التغير المناخي يهدد حلم السودان بأن يصبح سلة غذاء

مظاهر التغير المناخي عديدة وتتراوح بين السيول والفيضانات ونقيضها أحياناً على شكل موجات جفاف مع ارتفاع مطِّرد في معدلات درجات الحرارة، ثم تبعات ذلك السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأبرزها الحراك الاجتماعي الضخم بحثاً عن مناطق أكثر ثراء بالنسبة للمزارعين والرعاة، هذا إلى جانب الذين ييمِّمون وجههم شطر المدن والمراكز الحضرية بحثاً عن مأوى وفرصة عمل.
2022-10-06

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
| en
غسان غائب - العراق

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

يشير تزايد معدلات التأثيرات السلبية لظاهرة التغير المناخي وما يتفرع عنها من عوامل مساندة، وخاصة ضعف الدولة وعدم الاستقرار السياسي، إلى إمكانية إحداث نقلة نوعية في تركيبة السودان المناخية، الأمر الذي يثير أسئلة جدية عن مستقبل موارد البلاد الطبيعية التي يُنظر إليها عادة على أساس أنها تمثل احتياطياً يمكن تطويره ليصبح السودان سلة غذاء إقليمية على الاقل.

مظاهر هذا التغير المناخي عديدة، وتتراوح بين السيول والفيضانات، ونقيضها أحياناً على شكل موجات جفاف مع ارتفاع مطِّرد في معدلات درجات الحرارة، ثم تبعات ذلك السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأبرزها الحراك الاجتماعي الضخم بحثاً عن مناطق أكثر ثراء بالنسبة للمزارعين والرعاة، هذا إلى جانب الذين ييمِّمون وجههم شطر المدن والمراكز الحضرية بحثاً عن مأوى وفرصة عمل، مما يحرم المناطق الزراعية من قوة عمل ويضيف إلى المدن عبئاً جديداً وضغوطاً على بُناها الأساسية.

يعتبر السودان نموذجاً لحالة التغيّر المناخي، وظواهر عدم استقراره بما يؤثر على الوضع الايكولوجي حيث تتزايد وتيرة الاضطرابات الجوية وتتمدد حالة الهشاشة المناخية التي تعيش فيها البلاد على الرغم من غنى مواردها الطبيعية. ووفقاً لدراسات عديدة جعلت أساسها معدلات الحرارة للفترة بين 1961 و1990، لوحظ أن درجات الحرارة تسجل ارتفاعاً متعاظماً، ويتوقع لها أن تضيف ما بين 1.1 إلى 3.1 درجة بحلول العام 2060، وأن أكثر المناطق تأثراً هي تلك الصحراوية وشبه الصحراوية، وتشمل ولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر. كما لوحظ خلال هذه الفترة وجود تناقص في حجم الأمطار، وكذلك حدوث تغير في أعداد الأيام الممطرة، وتأخر في بدء موسم الخريف إلى جانب زيادة في طول فترات الجفاف، وهو ما يرشِّح لحدوث صدمة مناخية بسبب التسارع والقرب الزمني مع فترة السيول والأمطار، مما يهدد الأراضي الزراعية وبالتالي النمط المعيشي الذي يعتمده غالبية السكان.

يقع السودان في منطقة تعتبر من الأكثر تأثراً بصورة سلبية بعمليات التغيّر المناخي حتى وصل الأمر بأحد التقارير (1) إلى القول إن مناطق شاسعة في السودان قد تصبح غير قابلة للحياة البشرية، الأمر الذي سيؤدي إلى موجات نزوح كبيرة نحو المناطق الحضرية وباتجاه النيل وروافده، ما يعرض تلك المناطق إلى ضغوط أكبر من قدرتها على تحملها، فهي مناطق مدينية وتعاني أصلاً من ضعف وهشاشة الخدمات المقدمة فيها لجهة توفير للمأوى ومياه الشرب وغيرها.

وعلى الرغم من تراجع مساحة السودان إلى 1.8 مليون كيلومتر مربع بعد انفصال جنوب السودان في 2011، لكن البلاد لا زالت تتمتع بتنوع مناخي وأيكولوجي كبيرين، كما تتراوح فيها درجات الحرارة بين 26 و42 درجة، وتتوزع بين خمس مناطق مناخية رئيسية: فهناك الصحراء التي تحصل على معدل أمطار سنوي في حدود 75 مليمترا أو أقل، ثم مناطق شبه الصحراء ويتراوح هطول الأمطار فيها بين 75 إلى 300 مليمتر، ثم منطقة "السافنا" منخفضة الأمطار التي تهطل فيها بمعدل 300 إلى 800 مليمتر. ثم منطقة "السافنا" ذات الأمطار كثيفة الهطول وتتراوح بين 800 إلى 1500 مليمتر، وأخيراً المنطقة الجبلية ذات الغطاء النباتي الكبير ومعدل أمطارها يتراوح بين 300 إلى 1000 مليمتر في العام.

وفقاً لدراسات عديدة انطلقت من معدلات الحرارة للفترة بين 1961 و1990، لوحظ أن درجات الحرارة تسجل ارتفاعاً متعاظماً، ويتوقع لها أن تضيف ما بين 1.1 إلى 3.1 درجة بحلول العام 2060. 

يلحظ انحسار الغطاء النباتي أو ما يطلق عليه التصحر. والسودان من أكثر الدول تعرضاً للتصحر وقد بدأ الاهتمام بهذه الظاهرة منذ القرن الماضي، ولو أن الخطط التنفيذية لمواجهتها شهدت تباطؤاً ملحوظاً لأسباب متباينة تتوزع بين ضعف الإمكانيات وعدم المتابعة وغياب الاستقرار السياسي. ولهذا يقدَّر (2) أن السودان فقد ما بين ربع مليون إلى مليون وثلاثمئة ألف هكتار من الغطاء النباتي والغابي خلال العشرين عاماً الماضية، الأمر الذي جعل المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية تشكل أكثر من ثلثي مساحة البلاد.

شهدت مناطق غرب السودان، خاصة إقليم "دارفور" دورات متعاقبة من الجفاف الذي ضربها بصورة متواصلة منذ منتصف ستينات القرن الماضي، حيث تراوحت معدلات هطول الأمطار بين 100 إلى 600 مليمتر في العام. ولعبت عوامل إضافية، علاوة على الجفاف، أدواراً مهمة في تسريع عمليات التصحر هذه، ومنها النمو السكاني الكبير، وإزالة الغطاء النباتي الطبيعي، وتهيئة الأرض للزراعة بدون الاهتمام بالبيئة النباتية، خاصة وأن المنطقة التي يتم استصلاحها يتم هجرها في الموسم التالي والاتجاه للزراعة في منطقة مختلفة. وخلال هذه العمليات اقطع الأشجار سواءً لاستخدامها وقوداً أو لأغراض أخرى وبدون الاهتمام بتعويض ما قُطع منها. وتشير بعض التقديرات (3) إلى أن نحو نصف مليون شجرة يتم قطعها سنوياً ومن بينها شجر الهشاب الذي ينتج الصمغ العربي.

وقد تعرضت تلك المناطق، وتحديداً "دارفور" بين عامي 1980-1984 إلى فترات قاسية من الجفاف، إلا أن تلك الفترة كانت في واقع الأمر تتويجاً لفترات جفاف متباينة في طولها وحدّتها، ميزت المرحلة بين الأعوام 1967 وإلى 1973، بل وأعقبتها موجات جفاف أخرى وبصورة متصلة بين العام 1987 وحتى العام 2000. وتقدر دراسة لبرنامج الأمم المتحدة البيئي (4) أن تلك الفترة شهدت فقدان نحو ثلث المناطق الغابية وتراجع الغطاء النباتي، كما أن الحد الجغرافي للمنطقة شبه الصحراوية سجل توسعاً إلى الجنوب في مختلف المناطق عبر السودان، في مساحة تتراوح بين 90 الى 100 كيلومتراً في فترة 17 عاماً، كما تشير دراسة في العام 1975 (5)، أي ان الصحراء تتمدد بمقدار 5-6 كيلومتر جنوباً كل عام.

أسهمت عمليات الجفاف هذه في إفقار التربة والغطاء النباتي في الوقت الذي تتزايد فيه عمليات الرعي مع تزايد أحجام الثروة الحيوانية بمتواليات كبيرة واعتماد نسبة تزيد على 70 في المئة من السكان على الأرض للزراعة والرعي. لكن مع اضمحلال الموارد الطبيعية، أصبحت النزاعات بين المزارعين والرعاة تتزايد حتى اعتبرت من الأسباب الرئيسية للصراع في "دارفور" الذي انطلق بصورة واضحة في العام 2003 بعد أن ظل على نار هادئة طوال العقود السابقة، بسبب تتالي موجات الجفاف والتصحر في المنطقة، وهو ما دفع وقتها سكرتير عام الأمم المتحدة الأسبق "بان كي مون" إلى وصف النزاع في "دارفور" الذي وصل إلى مجلس الأمن بأنه أول نزاع ينطلق من أساس بيئي.

الأمر في الواقع لا يقتصر فقط على تضعضع قدرات الأراضي الزراعية والرعوية لأسباب مناخية، وإنما يضاف إلى ذلك سوء إدارة موارد الأرض والمياه طوال فترة العقود السبعة الماضية منذ استقلال البلاد، وقد بقي أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر. وليس أدل على هذا الفشل من تكرار كوارث السيول والفيضانات واتساع نطاق المناطق المتأثرة بها وتفاقم مآسيها عاماً إثر عام، وقد أصبح همّ الحكومات المتعاقبة، من عسكرية ومدنية، هو كيفية نجاحها في استقطاب العون الأجنبي لمقابلة هذه الكوارث التي يبدو وكأنها تأخذ المسؤولين على حين غرة كل عام.

ويدخل هنا أيضاً العامل الخاص بالتبخر في مياه النيل وروافده والأنهار، خاصة مع مشروعات الري الهايدرولوجي وتأثيرها على تدفق المياه، التي يتوقع لها أن تحقق زيادة في تدفقها خلال العقد المقبل، ثم تبدأ في التراجع بعد ذلك وحتى العام 2050، بكل ما يعنيه ذلك من انعكاسات على الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والخدمية في المناطق الموجودة على ضفاف الأنهار أو تلك المستفيدة من الري المنتظم.

موسم الفيضان

يمثل المدى الزمني بين شهري حزيران/ يونيو وأيلول / سبتمبر من كل عام فترة حرجة، إذ تتصاعد فيها مناسيب الأنهار والنيل بسبب الفيضان مما تنجم عنه عادة خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وقد سجل العام 1946 حضوراً في الذاكرة الجمعية للعديد من السودانيين كونه شهد واحداً من أعنف فيضانات نهر النيل حتى أصبح ذلك العام علامة فارقة يؤرخ به للمناسبات الاجتماعية للمواليد والأفراح والأتراح، إلى جانب بعض المناسبات العامة. ولا غرو، ففي ذلك العام سجلت مقاييس النيل ارتفاعاً غير معهود إذ بلغت 17.14 متراً مكعباً، ما تسبب في دمار كبير وأوقع خسائر بشرية ومادية لا تزال تفاصيلها حية في الذاكرة، بل واتجه تأثير ذلك الفيضان شمالاً حتى مصر وهدد بإغراق منطقة الدلتا.

يوجد تناقص في حجم الأمطار، وكذلك حدوث تغير في أعداد الأيام الممطِرة، وتأخر في بدء موسم الخريف إلى جانب زيادة في طول فترات الجفاف، وهو ما يرشِّح لحدوث صدمة مناخية بسبب التسارع والقرب الزمني مع فترة السيول والأمطار، مما يهدد الأراضي الزراعية والرعوية وبالتالي النمط المعيشي الذي يعتمده أكثر من 70 في المئة من السكان.

ذلك الفيضان الذي أخذ الجميع على حين غرة أدى إلى رد فعل تلقائي من المتأثرين، فعملوا ما بوسعهم لإقامة الحواجز أمام المياه المتدفقة، وبجهد شعبي خالص في معظمه، وهو ما خلدته الأغنية الشعبية التي لا يعرف لها مؤلف بعينه والتي يقول مطلعها:

عجبوني الليلة جو

ترسو البحر صددوا

وهي تحكي عن جزيرة "توتي" الصغيرة الواقعة في قلب العاصمة الخرطوم، وكيف تصدى أهلها للمياه المتدفقة نحو أراضيهم ومساكنهم، مثل ذلك الموظف الذي خلع بدلته وربطها من أطرافها ليستخدمها ككيس ملأه بالتراب ليسد أحد الثغرات. وقام الفنان "حمد الريح"، وهو من أبناء "توتي" بإعادة بعث الاغنية التي يعود تاريخها إلى أكثر من 70 عاماً وأصبحت متلازمة لموسم الفيضان الذي تعيشه البلاد لفترة ثلاثة أشهر من كل عام.

فيضانات اجتاحت الخرطوم

على إن ظاهرة الفيضانات خرجت من ذاكرة التاريخ لتصبح واقعاً حياً كظاهرة مناخية يجري التعايش معها ومع تبعاتها التي تصل أحياناً في حدتها المرحلة الكارثية، كما حدث في العام 1988 إذ بلغ حجم ارتفاع الفيضان 15.68 متراً وخلّف 76 قتيلاً ومئات المصابين إلى جانب خسائر مادية أخرى. بل إن العام 2013 شهد فيضاناً تجاوز في حدته فيضان 1946 الأسطوري إذ بلغ ارتفاعه 17.4 متراً ونتج عنه وفاة 50 شخصاً وفق الأرقام الرسمية المعلنة، إلى جانب تضرر 300 ألف نسمة وتدمير ربع مليون منزل. وتكرر الأمر بعد ذلك بخمس سنوات وبلغت الخسائر 23 قتيلاً وإصابات متنوعة لأكثر من 200 ألف وتدمير قرابة 20 ألف منزل. وقبل عامين تحديداً، تجاوز الفيضان المعدلات القياسية التي بلغها من قبل في عامي 1946 و1988 إذ بلغ ارتفاع منسوب النيل في العام 2020 نحو 17.66 متراً مكعباً وتسبب بوفاة 138 شخصاً وتضرر أكثر من نصف مليون شخص بصورة ما، إلى جانب الخسائر المادية. كما أن العام الماضي شهد تأثر نحو 315 ألف نسمة وفق أرقام للأمم المتحدة. وفي خريف هذا العام 2022، تأثرت 15 ولاية من ولايات السودان الثمانية عشر بهذه الأمطار والسيول والفيضانات، التي وصلت إلى مناطق لا تقع عادة في إطار المساحات الخاضعة للتقلبات المناخية.

وأصبحت كيفية السيطرة على مياه الفيضانات في قلب الجدل الخاص بسد النهضة الأثيوبي إذ يرى فيه البعض فائدة للسودان لهذا الجانب.

يُلحظ انحسار الغطاء النباتي أو ما يطلق عليه التصحر. والسودان من أكثر الدول تعرضاً للتصحر، حتى وصل الأمر بأحد التقارير إلى اعتبار أن مناطق شاسعة في السودان قد تصبح غير قابلة للحياة البشرية، مما سيؤدي إلى موجات نزوح كبيرة نحو المناطق الحضرية وباتجاه النيل وروافده، ما يعرض تلك المناطق إلى ضغوط أكبر من قدرتها على تحملها.

مع اضمحلال الموارد الطبيعية، أصبحت النزاعات بين المزارعين والرعاة تتزايد حتى اعتُبرت من الأسباب الرئيسية للصراع في "دارفور" الذي انطلق بصورة واضحة في العام 2003 بسبب تتالي موجات الجفاف والتصحر في المنطقة، وهو ما دفع سكرتير عام الأمم المتحدة الأسبق "بان كي مون" إلى وصف النزاع في "دارفور" بأنه أول نزاع ينطلق من أساس بيئي. 

ولقيت السيول التي غمرت منطقة "المناقل" في وسط السودان اهتماماً شعبياً وإعلامياً اتخذ أبعاداً سياسية بسبب حجم الكارثة التي أصابت المنطقة وسكانها وتجاهل المسؤولين لما لحق بها. ويرى بعض المهندسين الذين درسوا صور الأقمار الصناعية أن المنطقة تعرضت إلى فيضانات مفاجئة ناتجة عن هطول أمطار غزيرة في المناطق الجنوبية انحدرت عبر الأراضي المنخفضة إلى منطقة "المناقل". لكن بعض مهندسي الري يشيرون إلى قدر من الإهمال، فمنذ بداية شهر آب/ أغسطس يُفترض أن يكون هناك رفع تدريجي للطلب على المياه في القنوات التي تروي "مشروع الجزيرة" و"المناقل"، الأمر الذي يؤدي إلى تقليل الوارد من الخزان في "سنار" عبر الترعتين الرئيسيتين اللتين تسقيان أراضي "مشروع الجزيرة"، وذلك لاستيعاب المياه الإضافية نتيجةً لهطول الأمطار. وتستمر هذه العملية حتى منتصف الشهر وتصل إلى الصفر مع ازدياد تدفق الأمطار، لكن ذلك لم يتم بالصورة المعروفة والمعتادة، إضافة إلى أن بعض المصارف لم تتلق الصيانة المطلوبة ولم تُنظّف حتى. وهكذا تحولت القنوات إلى مخازن للمياه غير منظمة عندما حاصرت مياه السيول القرى والمناطق المنخفضة.

احتلت عبارة "التغيّر المناخي" مكانها في مجرى النقاش العام خلال العقود الثلاثة الماضية بسبب تكرار الظواهر من موجات جفاف وسيول وفيضانات تصحبها انعكاسات سياسية واجتماعية وتنتهي إلى تبعات أمنية. ثم إن السودان يقع في إطار الدائرة التي تشملها دراسات وأبحاث تتعلق بالبيئة والتغير المناخي التي تخص القارة الإفريقية، سواء في منطقة القرن الإفريقي، أو شمال القارة، وكذلك المنطقة العربية. فللسودان حصة في العالمين العربي والإفريقي. وكانت الهيئة الحكومية للتنمية المعروفة باسم "أيقاد" وتضم دول شرق أفريقيا بما فيها السودان، قد أقامت لها مركزاً للتنبؤات المناخية وتقديم خدمات الإنذار المُبكر إذ توقعت ومنذ حزيران/يونيو المنصرم أن يشهد هذا العام خريفاً مختلفاً.

وتعتبر العاصمة المثلثة الخرطوم، بتوأميها أم درمان والخرطوم بحري، حالة متميزة فيما يتعلق بالمناخ، إذ تقع بين السهل والساحل اﻹفريقيين وفي منطقة أكثر انخفاضاً وبالتالي تعتبر مساراً طبيعياً للسيول المتدفقة بسبب الطوبوغرافيا التي تجعل النيلين الأبيض والأزرق يلتقيان عندها ويشكلان نهر النيل قبل أن ينطلق شمالاً نحو مصر.

ثم إن الخرطوم وبسبب جاذبيتها المدينية كعاصمة وكمركز للنشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي، أصبحت تحتضن حوالي ثمانية ملايين نسمة يعيشون في مساحتها التي تقدر بحوالي ثمانية آلاف كيلومتر مربع. حركة هؤلاء الناس ومختلف أنشطتهم واستهلاكهم للوقود الأحفوري وتشغيلهم لمختلف أنواع الماكينات التي تنفث دخاناً من عوادم السيارات وماكينات المصانع والمكيفات... كل ذلك يؤدي إلى تشكيل سحابة ضخمة من ثاني أكسيد الكربون والغبار وبخار الماء، تظلل سماء العاصمة طوال النهار وتُسهم في إبقاء درجة الحرارة مرتفعة حتى الليل.

ملكية شخصية

من ناحية أخرى أدى الصراع على الموارد إلى تغيير في علاقات السكان إذ أصبحت الملكية الشخصية للمزارع والمراعي هي الأساس الذي يتم عبره التعامل بدلاً مما كان سائداً في السابق حيث كانت هذه الموارد تعتبر ملكية عامة للمجتمعات المحلية. وأصبح بالتالي من المهم الحصول على موافقة من أصحاب هذه الحيازات وإلا تمّ النظر إليها على أساس أنها تعدٍ على ملكية شخصية ويتم التصدي لها انطلاقاً من هذا المفهوم الذي ساهم مع عوامل أخرى في إبقاء جذوة الصراع في "دارفور" متّقدة على الرغم من وجود قوات سلام للأمم المتحدة تقدر أعدادها بعشرات الآلاف صُرفت عليهم مليارات الدولارات خلال فترة وجودهم التي استمرت 13 عاماً. إلا أن دورة العنف استمرت ووصلت إلى أعلى معدل لها في العام الماضي إذ بلغ عدد النازحين 260 ألفاً، وهو ما يماثل أربعة أضعاف النازحين في العام 2020، وذلك على الرغم من الإطاحة بالرئيس عمر البشير المتهم بواسطة محكمة الجنايات الدولية بأنه تسبب في إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في "دارفور".

وتأثير التغير المناخي أوضح ما يكون في "دارفور" من نواحي تطاول مواسم الجفاف وأن الجو أصبح أكثر حرارة وموسم الأمطار لا يمكن التنبؤ به/ وهو ما أثر سلبياً على نمو الحياة وتحركات السكان. ومع أن اتفاق جوبا للسلام 2020 يتضمن بنوداً تضمن للنازحين العودة إلى قراهم، لكن كثيرون ممن عادوا وجدوا مناطقهم وقراهم قد احتلها أناس آخرون مما أضاف تعقيداً جديداً بأبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية.

وكانت بعض الدراسات الأمريكية بقيادة "مارشال بيرك" (6) قد ربطت بصورة واضحة بين التغيرات المناخية في الدول الإفريقية جنوب الصحراء وتفجّر النزاعات الأهلية متعددة الأشكال. وخلصت تلك الدراسات وبالأرقام إلى أن زيادة درجة واحدة في معدلات الحرارة تؤدي إلى زيادة بنسبة 4.5 في المئة في إمكانيات انطلاق شرارة النزاعات والحروب الأهلية في العام نفسه وبنسبة 0.9 في المئة في العام التالي. وتتوقع الدراسة (7) واستناداً إلى متابعة 18 نموذجاً مناخياً أنه بحلول العام 2030 فإن التغيرات المناخية يمكن أن تؤدي إلى زيادة تصل إلى 54 في المئة من النزاعات في الإقليم بسبب عدم الوضوح في الجانب الاقتصادي الناجم عن ارتباط الأرض بالظواهر الطبيعية، من زيادة في درجات الحرارة ودورات جفاف وهطول الأمطار وما يمكن أن يتبعها من سيول.

لا يقتصر الأمر على تضعضع قدرات الأراضي الزراعية والرعوية لأسباب مناخية، وإنما يضاف إلى ذلك سوء إدارة موارد الأرض والمياه طوال فترة العقود السبعة الماضية منذ استقلال البلاد، حيث بقي أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر. وليس أدل على هذا الفشل من تكرار كوارث السيول والفيضانات واتساع نطاق المناطق المتأثرة بها وتفاقم مآسيها عاماً إثر عام.

الفيضانات أصبحت واقعاً حياً كظاهرة مناخية يجري التعايش معها ومع تبعاتها التي تبلغ أحياناً في حدتها المرحلة الكارثية. وفي الخريف من هذا العام، 2022، تأثرت 15 ولاية من ولايات السودان الثمانية عشر بهذه الأمطار والسيول والفيضانات، التي وصلت إلى مناطق لا تقع عادة في إطار المساحات الخاضعة للتقلبات المناخية. 

ومع النسبة الكبيرة من السكان التي تعتمد على الأرض لإدارة شؤونها وكسب العيش عبر ممارستها الزراعية والرعوية، ومع تزايد عمليات التصحر وقلة الأمطار فإن إمكانيات توفير المساندة المعيشية لهذا القطاع من سكانها تبدو في تراجع. ولهذا يرى أحد تقارير (8)  المنظمات الدولية أن السودان أصبح يحتل المرتبة رقم 98 من جملة 113 قطراً في "مقياس الجوع العالمي"( Global Hunger Index).

ومع تزايد دورات الجفاف وعلاقات الإنتاج الملتبسة لغير صالح أهل القرى والمناطق الريفية، فإن الكثيرين من سكان هذه المناطق يهاجرون إلى المدن القريبة وإلى المناطق قرب نهر النيل وفروعه بحثاً عن الرزق، الأمر الذي يسجّل زيادة في نسبة السكان الذي يعيشون في المدن. عند الاستقلال كانت نسبة التحضر وسط السكان تبلغ 18.5 في المئة وارتفعت إلى 29.8 في المئة في العام 2008، ثم تتالت الزيادات إلى أن بلغت 35.59 في المئة العام الماضي.

وفي الوقت الذي بلغ فيه عدد التجمعات الحضرية نحو 68 تجمعاً عند أول إحصاء سكاني في العام 1955/1956 فإن العدد ارتفع إلى 115 تجمعاً في إحصاء 1983 ثم إلى 122 في إحصاء 1993، الذي يشير إلى أن الريف يخسر في مباراته مع المدينة. إحدى نتائج هذه الهجرة غير المنظمة التي لعبت ولا تزال تلعب فيها حالة عدم الاستقرار الأمني في مناطق النزاعات، أن القادمين الجدد يتجهون إلى بناء مساكن لهم بصورة عشوائية وأحياناً في مناطق منخفضة تصبح معرضة للسيول وتشكل بذلك جزءاً من اللوحة المأساوية لكوارث فصل الخريف والأمطار. 

محتوى هذه المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________________

1   - Climate change could render Sudan 'uninhabitable' - CNN- https://www.cnn.com/2016/12/07/africa/sudan-climate-change
2   - Combating Desertification in Sudan :Experiences and Lessons Learned- PDF
By: Sarra A.M. Saad, Adil M.A. Seedahmed, Allam Ahmed, Sufyan A.M. Ossman, Ahmed M.A. Eldoma
3   -Desertification in Sudan, Concept, Causes and Control
By: Abd Almohsin Rizgallah Khairalseed, University of Sinnar, Faculty of Agriculture
4   -UNEP (1992), Saving Our Planet: Challenges and Hope, the State of Environment 1972-1992, Nairobi, UNEP
5   - وردت المعلومة في مرجع الهامش رقم 2: Combating Desertification in Sudan
6   - الاستاذ في جامعة "ستانفورد" في الولايات المتحدة الامريكية.      
7   - Climate, Conflict and Social Stability: What Does the Evidence Say?      
8   -  2017 Global Hunger Index: The Inequalities of Hunger     
By: International Food Policy Research Institute, Washington

مقالات من السودان

السودان… هل وقع الجميع في براثن العجز؟

مثلما تتلاشى يومياً فرص تقدّم الانقلاب إلى الأمام مستعيناً تارة بالقوى السياسية التي شاركت نظام البشير وتارة بالإدارات الأهلية، تتلاشى أيضاً فرص الوصول لمركز موحّد لمناهضة الحكم العسكري، وهو الأمر...

للكاتب نفسه

أوبك وعودة مختلفة لأجواء السبعينات

في الخامس من الشهر الجاري، تشرين الأول/ أكتوبر، اجتمعت "أوبك بلس" وقررت تقليص الإنتاج بمقدار مليوني برميل يومياً، وهي الخطوة التي استفزت واشنطن ودفعت ببايدن إلى التهديد بأنه ستكون لها...

قضية الأرض وراء صراعات السودان

مفهوم الحواكير والسيطرة على الأرض تتصادم مع مفاهيم الدولة الحديثة والمساواة في الحقوق والواجبات وحق كل مواطن في التملك، بل إن نظام "التُبّع" يعني عملياً وضع بعض المواطنين في المرتبة...