الرسول المهزوم يحمل جسد "مجدي مكين" ويطوف به في "شارع الحرية"

يا سيدنا القادم من بعدي| أنا أصغر من ينتظرونك في شوقٍ محموم| لا مهنة لي، إذ إني الآن نزيل السجن| متهَماً بالنظر إلى المستقبل| لكني أكتبُ لكْ| باسم الفلاحين، وباسم الملّاحين| باسم الحدّادين، وباسم الحلّاقين| والحمّارة والبحّارة| والعمال وأصحاب الأعمال| نرجو أن تأتي وبأقصى سرعة| فالصبر تبدّد| واليأس تَمدّد| إما أن تُدْركنا الآن| أو لن تدركنا بعد| حاشية: لا تنسَ أن تحمل سيفك.
2022-12-22

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
اياد القاضي - العراق

هو الرسول المهزوم يحمل سيفاً من خشب، يجمع بقايا أحلامه في صندوق صغير يظنه كفناً، يمسك أصابع حبيبته التي عُوقبت بحرق ردائها بعد أن تركت قلبها لحماً سائغاً في منقار الغربان، يهدهد وجيعتها ويعنِّفها. كلاهما في وهن.

تجاسر أخيراً وأمسك ـ على الرغم من طعم الخمر والقهر المحمومين في جوفه ـ مطفأة نحاسية وانهال بها فوق رأس سارقه، سارق الحبيبة والحلم والوطن. وعند سقوطه غارقاً في دمه هتف "غفلني المجنون" ثم كان ما يكون دوماً، ساقوا الرسول بجنونه وأحزانه إلى زنزانة مظلمة.

عند هذه اللحظة المركّبة لم يجد الشاعر "صلاح عبد الصبور" ـ رائد الواقعية المصرية في أعلى درجات صعودها خلال الأربعينات الفائتة ـ غير مخرج وحيد متكرر، وهو أن يترك هذا المُنهَك رسالة لمن يأتي من بعده، للرسول القادم في شكل جيل آخر يحمل جينات أكثر معافرة ورغبة في التغيير والفرح.

ومن يومها، يوكل كل جيل آماله وأحلامه المعلقة إلى الجيل الذي يليه، عله يضمد جراحه. ولكن هل تنتظر الأحلام؟

- 1 -

على مشارف عام جديد أتى بعد المشهد السابق بما يزيد عن سبعين عاماً، كانت أطياف أرواح شابة تتجمع بحماس في ساعة مبكرة من صباح ذلك اليوم، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. أطياف بعضها آتٍ من السماء والأكثرية من شوارع مرصوفة وأخرى متْرَبة في أنحاء الجمهورية المصرية. أطياف شهداء وأحياء جاؤوا ليعودوا إلى خندقهم المفضّل في تلك الحرب الدائرة، شارع عيون الحرية أو كما يسميه سارقو الأحلام "محمد محمود". يفعلونها كل عام، يتجمعون بشكل غير مرئي، عصي على أعين الجحافل السوداء المنتشرة في الطرق المؤدية إلى هناك، يتبادلون الهتاف والتحية، ولعل هذا هو التفسير للمشهد الغريب الذي التقطته ذاكرة إحدى الكاميرات نهاية هذا اليوم، حيث إنّ جسداً مسجىً دون كفن، كان يطوف شارع "محمد حمود" محمولاً على أعناق غير مرئية، كأنه صليب سابح في الهواء، لم تصل منه للأرض إلا بقعاً متفرقة من دمٍ لا يجف، وقطعاً مهترئة من لحمه تتساقط هنا وهناك.

كان رجلاً في الخمسين من عمره، جسده يحمل من السمرة الغامقة بقدر ما يحمل من تشققاتٍ إثر التعرض لأشعة الشمس الحارقة وعوامل المشقة في هذه الحياة. ذقن بها شعيرات سوداء وبيضاء وعيون قبل أن تُغمض كانت بنية. قطعٌ من قماش جلبابه، تغطي عورته التي فضحت كُثُراً، ولا زال الصليب مدقوقاً فوق وريده الأيمن، والاسم: "مجدي مكين" (1).

طاف الجسد. مرّ بكل النقاط الساخنة المحفوظة بشارع الحرية، جاءت به الأطياف من الباب الخلفي لكنيسة قصر الدوبارة ودلفت إلى الشارع سريعاً ثم صلّت عليه مرة أخرى عند مدخل مسجد عباد الرحمن، كأنها تلتمس لروحه الشفاء عند محراب كل مستشفى ميداني. أسرعت خطوات جسده المحمول عند نهاية سور الجامعة الأمريكية وانتقل إلى "الخرابة"، السور المقابل المتهالك، وحصل على راحة قصيرة هناك، ثم عادت من جديد جولات الطواف. كان عددها سبعة.

كانت أطياف أرواح شابة تتجمع بحماس في ساعة مبكرة من صباح ذلك اليوم، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. أطياف بعضها آتٍ من السماء والأكثرية من شوارع مرصوفة وأخرى متْرَبة في أنحاء الجمهورية المصرية. أطياف شهداء وأحياء جاؤوا ليعودوا إلى خندقهم المفضّل في تلك الحرب الدائرة.

طاف الجسد. مرّ بكل النقاط الساخنة المحفوظة بشارع الحرية، جاءت به الأطياف من الباب الخلفي لكنيسة قصر الدوبارة ثم صلّت عليه مرة أخرى عند مدخل مسجد عباد الرحمن، كأنها تلتمس لروحه الشفاء. أسرعت خطوات جسده المحمول عند نهاية سور الجامعة الأمريكية وانتقل إلى السور المقابل المتهالك، ثم عادت من جديد جولات الطواف. كان عددها سبعة. 

أغلقت الكاميرا عدستها بعد أن انتهى المشهد الصباحي الذي لم يجد مساحة لبثه في الفضاء الإلكتروني أو أي فضاء غيره حتى الآن..

- 2 -

في المساء، عاد صاحب أحد الأطياف إلى منزله، جلس في الصالة بحضرة والديه اللذين لا يعرفان كيف قضى صباحه. يحمل والده الـ "ريموت كنترول" ويمر بين القنوات، يتوقف أمام سيدة تصرخ في أحدهم: "اسمه المتوفي مش القتيل يا فندم"، كانت تلك المذيعة "أماني الطويل"، وعلى الطرف الآخر المحامي "علي الحلواني" محامي أسرة شهيد بلطجة الشرطة الجديد "مجدي مكين"، تجادله باسم "المهنية" عن كيف يدّعي بأن الرجل مات قتيلاً داخل قسم شرطة الأميرية على الرغم من عدم صدور التقرير النهائي للطب الشرعي واحتمالية أن يكون الرجل قد مات لأسباب أخرى غير التعذيب. يرد على استحياء : "يا فندم، الصور واضحة تسلّخ ونزف بالظهر والأفخاذ وتدلّي لحم المؤخرة وفتحة الشرج"، ترد: "و إزاي أهله دفنوه وهو على الحالة دي وبعد كده رجعوا يطالبوا بالتشريح"!!، يكمل في هدوء زائد :"حضرتك بتقولي معلومة غريبة جداً وبانية عليها تحليلك، الجثة اتدفنت بتصريح من النيابة بعد ما أثبتت المعاينة الاولى في المستشفى والمشرحة وجود إصابات بالغة. الراجل دخل القسم وخرج بالشكل ده في ليلة واحدة، لكن عموماً انا مع حضرتك وهاننتظر التقرير النهائي للطب الشرعي اللي ها يقول السبب الحقيقي للوفاة". تشكره على التزامه بالدقة وبالحيادية وتؤكد على أهمية التزام الإعلام بالمهنية... وتضيف: "لما تنتهي التحقيقات وتظهر الحقيقة، الشعب المصري مش هاينسى وهايحاسب كل اللي استغلوا الواقعة اللي مش معروفة أسبابها عشان أهداف أخرى!!".

كان رجلاً في الخمسين من عمره، جسده يحمل من السمرة الغامقة بقدر ما يحمل من تشققاتٍ إثر التعرض لأشعة الشمس الحارقة وعوامل المشقة في هذه الحياة. ذقن بها شعيرات سوداء وبيضاء وعيون قبل أن تُغمِض كانت بنية. قطعٌ من قماش جلبابه، تغطي عورته التي فضحت كُثُراً، ولا زال الصليب مدقوقاً فوق وريده الأيمن، والاسم: "مجدي مكين".

أدار والده القناة، وقد استشاط الجميع غضباً. تبادلوا التعليقات: "مش قتيل إيه؟ الراجل جسمه متسلخ"، "الشعب هايحاكم مين؟ اللي اتكلم ولا اللي قتل!!". رد عليهم صاحب الطيف: "من المسؤول عن تحوّل وضع العصا في مؤخرة المصريين الى منهج للتعذيب؟ ومن يورد العصا الحديدية نفسها لكل أقسام الشرطة؟ ومن ضرائب أي واحد منّا يُدفع ثمنها؟". يذكرهم بواقعة السائق "عماد الكبير" في 2007 ـ صاحب أول فيديو تعذيب يكشف كيف يمكن وضع العصا في مؤخراتنا جميعاً، فيتذكرون، ثم يحكي لهم عما لا يعرفون، عما لا يقل عن 7 حالات هتك عرض بأقسام الشرطة موثّقة في 100 يوم فقط ، عن عشرات القصص المشابهة التي تحدث دون توقف، ابتداءً من قصة المدرّس إيهاب محمد الذي أدخلت عصا خشبية في مؤخرته عام 2008 لإجباره على الاعتراف بسرقة 14 هارد كمبيوتر من المدرسة التي يعمل فيها، إلى قصة الطفل مازن ابن الـ 14 عاماً الذي تم صعقه في عضوه بالكهرباء، وإدخال عصا بشرجه داخل قسم مدينة نصر عام 2014 للاعتراف بمشاركته في مخططات تخريبية. الحالات واسعة وتتكرر، وأصولها التاريخية تعود إلى قديم الزمن على يد ضابط الشرطة يوسف الشافعي الذي قُتل داخل مركز البداري عام 1932 بمحافظة أسيوط بسبب هتكه عرض رجلين من القرية.

"من المسؤول عن تحوّل وضع العصا في مؤخرة المصريين الى منهج للتعذيب؟ ومن يورد العصا الحديدية نفسها لكل أقسام الشرطة؟". يذكرهم بواقعة السائق "عماد الكبير" في 2007 ـ صاحب أول فيديو تعذيب يكشف كيف يمكن وضع العصا في مؤخراتنا جميعاً، فيتذكرون. ثم يحكي لهم عما لا يقل عن 7 حالات هتك عرض بأقسام الشرطة موثّقة في 100 يوم فقط

وقف "صاحب الطيف" بعد أن نام كل مَن في البيت على شرفة بلا قمر، وأخذ يتذكر روحه التي زارت "محمد محمود" وما عاشه هناك في حضرة شهيد جديد. تذكر كل ما مرّ به وبأصدقائه على مدار ست سنوات منذ اندلاع ثورتهم ظهيرة 25 يناير 2011، تذكّر كل ما كان حتى أدركته شقشقة فجر يوم جديد.  

حكى لهم ـ ولا زالوا يستمعون له بعد أن أغلقوا التلفاز ـ عما كان يحدث أثناء قتل "مجدي مكين" داخل سجن برج العرب من حملات تفتيش دموية للزنازين، حيث تم تجريد السجناء - سياسيين وجنائيين - من كل ما لديهم من مراتب وبطاطين وأي مستلزمات معيشية أخرى، وعند اعتراضهم ورفضهم السماح بسحب عدد من السجناء إلى غرف التعذيب، تم الاعتداء عليهم بقنابل الغاز والخرطوش تحت إشراف مساعد وزير الداخلية حسن السوهاجي. كما تم الاعتداء على ذويهم الذين تجمهروا خارج أسوار السجن، وكانوا لا يملكون إلا البكاء والهتاف وهم يسمعون أصوات الصراخ في الداخل.

حكى لهم وهو يسأل أخيراً عن معنى "المهنية" التي تتحدث عنها الست المذيعة ومعنى "فردية" التي يتحدث عنها كل "وزير" للداخلية.

شعر بشيء من الرضا بسبب تلاقي الآراء بينه وبين والديه، وهو أمرٌ لم يعتده سابقاً، أما مؤخراً فبات كثير الحدوث. ولكن هل يكفي هذا وحده لتحقق ما يتمناه أو ينتظره؟ وهل حقاً ينتظر؟ وماذا ينتظر؟ هل يبحث هو الآخر عن الرسول القادم؟ عمن يأتي بعده؟ أسئلة تدور في عقل صاحب الطيف دون إجابات واضحة..

- 3 -

وقف "عبد الصبور" قبل سبعين عاماً عند مطلع الأمل واختتم مسرحيته قائلاً على لسان "المجنون": يا سيدنا القادم من بعدي| أنا أصغر من ينتظرونك في شوق محموم| لا مهنة لي، إذ إني الآن نزيل السجن| متهماً بالنظر إلى المستقبل| لكني أكتبُ لكْ| باسم الفلاحين، وباسم الملاحين| باسم الحدادين، وباسم الحلاقين| والحمّارة والبحّارة| والعمال وأصحاب الأعمال| نرجو أن تأتي وبأقصى سرعة| فالصبر تبدّد| واليأس تمدّد| إما أن تدركنا الآن| أو لن تدركنا بعد| حاشية: لا تنسَ أن تحمل سيفك.

أيها الفارس المهزوم ذو السيوف الخشبية، أُكمل عنك وأقول: في بلدٍ يلتقط الجناة بالبدلة الميري صورَ "سيلفي" بعد إخلاء سبيلهم من قبل جهات التحقيق، لا يوجد مستقبل. في بلد عدم السماح ومكافحة كل كفاح، لا يوجد مستقبل.

ووقف "صاحب الطيف" بعد أن نام كل من في البيت على شرفة بلا قمر، وأخذ يتذكر روحه التي زارت "محمد محمود" وما عاشه هناك في حضرة شهيد جديد. تذكر كل ما مرّ به وبأصدقائه على مدار ست سنوات منذ اندلاع ثورتهم ظهيرة 25 يناير 2011، تذكّر كل ما كان حتى أدركته شقشقة فجر يوم جديد.

نظر مرتين في أوراق المسرحية التي بيده، ومشى خطوة للأمام، لا من أجل أن يحمل سيفه، ولكن ليمسك القلم، وبعث من مكانه وزمانه رسالة "للمجنون"، جاء فيها:

أيها الرسول المهزوم الذي انتظرتنا حتى نأتي، لا زالت مصر كما وصفتها قبل سنين بلا مستقبل، ليس فقط لأن الناس تذهب إلى مخفر الشرطة بمحض الصدفة، ولكن لأنه لا يمر شهر دون أن يضع حارسٌ عصاه الحديدية في مؤخرة أحدهم.

"الصور واضحة: تسلّخ ونزف بالظهر والأفخاذ وتدلي لحم المؤخرة وفتحة الشرج".

أيها الفارس المهزوم ذو السيوف الخشبية، أكمل عنك وأقول: في بلدٍ يلتقط الجناة بالبدلة الميري صورَ "سيلفي" بعد إخلاء سبيلهم من قبل جهات التحقيق (2)، لا يوجد مستقبل. في بلد عدم السماح ومكافحة كل كفاح، لا يوجد مستقبل.

أيها الشاعر المهزوم، يا من حمّلوك الصبر، وانتظرتَ مع القادم بشارة، أُخبرك انه لم يأتِ من بعدك إلا أتباع من الحالمين المجْهَدين الذين لا يملكون من الحياة إلا شبهة الجسارة ووصمة الخسارة وحماقة الأمل. 

______________________

*هذا قسم أول من القصة، والبقية تلي. كتب النص في سنة 2017.

______________________

1- مجدي مكين هو بائع سمك في تلك الناحية، وقد اعتقل بالصدفة.  
2- تمّ في البداية إخلاء سبيل عناصر الشرطة المتهمين بتعذيب وقتل مجدي مكين.

مقالات من مصر

للكاتب نفسه