صدمة أوكرانيا النّفطيّة وعودةٌ مختلفةٌ إلى أجواء السبعينيات

يمرّ العالم حالياً بتجربة الصدمة النّفطية الثالثة بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا. ومع أنّ المسرح الأساسيّ انتقل الى أوروبا الا أنّ انعكاسات هذه الصدمة تماثل ما حدث في الصدمتين السابقتين.
2022-04-02

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
اسعار البترول والغاز تحلق

في عقد السبعينيات من القرن الفائت، شهد العالم صدمتين كان مسرحهما منطقة الشرق الأوسط، تمثلت الأولى في الحظر النفطي عقب حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 الذي تزامن مع شحٍّ في العرض مما أسهم في رفع سعر برميل النّفط إلى حوالي أربعة أضعاف ما كان عليه. ثمّ جاءت الثورة الإيرانية في أواخر العقد نفسه لتقفز الأسعار وتتخطى حاجز الأربعين دولاراً للبرميل لأول مرة في التاريخ، لأنّ الذي كان مطروحاً وقتها أمام المستهلكين هو الحصول على النّفط بأيّ ثمن.

يمرّ العالم حالياً بتجربة الصدمة النّفطية الثالثة بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا. ومع أنّ المسرح الأساسيّ انتقل الى أوروبا الا أنّ انعكاسات هذه الصدمة تُماثل ما حدث في الصدمتين السابقتين. ولهذا لم يعد غريباً أن تتكرر عبارات "أمن الطاقة" و"تنويع مصادر الإمدادات لتقليل الارتهان إلى النفط المستورَد"، وربط قضية الطاقة بالأمن القوميّ، وتحميل المستهلكين جزءاً من العبء سواءّ عبر الضرائب المفروضة على المنتجات النفطية أو بفرض خفض السرعة في الطرقات أو التقليل من الإضاءة.. وكلّ ذلك في إطار الهدف العام وهو جعل النشاط الاقتصادي أكثر فعاليةً وكفاءةً في استهلاك الطاقة.

على أنّ السوق النفطية تمرّ هذه المرة بتحولاتٍ ستكون انعكاساتها المباشرة وغير المباشرة لها تبعات جيوسياسية، خاصةً وأنّ الحكومات الغربية بصورة عامة، ومعها الشركات النفطية، مواجهة بتحدٍّ مزدوج يتمثل في كيفية توفير الإمدادات في الوقت الذي تضع فيه النفط والغاز الروسي في القائمة السوداء وتحظر التعامل معه. وروسيا هي ثالث أكبر منتج للنفط بعد الولايات المتحدة والسعودية. يحدث هذا في الوقت نفسه الذي ينبغي عليها أن تعمل بجد للتحول إلى الطاقات البديلة وتلك المتجددة إيفاءاً بتعهدات اتفاقية باريس للتغير المناخي التي تقوم على استبعاد الوقود الأحفوري تدريجياً بهدف تقليل الانبعاثات الحرارية.

أسهمت أوضاع السوق الحاليّة في الالتفات إلى احتياطيات الغاز الطبيعي الموجودة في أفريقيا، الأمر الذي يتيح الفرصة لدولٍ مثل موزمبيق وتنزانيا ونيجيريا وأنغولا، لديها احتياطيات يمكن استغلالها. وبالفعل بدأت تنزانيا في استغلال احتياطاتها التي تقدر ب 1.6 ترليون متر مكعب على أن يبدأ العمل بعد عامين.

تضمنت رحلة الرئيس الامريكي جو بايدن الى أوروبا برنامجاً ملمحه الأساسي كيفية استبدال النفط والغاز الروسي اللذين تستهلكهما أوروبا وضمان أمنها في جانب الطاقة عبر توفير إمداداتٍ من مصادر أخرى، خاصةً وأنّ موسكو توفر لأوروبا نحو 40 في المئة من احتياجاتها في ميدان الغاز الطبيعي و25 في المئة من استهلاكها للنفط ومنتجاته. كما تزامنت تلك الرحلة مع انعقاد المجلس الوزاري للوكالة الدولية للطاقة الذي ركّز على قضية أمن الطاقة وكيفية تقليص الاضطرابات في السوق النّفطية والتسريع بالتحول إلى الطاقات النظيفة والمتجددة.

وتُعتبر الولايات المتحدة أكبر منتجٍ للنفط في العالم وكذلك للغاز الطبيعي - ويعود ذلك إلى الثّورة التّقنية التي جعلت من الممكن استخراج النفط والغاز الصخريّين قبل أكثر من عقدٍ من الزمن. وعليه تمخضت زيارة بايدن عن اتفاقٍ على تزويد أوروبا بخمسين مليار متر مكعب من الغاز الطبيعيّ المسال إضافية سنوياً وحتى العام 2030، وهو ما يمكن أن يعوّض عن ثلث ما تتلقاه أوروبا من روسيا. وكان إجمالي صادرات أمريكا من الغاز إلى أوروبا العام الماضي 22 مليار متر مكعب فقط. ولهذا تم الإعلان عن أنّ الشركات الأمريكية تخطط لزياد إنتاجها من الغاز بحوالي 20 في المئة بنهاية هذا العام.

ضغوط الرأي العام

من الواضح أنّ هذا التدخل الأمريكيّ لن يحلّ مشكلة أوروبا، على الأقل في المدى القريب، على الرغم من إعلان مفوضية الاتحاد الاوروبي أنها بصدد التخلص من ثلثيّ الغاز الروسيّ الذي تستورده أوروبا بنهاية هذا العام وذلك بسبب الضغوطِ العامةِ المطالبةِ بضرورة عمل شيءٍ ضدّ روسيا. فالمناخ الذي خلّفته حرب موسكو على أوكرانيا أدّى إلى بروز رأيٍّ عامٍّ مساندٍ لاتخاذ خطواتٍ شملت ميدان الطاقة الذي كان يتمتع في البداية بقدر من الاستثناء من إجراءات العقوبات ضدّ موسكو. وأدّى المناخ العدائيّ إلى أن أصبحت البنوك الغربية تتجنب الدخول في صفقاتٍ لتمويل الصادرات الروسيّة، وكذلك الناقلات وشركات التأمين، كما وصل الأمر بشركة "شل" أن تعتذر عملياًّ عن صفقة نفطٍ أبرمتها مع شركة روسية بعد غزو أوكرانيا، واضطرت في مواجهة الهجوم الذي تعرضت له إلى الإعلان أنّها ستتبرع بعائدات الصفقة إلى جمعيةٍ خيريةٍ أوكرانيةٍ.

تضمنت رحلة الرئيس الامريكي جو بايدن الى أوروبا برنامجاً ملمحه الأساسي كيفية استبدال النفط والغاز الروسي اللذين تستهلكهما أوروبا وضمان أمنها في جانب الطاقة عبر توفير إمداداتٍ من مصادر أخرى، خاصةً وأنّ موسكو توفر لأوروبا نحو 40 في المئة من احتياجاتها في ميدان الغاز الطبيعي و25 في المئة من استهلاكها للنفط ومنتجاته.

ولهذا لم يكن غريباً أن تسارع كبرى الشركات النفطية إلى هجر مشروعاتها الاستثمارية في روسيا، خاصة في مجال الطاقة. والإشارة الى أسماء كبرى مثل "بريتش بتروليوم" و"شل" وشركات الحفر والخدمات المساندة أمثال "شلومبيرجر" و"هاليبرتون" وغيرها.

ونتيجةً لهذا، يعتقد أنّ حوالي مليوني برميل يومياً من الصادرات النفطية الروسية قد تعثرت في الوصول إلى المشترين حتى الآن، ويتوقع أن يرتفع الرقم إلى 3 ملايين برميل يومياً في نيسان/أبريل وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة. وبما أنّ العالم يستهلك نحو 100 مليون برميل يومياً ونصيب روسيا منها 7.5 في المئة، فذلك يزيد من حدة نقص الامدادات. إلّا أنّ التطورات السياسية والتغطية الإعلامية المكثفة التي رافقت غزو أوكرانيا جعلت النفط الروسي منبوذاً.

تسارعت إذاً الجهود وبصورةٍ محمومةٍ لتنويع مصادر الامدادات، وهو ما يمكن أن يعزز المسعى الأول لتأمين الاحتياجات الغربية من الطاقة وعدم ارتهانها إلى موسكو، ولو أنّ الوكالة الدولية للطاقة أشارت الى أنّ جهود فك الارتباط بالنفط والغاز المستورد من روسيا ستتفاوت بين دولةٍ وأخرى. وقد نشطت تلك الجهود بقيادة الولايات المتحدة في هذا الجانب لكنّها لم تحقق نجاحاً يُذكر خاصة لجهة زيادة الإمدادات النفطية من دولٍ مثل السعودية والإمارات، كونهما تتمتعان بطاقةٍ إنتاجيةٍ إضافيةٍ تمكنهما من الإسهام في تحسين الوضع الناجم عن تقليص ورود الشحنات النفطية الروسية إلى الأسواق الأوروبية. ويكتسب الرفض السعودي-الإماراتي أهميةً كونه يأتي من حليفين لواشنطن، لكنّهما يشعران أنّ إدارة بايدن لم تهتم بانشغالاتهما لا سيما في ما يخصّ الحرب في اليمن وصواريخ الحوثي التي طالت بعض مدن البلدين. ثم إنّ اتفاق "أوبك بلص" الذي يدير السوق النفطية في الوقت الحالي هو نتاجٌ لتحالفٍ تقوده السعودية من جانب منتجي أوبك وروسيا من جانب المنتجين من خارج أوبك. وهذا الوضع مرشحٌ للتغير ليعكس حالة التشرذم السياسية والاقتصادية التي تسيطر على المشهد العالمي.

ووصل الأمر بواشنطن إلى مد يدها إلى فنزويلا التي تعتبرها "دولة مارقة" وبدأت اتصالاتٍ بهدف رفع الإنتاج النفطيّ الفنزويليّ بحوالي 800 ألف برميل يومياً خلال بضعة أشهر، وهو ما يمكن أن يعوض عن كمية النفط التي كانت تستوردها الشركات من النفط الروسيّ إلى السوق الامريكيّة.

ردود أفعالٍ متباينة

ويعتبر وضع الطاقة في ألمانيا من أكثر الصور تعبيراً عن الأزمة الناجمة عن غزو أوكرانيا. فألمانيا هي أكبر مستوردٍ للغاز الروسيّ. وخط نورد ستريم تعبيرٌ عن مصالح اقتصادية متنامية بين البلدين. لكن ألمانيا حسمت أمرها وقررت وقف استيراد الغاز الروسيّ، كما أنها استمرت في الالتزام بخطتها في إغلاق ثلاث مفاعلات نوويّة، الأمر الذي دفعها للعودة إلى الفحم على الرغم من أنه من أكبر مصادر تلوث البيئة، كما حققت اتفاقاً مع قطر لم تنشر تفاصيله بعد لتوفير كمية من الغاز.

غزو بوتين لاوكرانيا وضع على المحك تجربة ثلاثة عقود منذ انهيار الاتحاد السوفياتي والاندماج في النظام الاقتصاديّ العالميّ الغربيّ، التي تمت بتشجيعٍ من الدول الغربية لتنويع مصادر إمداداتها للطاقة وتخفيف الاعتماد على منطقة الشرق الأوسط بصراعاتها التي لا تنتهي. كما يستند هذا التشجيع إلى نظرية أن يلعب العامل الاقتصادي والمصلحة المشتركة دوراً في تحجيم الصراعات والنزاعات السياسية.

وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مبيو ظلّ في حالة ترحالٍ مستمرٍ بين العواصم لتأمين احتياجات بلاده من الطاقة. وفي جولةٍ له شملت الجزائر، قطر، أنغولا، الكونغو وموزمبيق، نجح الوزير في الحصول على إمدادات بحوالي 17 مليار متر مكعب من الغاز، نصفها من الجزائر. ويتضح من الأرقام أنّ إيطاليا تحتاج إلى حوالي ثلاث سنوات وبمجهودٍ مثل الذي يقوم به وزير الخارجية حتى تتمكن من الاستغناء عن الغاز الروسي.

حالة الطلب المتزايدة هذه دفعت بالعديد من الدول المنتجة إلى دائرة الضوء. فكندا مثلاً أعلنت أنها تخطط لزيادة إنتاجها 300 ألف برميل يومياً بنهاية هذا العام. لكن بسبب ضعف البنية التحتية من خطوط الأنابيب مثلاً ومرافق التحميل للتصدير، يذهب النفط الكندي في رحلةٍ طويلةٍ عبر الولايات المتحدة حتى خليج المكسيك جنوباً ليتم تصديره من هناك إلى الأسواق الأوروبية.

كما أسهمت أوضاع السوق الحاليّة في الالتفات إلى احتياطيات الغاز الطبيعي الموجودة في أفريقيا، الأمر الذي يتيح الفرصة لدولٍ مثل موزمبيق وتنزانيا ونيجيريا وأنغولا، لديها احتياطيات يمكن استغلالها. وبالفعل بدأت تنزانيا في استغلال احتياطاتها التي تقدر ب 1.6 ترليون متر مكعب على أن يبدأ العمل بعد عامين.

نيجيريا والجزائر طرحتا مشروعاً طموحاً لإنتاج 30 مليار متر مكعب من الغاز وإرساله من نيجيريا عبر خط أنابيب يمتدّ على مسافة 2565 ميلاً إلى الجزائر. وهو المشروع الذي يقدر له أن يكلف 30 مليار دولار، لكن إلى جانب تكلفة التمويل الضخمة التي تثير الشكوك حول جدوى المشروع الاقتصادية، هناك مشاكل تتعلق بتأمين هذا الطريق الطويل خاصةً وأنّ جماعاتٍ مسلحةٍ متمردةٍ تنشط في هذه المنطقة وتجد في استهداف مرافق النفط والغاز ما يمكن أن يحقق لها مكاسب سياسية، كما جربت نيجيريا نفسها مع الجماعات المسلحة في دلتا النيجر.

لن يحلّ هذا التدخل الأمريكيّ مشكلة أوروبا، على الأقل في المدى القريب، على الرغم من إعلان مفوضية الاتحاد الاوروبي أنها بصدد التخلص من ثلثيّ الغاز الروسيّ الذي تستورده أوروبا بنهاية هذا العام وذلك بسبب الضغوطِ العامةِ المطالبةِ بضرورة عمل شيءٍ ضدّ روسيا.

يكتسب الرفض السعودي-الإماراتي للتعويض عن النقص في النفط والغاز الذي نشأ بسبب الحظر على روسيا، أهميةً كونه يأتي من حليفين لواشنطن، لكنّهما يشعران أنّ إدارة بايدن لم تهتم بانشغالاتهما لا سيما في ما يخصّ الحرب في اليمن وصواريخ الحوثي التي طالت بعض مدن البلدين. 

غزو بوتين لاوكرانيا وضع على المحك تجربة ثلاثة عقود منذ انهيار الاتحاد السوفياتي والاندماج في النظام الاقتصاديّ العالميّ الغربيّ، وهي التجربة التي تمت بتشجيعٍ من الدول الغربية لتنويع مصادر إمداداتها للطاقة وتخفيف الاعتماد على منطقة الشرق الأوسط بصراعاتها التي لا تنتهي. كما يستند هذا التشجيع إلى نظرية أن يلعب العامل الاقتصادي والمصلحة المشتركة دوراً في تحجيم الصراعات والنزاعات السياسية. وهو ما ضربت به خطوة بوتين عرض الحائط.

وبغض النظر عمّا يمكن أن تنتهي إليه خطوة غزو أوكرانيا، فمن الواضح أنّ الدور الكبير الذي لعبته روسيا في عالم الطاقة مرشحٌ للاضمحلال خاصةً وأنّ عائدات مبيعات النفط والغاز تشكل نصف عائدات روسيا من العملات الصعبة، كما تمثل 40 في المئة من الميزانية. وقد يكون أول مجال معرض للتأثر بما يجري في أوكرانيا تحالف "أوبك بلص"، وهو التحالف بين منتجي النفط داخل وخارج أوبك وتقوده الرياض إلى جانب موسكو. 

مقالات من العالم

أبطال هذا الزمان ورموزه

قادة العالم كلهم، ومعهم قادة و"زعماء" منطقتنا بالطبع ("كلّن يعني كلّن"!! وهي موسعة سعة العالم هنا)، هؤلاء جميعهم "بولسونارو" الدجّال والمبتذل، وصفات أخرى لا تقل انحطاطاً.

الدروس الجيوسياسية للأزمة الأوكرانية

2022-03-01

الوضعية الراهنة ليست إلا حلقة جديدة في مسلسل مستمر منذ قرابة الثلاثين عاماً، وهو يجسد صراع روسيا والولايات المتحدة من أجل توسيع نطاق تأثير ونفوذ كل واحدة منهما.

للكاتب نفسه