شهادتي عن "تمرد" ورابعة: الفواتير المؤجلة

لم يكن أحد منا يملك رفاهية الحديث بأكثر من عشر كلمات إزاء يوم يحتشد بالموت: "14 آب/ أغسطس 2013.. من كان بلا عقل فهو شقي، من كان بلا قلب فهو آثم". هل كانت تكفي؟ بالطبع لا.
2022-08-14

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
من مجزرة رابعة 14-08-2013

"الفواتير المؤجلة لا بد أن تُدفع.. والمعرفة المتأخرة لن توقف ذلك". جملة جاءت يوماً على لسان الجميلة "عبير السعدي" (1)، سجّلْتها و قررتُ إني إذا عدتُ يوماً لأكتب عن "تمرد" (2) فسأبدأ بها.

أفعل الآن (3) على الرغم من أني أعلم أن القصة لم تكن أبداً معرفة ولكن فعلاً متأخراً ـ وهذا هو الألعن، هذا هو الأذل ـ حتى وإن كان ما وقف وراءه يوماً هو الرغبة في استبقاء أمل فَقد كل أسباب خلقه أو محاولة استعادة ما لم يعد من الممكن استعادته.

جاء متأخراً، فكان كصبر عقيم فقد كل ريحانه.

جاء متأخراً.. وفي تأخره كاد أن يقضي على كل الأخضر واليابس في داخلي، "أنتِ نفدتِ بأعجوبة"، هكذا قالتها لي سريعاً الأستاذة "نجلاء بدير" (4) في يوم رأته هي، تلا تنفسي الصعداء وخروجي من الدوامة. لكن هل تراني وصلتُ إلى هذه النقطة حقاً؟ هل منذ ذلك اليوم وصاعداً يمكنني فعلاً أن أتنفس الصعداء كاملة؟.. بالطبع لا!

خرج بيان "تمرد" بعد تعديلات ومناقشات، ولم يلتفت له أحد فقد جاء باهتاً متأخراً وسط مهرجان التأييد. خرج البيان ودخلتُ أنا مجدداً الى دهاليز الحملة، وشملتني ـ أنا وغيري من المجروحين في ثورتهم الخائفين من تلوثها في داخلهم ـ فكرة لم تكن صحيحة على الإطلاق وهي أنه يمكن الإصلاح من الداخل. 

"لم نعد بعد هذا اليوم كما كنا".. أليس هكذا حاولتَ يا "خالد عبد الحميد" (5) صياغتها نيابة عنا ظهر 14 آب/ أغسطس 2013 بينما لا زالت تدور على الأرض فصول المجزرة؟ أما شقيقتي الكبرى التي كانت ترفض بحسم أي حديث عن الفض وانسحبت مبكراً من "تمرد" فقالت "من اليوم سأصمت فلم يعد هناك ما يمكن أن يُقال".

كتبتُ أنا أيضاً يومها جملة واحدة، فمن الواضح أنه لم يكن أحد منا يملك رفاهية الحديث بأكثر من عشر كلمات إزاء يوم يحتشد بالممات: "14 أغسطس 2013. من كان بلا عقل فهو شقي.. من كان بلا قلب فهو آثم".. هل كانت تكفي؟.. بالطبع لا.

لماذا لم يملك الصمت في تلك اللحظة يد عظمى لتكبيلنا ومن ثَم ابتلاعنا ما دمنا نعلم أننا لن نستطع ما حيينا أن نهضم ما حدث؟ لكنه لم يفعل ومضينا جميعاً ـ عدا من رحل ـ قدماً. لكن هل تساوت الخطوات؟ هل وقفنا فوق الخط نفسه عند المنطلق؟ وهل من العدل أن نتساوى اليوم؟ بالطبع لا.

لماذا أكتبُ الآن؟ لا لشيء محدد غير أنني أحتاج فعل ذلك بشكل شخصي فألتمس لمن يقرأه أن يغفر لي الرغبة في كتابته.. ولأن ما نكتبه حين نحتاجه ـ إذا ما صدق ـ قد يكون بوابة مرور لغيرنا للحظة قادمة أو إعادة تعريف آخر للحظة كانت. هل أنا موقنة أنه سيؤدي إلى ذلك؟ بالطبع لا.

ولكن "ليس إلاّ أن تحاول".

ولقد حاولتُ كثيراً ولكنها لم تكن أبداً محاولة كما ينبغي لها أن تكون. ففي يوم خطابه لطلب التفويض كان الكيل قد فاض، أعلنتُ داخل مجموعات العمل الخاصة بحملة "تمرد" أنني لن أعود، فلا يمكن أن أبقى بينما مؤسس الحركة يكتب على صفحته عقب إلقاء السيسي للخطاب أنه مع التفويض. إذا فنحن "تكيّة" ولسنا حركة سياسية.

لا أجد لي حقاً في تقديم أطروحات سياسية لا معنى لها، وأتمنى ألا يكون هناك من يتوقع من هذا المقال كشف معلومات خفية، فالأمر أبسط من هذا: إنه "حلمٌ فَسد". 

قلتها وانصرفتُ أكتب في مقال على موقع "تمرد" ـ الذي كنت أشارك في إدارته تطوعاً دون أجر كصحافية ـ ما يمثلني دون رؤوس تمرد الثلاث المعروفة في تلك اللحظة.

لم يعد للمقال أثر اليوم، فلم يبقَ لنا من تلك التجربة المريرة حتى أرشيف  بما قدّمنا على الأقل كمجموعة إعلامية.. وقد يكون في ذلك في بعض جوانبه شيء من الرحمة.

اخترتُ للمقال عنواناً يشبه جرساً لا زال يرن في داخلي منذ ذلك اليوم واسمه "قبل أن تأتي الجمعة الأخيرة". أتذكر بعض كلمات في السطور الأولى لعلها كانت حرفياً: "قد تأتي جمعة تقضي على تاريخ كل الجمعات من قبلها.. ولا تعطي لنا فرصة للنزول بكل يقيننا الثوري بعدها".

أكتبُ لكم عن هذه اللحظة بالذات وأتمنى لكل منكم أن يسحبها إلى داخله ويفتش في أوراق حياته الشخصية، ففي كل تجربة مريرة تعيشها هناك لحظة واحدة مناسبة، هي الأنسب للرحيل وكل ما يأتي بعدها.. "أشباه".

وقد أدركتها لكني لم أصنها كما ينبغي. فقد توالت الدعوات من داخل مجموعات العمل ـ التي كان أغلبها ضد خطاب التفويض ويرى ضرورة التريث في إعلان موقف متوازن شارحٍ منه ـ تدعوني للبقاء من أجل إعادة ترتيب الحملة من الداخل والمساهمة في صياغة موقف يعبّر عن الأغلبية. اشترطتُ صياغة بيان يطالب بتطبيق القانون وتقويض العنف وضرورة محاربة الإرهاب، دون أن يكون هذا التفويض مدخلاً لأي تجاوزات ضد حق التظاهر السلمي.

خرج البيان بعد تعديلات ومناقشات، ولم يلتفت له أحد فقد جاء باهتاً متأخراً وسط مهرجان التأييد. خرج البيان ودخلتُ أنا مجدداً لدهاليز الحملة، وشملتني ـ أنا وغيري من المجروحين في ثورتهم الخائفين من تلوثها في داخلهم ـ فكرة لم تكن صحيحة على الإطلاق وهي أنه يمكن الإصلاح من الداخل ثم أن التركيز في المنحى الإعلامي قد يساعد في تغيير خطاب الحملة ككل. هل نجحنا في ذلك؟ بالطبع لا.

جئتُ أنا متأخرة جداً (أول تشرين الأول/ أكتوبر 2013) كمنسحب مهزوم من باب خلفي. وكانت جريرتي التي لن أغفرها، ضعفاً أمام بقايا علاقات شخصية وأحلام تضافرت بين مجموعة أصدقاء.. كانوا ولم يعودوا.

أمام الدماء أود أن أسجل أمنية: أرى أمام عيني يوم سأنزلُ لأشارك بميدان ما في اعتصام مفتوح أمام الموت من أجل انتزاع حق التظاهر السلمي من جديد.. حق يتم انتزاعه من براثن الاستبداد والقمع من ناحية والخسة وعدم الأمانة السياسية والإنسانية من ناحية أخرى. 

أسوأ ما في الفكرة أنها لم تكن بريئة من شبهة المصلحة ـ مهما كانت نوايا القائمين عليها. فمشروع إعلامي يعني ممارستي أنا وغيري لعملنا المهني، ناهيك عما يمكن أن يفعله بك بقاؤك داخل الدائرة الخطأ من تشويه وبلبلة لأفكارك، فتجد نفسك بين عشية وضحاها تقترب من وجه القاتل وتمسك بيدك المقصلة.

 وهكذا سرنا على حافة الشبهات نحاول تجديد النيات، وعلى الرغم من هذا توالى فشل المحاولات.. حتى جاءت المجزرة.

أمام صورة "مسجد الإيمان" لماذا لم أعلن الانسحاب؟ هل لأن الصورة لم تكن واضحة بشكل كافٍ حتى مساء ذاك اليوم.. على الأقل بالنسبة لي؟ ليس هذا وحده ولكن لأنني رأيتُ أن الانسحاب لن يضيف شيئاً، وأنه ما دام لا مفر من استكمال الحياة ككل، فلا بد من محاولة استكمال هذا الطريق الذي بدأناه وأن نسحبه للخطوة المناسبة.

وهكذا بعد تعثر وتخبط وتردد الضعفاء، تحولت جملة "14 آب / اغسطس.. من كان بلا عقل فهو شقي، من كان بلا قلب فهو آثم" من "استيتوس" على فيسبوك إلى ورقة مبادئ ساهم الكثيرون في صياغتها ولاقت موافقة ما لا يقل عن 90 في المئة من أعضاء اللجنة المركزية لـ "تمرد".

ورقة شملت كل ما يجب أن يقال كإعادة تأسيس لحملة "تمرد" بعد نجاح مظاهرات 30 حزيران/ يونيو، ووضع رؤية محددة لها كطرف ثوري في معادلة 4 تموز/ يوليو (6). ورقة بالطبع لم تخرج للنور ـ على الرغم من تأكيد الرؤوس الثلاثة على موافقتهم الأولية عليها. وهكذا لم نجنِ منها غير مضيعة لمزيد من الوقت بينما تحاسبنا ضمائرنا  -أنا وغيري - أننا لا زلنا نحمل تلك الشارة التي فسدت: "تمرد".

سأعود غالباً في أيام كثيرة إلى هذا النص، أضيف وأنقح، وسأظل كلما فعلت، كلما ضغطت يدي على الـ "كيبورد" أتذكر أن هناك من كان يتمنى أن تتاح له الفرصة لكي يقول الكثير ولم تسمح له ضغطة الزناد. 

توالت الانسحابات واهترأت القماشة وأصبحت بالية لا تحمل حتى قيمة محاولة رتقها.  لماذا لم نعلن ورقة المبادئ وإعادة التأسيس دونهم؟ لماذا لم يأتِ صوتنا في الحق جلياً؟ أسئلة كثيرة تتداخل فيها السمات الشخصية لكل من أسس ثم رفض، هناك من صان نفسه مبكراً وكان الأجدر بحمل وهج المبدأ فانسحب منذ لحظة التفويض وهناك من لحقه وهناك من انتظر ثم انتظر.

جئتُ أنا متأخرة جداً (أول تشرين الأول/ أكتوبر 2013) كمنسحب مهزوم من باب خلفي. وكانت جريرتي التي لن أغفرها، ضعفاً أمام بقايا علاقات شخصية وأحلام تضافرت بين مجموعة أصدقاء.. كانوا ولم يعودوا.

 هل كانت تنقصني رجاحة العقل حتى أدرك أن طريق الحتف ممهد بالنوايا الحسنة؟ وأن رقة القلب كان يستحقها غرباء ماتوا بدلاً من أصدقاء خانوا؟ بالطبع لا.

 علًها سلامة الروح لا رجاحة العقل .. وبالنهاية، كما تقول "فؤادة": "الحلم اللي حلمته في الصبح بيتفرد صبح هم البلد" (7).

الحلم منذ ذلك اليوم أصبح "مجزرة"..

وما الذي أفعله اليوم؟ هل هو استغلال لذكرى استباحة الدماء لأتلمس فرصة للتخفيف عن ذنب يلاحق نفسي؟ قد يكون للأسف ـ ما دمتُ أنا من أنا وسط تباين طبائع البشر ـ  ولكن أيضاً  لأنه طالما القتل تهمةٌ لا تسقط بالتقادم، فيجب أن نظل نتذكرها ونراجع جميعاً مواقفنا منها حتى نتحاكم يوماً على كل ما سبق وكل ما لحق.

لا أجد لي حقاً في تقديم أطروحات سياسية لا معنى لها، وأتمنى ألا يكون هناك من يتوقع من هذا المقال كشف معلومات خفية، فالأمر أبسط من هذا: إنه "حلمٌ فَسد".

فقط أمام الدماء أود أن أسجل أمنية: أرى أمام عيني يوم سأنزل لأشارك بميدان ما في اعتصام مفتوح أمام الموت من أجل انتزاع حق التظاهر السلمي من جديد.. حق يتم انتزاعه من براثن الاستبداد والقمع من ناحية والخسة وعدم الأمانة السياسية والإنسانية من ناحية أخرى..

أمنية، هل يمكنني بعد كل ما سبق أن أجزم أنه إذا جاء ذلك اليوم سأنفذها؟ بالطبع لا.

 فكم كنت أحب آب/ أغسطس ـ على الرغم من الحر ـ و لم أعد، وكم كنت أثق بيقيني ـ على الرغم من القهر ـ ولم أعد.

وسأعود غالباً في أيام كثيرة إلى هذا النص، أضيف وأنقح، وسأظل كلما فعلت، كلما ضغطت يدي على الـ "كيبورد" أتذكر أن هناك من كان يتمنى أن تتاح له الفرصة لكي يقول الكثير ولم تسمح له ضغطة الزناد.

نهايةً، لا أعرف تحديداً ما يمكن أن تحصده خطوتي بعد ذلك اليوم ولكنني أعرف أين تمنيت دوماً أن أجدها وأين أتمنى أن أرى دوماً خطوات غيري، حيث يكون لها صوت "أمل دنقل" يقول بالنغم نفسه "اشهد لنا يا قلم... أننا لم ننم... أننا لم نقف بين "لا... و"نعم". 

***

الحمد لله الذي عافى غيرنا مما أصاب روحنا.

وشكراً لمن قرأ. 

______________________

نشر في 13 -08 -2015 في موقع "البداية"
 http://albedaiah.com/articles/2015/08/13/94853  

______________________

1- وكيلة نقابة الصحافة حينها، وهو منصب منتخب ويأتي مباشرة بعد منصب النقيب. وقد استقالت منه عقب استشهاد عدد من الصحافيين أثناء فض اعتصام "رابعة".   
2- انتشرت في مصر في بداية شهر أيار /مايو 2013 نشاطات حملة أطلق عليها "تمرّد" تهدف لإسقاط شرعية الرئيس محمد مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، اعتراضاً على سياسات جماعة "الإخوان المسلمون" الحاكمة. ودعت تلك الحركة إلى اعتبار يوم 30 حزيران/ يونيو 2013 – الذي يصادف يوم تولي مرسي الرئاسة - يوماً للتمرد.  
3- النص كتب ونشر في 13-08-2015.   
4- كاتبة صحافية    
5- أحد الشبان النشطاء في "ائتلاف شباب الثورة" 2011.   
6- أعلن الجيش المصري اقالة مرسي وتسليم الرئاسة للمستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا بشكل مؤقت حتى إجراء الانتخابات.     
7- فؤادة هي شادية في فيلم "شيء من الخوف" 1969 ، إخراج حسين كمال وإنتاج صلاح ذو الفقار، هو مأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب ثروت أباظة، ولكن الإسقاطات السياسية هي نتيجة التعديلات التي أدخلها عبد الرحمن الأبنودي على السيناريو. وقد صنف الفيلم كواحد من افضل مئة فيلم مصري. 

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

"صُمِّمتْ لتفشل".. هل هذا أيضاً مصير المساعدة المصرية لإعمار غزة؟

منى سليم 2022-09-13

آلية الإفشال كانت متضمَنة في اتفاقية رعتها الأمم المتحدة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، واشترطت استئناف مفاوضات الصلح بين الفصائل برعاية مصرية، وتشكّيل ما سٌمي "حكومة الوحدة"، والتزام الأطراف الدولية بما...