الأخرى، والاّ يرفّ جفن لروسيا والصين حليفتا إيران في مشاريع اقتصادية عملاقة، وأن تنفلت لغة فاشية صريحة لدى السادة "المتحضِّرين"، يرافقها ما تشاؤون من عدّة الكذب والتزوير.. أيْ فاشية مبتذَلة هي الأخرى!

ظهر هذا العالم كما هو فعلاً، قاتماً، أثناء معركة غزة. وسيزداد التوحش والبؤس لو كُسرتْ غزّة! 

مقالات من فلسطين

مستشفى الشفاء تنهض بأيدي الغزّيين

2024-06-13

"لن يعود"، قال الإسرائيليون منذ بضعة أسابيع فقط، إلى أن تُطالِع المرء صورةٌ على إحدى الشبكات الإخبارية لبوابة المشفى كُتِب في أسفلها "مستشفى الشفاء ينهض كالعنقاء". فترى شباب وشابات غزة...

وجهُ الصهيونية المَقيت

2024-06-07

يكمل العالم دورته. يومٌ آخر، شهداء جدد... هو الجنون الكامِل المستفحل في غزة، وفي عموم فلسطين. فيما تزداد الأوضاع في القدس المحتلة تدحرجاً نحو ما قد يستحيلُ انفجاراً، إذ اقتحم...

للكاتب نفسه

ماذا الآن؟

وقعتْ إسرائيل في خانة المستعمِر، واهتزت بقوة "شرعيتها" المصنوعة بتوئدة. حدث ذلك بفعل مقدار منفلت تماماً من همجيتها في الميدان وصل إلى التسبب في الصدمة للناس، وكذلك بفعل التصريحات والخطب...