بنك عربي للأعضاء البشرية.. أحلام غير مستحيلة

يطل اقتراح لا يجد مدىً لدراسته وتتبّع صداه وهو إنشاء "بنك تبادلي" هو أقرب لقاعدة بيانات كبرى تضم البيانات والخصائص الطبية للمريض وكذلك للمتبرع من أهله ممن لم تتوافق الخصائص الطبية للعضو الخاص به والمريض، بما يساعد في خلق شبكات تبادلية أقرب لمفهوم "بنك الدم" فيتيح ذلك بالمقابل عمليات زرع دون مقابل ودون اشتراط درجة القرابة.
2022-08-08

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
عملية زرع اعضاء بشرية لمريض

زرع أعضاء بشرية عوضاً عن تلك المعطوبة، حلمٌ إنساني كان يوماً خيالاً مستحيلاً ثم توالت السنين ليصبح حلاً كريماً، ولكنه لا زال مطلباً بعيد المنال على كثير من ضحايا سياسات الإفقار في مصر وكامل المنطقة العربية.

الأسباب كثيرة ولكن لعل أهمها هو ندرة توافر "متبرع" على قيد الحياة دونما مقايضة، تلك التي تفرضها كافة التفاصيل المحيطة ويمتلئ بها المناخ العام لتصبح العملية الجراحية أشبه بالمقامرة، فإما الزرع وإما الموت، ومن بينهما تتسرب عشرات القصص: أبٌ يصرف كل ما لديه وما اختزنه للعمر لشراء قطعة من كبد أو كُلية تعيد الحياة لجسد طفلته، وسيدة تبيع له جزءاً من كبدها مقابل بعض آلاف من الجنيهات او الدولارات علّها تؤمن بها حياة أطفالها... أما من بيده الأمر في الجهات العليا وخلف المكاتب فهو يسعى إلى إصدار قوانين وتأهيل أطباء ومستشفيات وتحمل التكلفة جزئياً أو بشكل كامل.

غير أن هذا وحده لا يكفي ولم يمس قلب المعضلة. وبدلاً من البحث عن حلول واقعية رحيمة تفضي لإقرار قواعد عادلة، يُكتفى بإنزال حد السكين على الورق، بتغليظ العقوبات والنص على ألا يكون التبرع بمقابل مادي أو تحت وطأة الإرغام. ثم ينتشر بين الحين والآخر هذا الحديث غير الخالي من الإثارة والنزق عن الشبكات غير المشروعة وسرقة الأعضاء البشرية والإتجار بها، بينما تعج المستشفيات بمن يسعون للبيع ومن يسعون للشراء أملاً في فك قيد الموت أو قيد الفقر.

مصر .. صورة عن قرب

في مصر، بدأت عمليات زرع الأعضاء البشرية في وقت مبكر في سبعينات القرن الماضي وعلى يد رواد لهم باع وأسبقية على المستوى الدولي والعربي.

وحسب تقديرات حكومية، بلغ عدد عمليات زرع الأعضاء في مصر وفق حصر وزارة الصحة عام 2016 ما يزيد عن 10 آلاف حالة زرع كلى وما يزيد عن 600 حالة زرع كبد، بدءاً من عام 2017 والإعلان عما سٌمي بـ"مبادرة رئيس الجمهورية للقضاء على قوائم الانتظار". لم يتم الإعلان عن عدد العمليات بشكل كامل ولكن قالت اللجنة المختصة نهاية 2021 أنه خلال حصر أخير امتد من شهر آب/ أغسطس إلى كانون الاول/ ديسمبر 2021، تمّ الانتهاء من ملفات 367 مريضاً ومراجعة ما يقارب 770 ملفاً استعداداً للبدء في إجراءات تيسير العمليات الجراحية لأصحابها.

أجريت أغلب تلك العمليات على نفقة الدولة، كلياً أو جزئياً. فوفق "الكود" الطبي الرسمي المعتمد في مصر، يتمتع كافة المصريين والأجانب المقيمين فى مصر بأحقية إجراء عمليات زرع الأعضاء في عدد محدد من المستشفيات المصرّح لها بإجراء تلك العمليات ويبلغ عددها 46 مستشفى، منها 11 حكومية و 12 جامعية كما ارتفع عدد مستشفيات القطاع الخاص من 11 إلى 23 مستشفى خلال 5 سنوات. تخضع كافة تلك العمليات لـ "اللجنة العليا لزرع الأعضاء"، وما عدا الحالات التي لا تلتجئ لتفعيل حقها الدستوري في العلاج فإنه يحق لكل مواطن أن يحصل على فرصة لإجراء العملية إما مجاناً بشكل كامل أو تحويله لمستشفى خاص بخصم يتراوح ما بين 45 إلى 60 في المئة من الكلفة تتحملها موازنة الدولة. يأتي ذلك في إطار محاولة القضاء على "قوائم الانتظار" التي أعلنت الدولة استهداف حلها خلال السنوات الأخيرة.

ولكن ما حدث فعلياً هو التوسع في إحالة المرضى ـ أيا كانت حالتهم الاقتصادية ـ للمستشفيات الخاصة التي تحصل على حصتها كاملة بطبيعة الحال من وراء تلك العمليات بينما تصبح النسبة المئوية التي يتحملها المواطن بالطبقات الوسطى والأدنى، وسط تقديرات من العام الماضي عن تكلفة إجراء العملية الواحدة، ما يقارب 800 ألف جنيه مصري/ 40 ألف دولار.

حسب تقديرات حكومية، بلغ عدد عمليات زرع الأعضاء في مصر وفق حصر وزارة الصحة عام 2016 ما يزيد عن 10 آلاف حالة زرع كلى وما يزيد عن 600 حالة زرع كبد، بدءاً من عام 2017 والإعلان عما سٌمي بـ"مبادرة رئيس الجمهورية للقضاء على قوائم الانتظار". 

يتمتع كافة المصريين والأجانب المقيمين فى مصر بأحقية إجراء عمليات زرع الأعضاء في عدد محدد من المستشفيات المصرّح لها بإجراء تلك العمليات ويبلغ عددها 46 مستشفى، منها 11 حكومية و 12 جامعية كما ارتفع عدد مستشفيات القطاع الخاص من 11 إلى 23 مستشفى خلال 5 سنوات. 

وفي ظل هذه الصورة يأتي ملف "المتبرع" ليعبر عن حجم التحدي المنتظر. فهناك من يذهبون لإجراء تلك العملية ولا يملكون من المدخرات ما يكفي للإقامة يوماً واحداً بتلك المستشفيات، وبنفس الوقت لا تتطابق المواصفات الطبية المطلوبة على أي من دوائر أقاربهم الراغبين في التطوع، فيصبح الحل بلا شك في تلك الحالة هو الشراء بعيداً عن أعين القانون أو انتظار الموت، وتتضاعف التكلفة الاقتصادية المتوقعة للعملية الواحدة.

فوفق قانون تم إقراره في العام 2010 في مصر، فإن زراعة الأعضاء لا تتم إلا لأحد الأقارب حتى الدرجة الرابعة أو من متبرع لم يتلق أي مقابل مادي مقابل تبرعه. ويجيز القانون زراعة الأعضاء من المتوفي إلى شخص على قيد الحياة، ولا يجيز التبرع من أجنبي إلى مصري والعكس.

على أرض الواقع تحولت صفحات إلكترونية وهواتف موظفين داخل المستشفيات إلى بورصة شبه علنية تشمل البائع والمشتري ليصل سعر فص الكبد في مصر إلى 400 ألف جنية والكلية إلى 200 ألفا (وفق ما هو متداول على بعض الصفحات الإلكترونية)، بل وأدت هذه السياسة غير المعلنة إلى خلق انحرافات مكررة يأتي على رأسها بعض شبكات استغلال غير المصريين في شراء أعضائهم البشرية بسعرٍ أقل، وأغلبهم من اللاجئين الأفارقة والهاربين من الحروب.

يقوم البائع بتوقيع تعهد رسمي بأنه لم يتلق أي مقابل مادي وإلا فهو سيتعرض لمساءلة قانونية. ويبدأ الأطباء في ممارسة عملهم، والجميع يعرف الحقيقة ولا ينطق بها، والسبب واضح، وهو أن هناك احتياجاً لم تتوفر السبل لسده ومن ثم يصبح الشراء بعيداً عن الأعين والقنوات الرسمية أمر متفق عليه ضمنياً ويتسبب في تأخر إجراء كثير من العمليات الجراحية الملحة.

يُكتفى غالباً بإنزال حد السكين على الورق، بتغليظ العقوبات والنص على ألا يكون التبرع بمقابل مادي أو تحت وطأة الإرغام. ثم ينتشر بين الحين والآخر هذا الحديث غير الخالي من الإثارة والنزق عن الشبكات غير المشروعة وسرقة الأعضاء البشرية والإتجار بها، بينما تعج المستشفيات بمن يسعون للبيع ومن يسعون للشراء أملاً في فك قيد الموت أو قيد الفقر. 

اما في مساحة التبرع من المتوفين، فرغم حملات التشجيع من مؤسسات دينية وشخصيات عامة على كتابة الوصية من أجل التبرع بعد الوفاة، إلا أن الآلية لا زالت غير فاعلة في ظل عدم توافر الإمكانات الطبية والتقنية التي تسمح بتشكيل قاعدة بيانات محْكمة وسرعة تدخل كفيلة بحفظ العضو البشري وزرعه بالتوقيت الملائم في مدة زمنية لا تزيد عن يوم واحد أو 4 أيام حسب العضو الذي سيتم زرعه.

حلول مختبَرة وأخرى غائبة

في المقابل هناك حلول وتجارب دولية لم تجد مداها للمناقشة والتفكير في النطاق العربي، على رأسها تجربة في الإتحاد الأوروبي، إذ تقوم مؤسسة Eurotransplant على سبيل المثال بتنظيم عملية التبرع عبر قاعدة بيانات كبرى تشمل المرضى وتسجيل بيانات المتبرعين عند الوفاة، تم تأسيسها عام 1976 من قبل البروفيسور جون فان رود (Jon van Rood) للاستفادة الكاملة من فرص زراعة الأعضاء كمنظمة دولية غير هادفة للربح ، تعمل كوسيط بين المستشفيات المانحة ومراكز زرع الأعضاء لصالح المرضى في جميع الدول الأعضاء.

تضم تلك الشبكة النمسا وبلجيكا وكرواتيا وألمانيا والمجر ولوكسمبورغ وهولندا وسلوفينيا، وتخدم إجمالي عدد سكان يبلغ حوالي 137 مليون شخص، وعلى مدار أكثر من 50 عاماً، سهلت التخصيص والتبادل عبر الحدود لأعضاء المتبرعين المتوفين - الكلى والكبد والبنكرياس والأمعاء والقلب والرئتين. وتقول المؤسسة أنها تتلقى يومياً متوسط تبرعات من 10 أشخاص بعد الوفاة.

وقد شهدت مصر مبادرة في العام 2011 تحت إشراف وزارة الصحة بالتعاون مع الجانب الإيطالي من أجل إنشاء قاعدة بيانات رئيسية للمرضى والمتبرعين تمهيداً لدراسة إنشاء مؤسسة تعاونية، وهو الجهد الذي لم يكتمل في ظل التغيرات السياسية المتعاقبة، وكذلك وفق ما قال نائب وزير الصحة حينها، بسبب مخاوف لدى أعداد من نواب البرلمان من احتمالات الاستغلال وأن يكون التعاون باتجاه واحد.

كما يمكن تقديم قراءة في التجربة الإيرانية التي بدأت قبل 40 عاماً من أجل تنظيم عملية التبرع للمتوفين وغير المتوفين لكنها واجهت سجالات وموجات تصادم واسعة حول تعريف "الموت الدماغي" وإمكانية التعامل معه كمرحلة ملائمة لبدء عملية نقل العضو البشري. ووفق تقرير صادر عن جمعية التبرع بالأعضاء في عام 2017 فإن هناك من 5 إلى 8 آلاف حالة وفاة محتملة في إيران بالسكتة الدماغية التي يتبعها الدخول في غيبوبة، أما عدد المتبرعين وفق تلك الحالة فلا يزيد عن 880 بينما يصل عدد المرضى ممن هم في حاجة إلى عمليات الزرع إلى ما متوسطه 25 ألف سنوياً.

في اتجاه موازٍ اتخذت الحكومة الإيرانية قبل سنوات قراراً بالاهتمام بعالم "المتبرع الحي" كتدخل براغماتي صادم تحت عنوان برنامج "مكافأة التبرع بالأعضاء". ووفقاً له يتم دفع مكافأة على أنها هدية من الحكومة للاعتراف بتقدير روح الإيثار للتبرع بالأعضاء وذلك في محاولة للتعويض عن الضرر الذي يتكبده المتبرع، وكذلك كمحاولة لمنع الارتباط المالي بين المتلقي والمتبرع. وقال التقرير أن المؤسسات المشاركة في زراعة الأعضاء بحاجة إلى زيادة مكافأة التبرع إلى الحد الذي يمكن أن يعوق إقامة علاقات مالية مباشرة إضافة إلى توفير تأمين صحي طويل الأمد.

ما حدث فعلياً هو التوسع في إحالة المرضى ـ أيا كانت حالتهم الاقتصادية ـ للمستشفيات الخاصة التي تحصل على حصتها كاملة بطبيعة الحال من وراء تلك العمليات بينما تصبح النسبة المئوية التي يتحملها المواطن بالطبقات الوسطى والأدنى، وسط تقديرات من العام الماضي عن تكلفة إجراء العملية الواحدة، ما يقارب 800 ألف جنيه مصري/ 40 ألف دولار. 

وما بين هذا وذاك يطل اقتراح لا يجد مدىً لدراسته وتتبّع صداه وهو إنشاء "بنك تبادلي" هو أقرب لقاعدة بيانات كبرى تضم البيانات والخصائص الطبية للمريض وكذلك للمتبرع من أهله ممن لم تتوافق الخصائص الطبية للعضو الخاص به والمريض، بما يساعد في خلق شبكات تبادلية أقرب لمفهوم "بنك الدم" فيتيح ذلك بالمقابل عمليات زرع دون مقابل ودون اشتراط درجة القرابة بينما يبقى الدخول إلى ملف التبرع من "المتوفين" على مستوى المنطقة العربية أمراً بعيد المنال

***

جميعها أحلام سائلة في ظل وقائع ماثلة مريرة تعج هنا وهناك، من فقر وخرافات واستغلال، ومنظومات صحية عربية على الرغم من التفاوت بينها، إلا أنها لم تملك جميعها بعد القدرة على تطوير بنية عملية تكنولوجية بشكل كافٍ يسمح بطرح كافة تلك الحلول والتعاون من أجل إقراراها.. ولكنها تبقى أحلاماً غير مستحيلة. 

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

"صُمِّمتْ لتفشل".. هل هذا أيضاً مصير المساعدة المصرية لإعمار غزة؟

منى سليم 2022-09-13

آلية الإفشال كانت متضمَنة في اتفاقية رعتها الأمم المتحدة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، واشترطت استئناف مفاوضات الصلح بين الفصائل برعاية مصرية، وتشكّيل ما سٌمي "حكومة الوحدة"، والتزام الأطراف الدولية بما...