الأزمة السياسية السودانية تتمظهر اقتصادياً

تعاني موازنة الحكومة السودانية من عجز يقدر بـ 826.8 مليون دولار. وبسبب توقف الدعم النقدي الدولي، مضت في برنامج رفع الدعم عن المواد الأساسية، بدءاً بالكهرباء. ولكنها بعد الاحتجاجات الشعبية، قامت بخفض الزيادة بعض الشيء، مع الاستمرار بتعديل نسبة الدعم على الكهرباء إلى 69 في المئة بعدما كانت 95 في المئة، وكذلك اتخاذ بعض الإجراءات لضبط صادرات الذهب والتهريب.
2022-01-30

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
مزارعة سودانية

أجاز منذ أيام الاجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء في السودان موازنة هذا العام. ومع أن الخطوة تبدو روتينية، إلا أنها تثير ثلاث ملاحظات تشير إلى عمق الأزمة التي تمسك بتلابيب المشهد السياسي في البلاد، والتي أصبحت تنداح إلى مختلف مناحي الحياة، بما في ذلك الجانب الاقتصادي، ومن ثم التأثير المباشر على حياة الناس.

أولى هذه الملاحظات أن هذه أول موازنة تتم أجازتها بعد رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في نهاية العام 2020، وهي الخطوة التي اعتبرت ضرورية لإعادة ارتباط السودان بالمؤسسات المالية العالمية، وفتح أبواب التعامل، وتقديم العون من قبل هذه المؤسسات. لكن انقلاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم أجهض هذا الاتجاه، إذ أعلنت واشنطن مباشرة أنها قامت بتجميد عون للسودان بمبلغ 700 مليون دولار، وكذلك أتبعها البنك الدولي بتجميد مبلغ 500 مليون، ورصيفه صندوق النقد بمبلغ 150 مليوناً. ولهذا خلت الموازنة من أي دعم خارجي. وأهم من ذلك أن هذا التجميد أصاب برنامج "ثمرات" الذي كان يقدم دعماً نقدياً وشهرياً للأسر لمعاونتها على التخفيف من الإجراءات الاقتصادية القاسية المترتبة على رفع الدعم عن المواد الأساسية، وهو البرنامج الذي كان يسهم فيه البنك الدولي بصورة كبيرة، واستفادت منه في مرحلته الأولى 527 ألف أسرة من جملة مليون و700 ألف أسرة تمّ تسجيلها، وكانت مستهدفة وذلك على الرغم مما لحق بالبرنامج من عثرات إبّان تطبيقه.

ثاني الملاحظات أن هذه الموازنة الجديدة أجيزت بعد مضي عشرين يوماً على بدء العام المالي - في الأول من كانون الثاني/ يناير - وهو ما يشير إلى خلل في أداء الدولة وفي تطبيق القوانين المعتمدة والتقاليد السائدة.

على أن لهذا التأخير تفسيره المنطقي، وهو يشير إلى ثالث الملاحظات. فلاعتماد أي موازنة، لا بد أن تتم إجازتها في مرحلتها النهائية من قبل هيئة تشريعية. وإنما وباعتبار أنه لم يتم تكوين مجلس تشريعي منذ سقوط نظام البشير، فقد استُعيض عن ذلك - استناداً لفتوى دستورية ولسوابق قديمة - أنْ يمثل الاجتماعَ المشترك لمجلسي السيادة والوزراء جهازٌ تشريعي يقوم بإجازة القوانين ومن ضمنها الموازنة.

مقالات ذات صلة

على أن البلاد ظلت بدون مجلس وزراء منذ انقلاب البرهان الأخير، بسبب تعقيدات الوضع السياسي. وبعد استقالة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك مطلع الشهر الجاري، حزم البرهان أمره، وقرر تكليف وكلاء الوزارات القيام بمهام الوزراء. وهؤلاء اعتبروا الحكومة التي شاركت مجلس السيادة في إجازة الموازنة.

بسبب حالة التضخم التي يعيشها الاقتصاد السوداني، فإن تكلفة الإنتاج ظلت ترتفع باستمرار للدرجة التي أصبح فيها المنتج المحلي أكثر كلفةً من المستورد، كما في حالة القمح. وتشير التقديرات إلى أن السودان سيحتاج إلى نحو 1.2 مليار دولار لاستيراد القمح وسد الاحتياجات الاستهلاكية.

حالة الفراغ السياسي والتنفيذي هذه بدأت تلقي بظلالها على مختلف الجوانب. ومع توقف تدفقات العون الأجنبي التي كانت تشكّل أحد العناصر الأساسية من الموازنة، يبقى الاعتماد على الموارد الداخلية وعلى رأسها الضرائب والرسوم المفروضة على مختلف السلع المنتجة والخدمات المقدمة، حتى تستطيع الحكومة توفير المال اللازم للإنفاق على مختلف الأنشطة. لكن مجالي الإنتاج والخدمات تعرضا ولا يزالان إلى ضغوط كبيرة تجعلهما أقل قدرة على الإسهام في تخفيف الضائقة الاقتصادية والمالية التي تعيشها السلطة.

القمح والدجاج..

وكمثال، فإن خطة الحكومة كانت تستهدف زراعة مليون فدان بالقمح، وسد نسبة كبيرة من احتياجات البلاد، لكن وبسبب الاضطراب السياسي والغياب التنفيذي، تم تقليص المساحة إلى 800 ألف فدان نصفها في مشروع الجزيرة. وفي واقع الحال، تمت زراعة 200 ألف فدان فقط في الجزيرة، وتحول المزارعون إلى محاصيل أخرى نقدية سريعة العائد. كما أسهم في تعقيد الوضع عجز البنك الزراعي عن توفير التمويل، وإصراره على أن يقوم المزارعون بشراء سماد اليوريا نقداً. وبسبب حالة التضخم التي يعيشها الاقتصاد السوداني، فإن تكلفة الإنتاج ظلت ترتفع باستمرار للدرجة التي أصبح فيها المنتج المحلي أكثر كلفة من المستورد، كما في حالة القمح. ولهذا تشير التقديرات إلى أن السودان سيحتاج إلى نحو 1.2 مليار دولار لاستيراد القمح وسد الاحتياجات الاستهلاكية. والرقم مرشح للزيادة بسبب تداعيات الأزمة الأوكرانية، حيث تعتبر أوكرانيا من أكبر منتجي ومصدري القمح في العالم.

ويقول بعض المراقبين إن الموسم الزراعي الصيفي كان يشكل في العادة سنداً للمزارعين في التمويل، ولو بصورة جزئية، إذ يسهم بتعزيز قدراتهم على مواجهة متطلبات الموسم الزراعي الشتوي. لكن مع أن الإنتاج في الموسم الصيفي كان قياسياً، خاصةً بالنسبة للقطن والفول السوداني والذرة، بسبب موسم الخريف الجيد، إلا أن ارتفاع تكلفة الإنتاج والترحيل مع عامل التضخم، أدى إلى حالة من الكساد والتراجع في ما يحصل عليه المنتجون. وكما أوضح أحد المزارعين، فإنه كان يبيع شوال الفول في السابق بمبلغ ثمانية آلاف جنيه، تراجعت إلى خمسة آلاف في الوقت الحالي. وأضاف أن بيع شوال واحد من القطن كان يمكّنه من شراء ثلاثة من شوالات سماد اليوريا، لكنه الآن يتيح له فقط شراء أقل من شوال كامل من السماد.

بعد انقلاب البرهان الأخير، ظلت البلاد بدون مجلس وزراء بسبب تعقيدات الوضع السياسي. ولكن حالة الفراغ السياسي والتنفيذي هذه بدأت تلقي بظلالها على مختلف الجوانب، فقرر البرهان تكليف وكلاء الوزارات القيام بمهام الوزراء، وشكل هؤلاء الحكومة التي شاركت مجلس السيادة في إجازة الموازنة.

من تأثيرات الاضطراب السياسي والغياب التنفيذي مثال شركة "ميكو" للدواجن، التي تعرضت إلى إجراءات من قبل لجنة تفكيك نظام الإنقاذ، وإزالة عناصره من المواقع السياسية والاقتصادية. فهذه الشركة كانت تغطي حوالي 60 في المئة من احتياجات العاصمة المثلثة، وتبيع كيلو الفراخ بمبلغ 500 جنيه سوداني. لكنها بعدما تعرضت له من إجراءات، ولغياب الترتيبات الإدارية والتنفيذية اللازمة لضمان استمرار العمل، تدهورت قدراتها الإنتاجية، وأصبحت تغطي 10 في المئة فقط من احتياجات العاصمة في الوقت الذي ارتفع فيه سعر كيلو الدجاج إلى 2500 جنيه.

الولايات على الخط

على أن من أكبر تأثيرات الوضع السياسي المضطرب دخول بعض ولايات السودان الثماني عشرة على خط المواجهة مع جهاز الدولة، والضغط بما هو متاح لديها رافعين راية المعارضة لمواقف وسياسات حكومية كوسيلة ناجعة للحصول على حقوقها. كانت البداية في شرق السودان الذي يضم منْفذ البلاد الرئيسي إلى العالم الخارجي، وهو ميناء بورتسودان. اعترضت مجموعات ذات ثقل سكاني وسياسي على اتفاقية جوبا التي ضمت مسارات لشرق وشمال ووسط السودان. على الرغم من أن هذه المناطق الثلاث لم تشهد تمرداً مسلحاً، كما أن أهلها لم يفوضوا الذين تحدثوا باسمها، ولم يرفعوا بندقيةً ليكتسبوا شرعيةً ما عن طريق السلاح، وأن الاتفاق شملها بغاية الادعاء أنه يضم كل البلاد... إلا أنه، وعندما اعتمدت الحكومة اتفاق جوبا بمساراته هذه على الرغم من اعتراض أهل هذه المناطق، قرر أهل الشرق إغلاق الطريق الرئيسي الذي يربط ميناء بورتسودان بالداخل، واستمر ذلك لنحو عشرة أسابيع. ويقدر أن الخسائر التي تسبب بها الإغلاق تتراوح بين 35 مليون إلى 50 مليون دولار يومياً، عدا الخسائر الجانبية.

وتكرر الأمر نفسه في الإقليم الشمالي حيث أغلق طريق "شريان الشمال" الذي يبدأمن الخرطوم ويصل إلى مصر عبر الولاية الشمالية. والسبب كان رفع تعرفة الكهرباء، خاصةً بالنسبة لمستهلكي الكهرباء في أنشطتهم الزراعية. ففي مطلع الشهر الجاري قامت كلٌّ من وزارتي المالية والطاقة برفع تعرفة الكيلوات للاستخدام الكهربائي في الزراعة من 1.8 جنيه إلى 21 جنيهاً. المحتجون الذين قاموا بإغلاق الطريق أمام الشاحنات التي تنقل الصادرات والواردات من وإلى مصر، طالبوا بإلغاء هذه الزيادة التي تعني بالنسبة لهم اغتيالاً اقتصادياً. كما شملت مطالبهم أن تخصص للولاية 2 في المئة من الكهرباء المنتجة في سد مروي الذي يقع في الولاية الشمالية، وهو أكبر مركز للتوليد الكهربائي في البلاد، وكذلك تخصيص نسبة 30 في المئة لصالح الولاية من عائد بيع الكهرباء، وذلك اتساقاً مع اتفاقية جوبا التي اعتمدت مبدأ تخصيص نسبة من الموارد المستغَلة في إقليم دارفور مثلاً لصالح أهل الإقليم.

الحكومة التي تعاني موازنتها من عجز يقدر بـ 826.8 مليون دولار، لم تجد أمامها مخرجاً غير المضي في برنامج رفع الدعم المستمر منذ أكثر من عام، بدءاً بالكهرباء. ثم قامت بتعديل الزيادة تخفيضاً، وذلك بهدف تخفيف الدعم الذي تقدمه من 95 في المئة إلى 69 في المئة، وكذلك اتخاذ بعض الإجراءات لضبط صادرات الذهب وتخفيض نسبة التهريب، بأمل تخصيص 70 في المئة من عائدات تصدير الذهب لاستيراد بعض السلع الاستراتيجية مثل القمح والدواء... وكل ذلك في مسعًى لتغطية فجوة غياب العون الدولي.

وهكذا تبدو أقاليم السودان في خضم نقلة نوعية للحصول على حقوق مواطنيها، مستغلةً الوضع السياسي القائم عبر توظيف آلية الحراك الشعبي، وبعيداً عن اللجوء إلى السلاح الذي شكّل في الماضي وسيلةً للفت أنظار الحكومات المتعاقبة، للوصول إلى ترتيبات ما تؤدي إلى تعديلات في قسمة السلطة والثروة، انتهت في الماضي – وغالباً - لصالح أفرادٍ ممن كانوا يقودون عمليات التمرد تلك.

ومع أن الموازنة ركزت على برامج للحماية الاجتماعية بهدف الى تخفيف آثار سياسة "الإصلاح" ورفع الدعم، إلا أن تراجع الدعم الخارجي، والتعثر المتوقع في تحصيل الرسوم والعائدات سيدفع الحكومة إلى الاستدانة من النظام المصرفي المحلي، وهو ما يزيد من إمكانية اشتعال التضخم.

كانت خطة الحكومة تستهدف زراعة مليون فدان بالقمح، وسد نسبة كبيرة من احتياجات البلاد. لكن وبسبب الاضطراب السياسي والغياب التنفيذي، تمّ تقليص المساحة إلى 800 ألف فدان، نصفها في مشروع الجزيرة. و في واقع الحال، تمت زراعة 200 ألف فدان فقط في الجزيرة، وتحول المزارعون إلى محاصيل أخرى نقدية سريعة العائد. 

كانت شركة لإنتاج الدواجن تغطي حوالي 60 في المئة من احتياجات العاصمة المثلثة، وتبيع كيلو الفراخ بـ 500 جنيه سوداني. لكنها، ولغياب الترتيبات الإدارية والتنفيذية اللازمة لضمان استمرار العمل، تدهورت قدراتها الإنتاجية، وأصبحت تغطي 10 في المئة فقط من احتياجات العاصمة، في الوقت الذي ارتفع فيه سعر كيلو الدجاج إلى 2500 جنيه بسبب التضخم القائم.

وكانت وزارة المالية في بيانها عن الموازنة قد اعترفت بوجود تحديات عديدة تواجه تنفيذها، ذكرت من ضمنها التقلبات السياسية وتأثيراتها السلبية واستمرار تداعيات العزلة الدولية، خاصةً على القطاع المصرفي، والضعف الملموس في المؤسسات الاقتصادية، واستمرار الاعتماد على مدخلات الإنتاج المستورد، والتهرب الضريبي وارتفاع البطالة وغيرها. وكان رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك قد ذكر أن 82 في المئة من الإيرادات المالية للمؤسسات الأمنية والعسكرية خارج سيطرة وزارة المالية.

في تقرير لها عن السودان آخر العام 2021 ، قدرت وحدة استخبارات الإيكونومست أن الاقتصاد حقق خلال العام المنصرم نسبة نمو بلغت 0.07 في المئة، كما توقعت أن تستمر المظاهرات ضد الانقلاب حتى منتصف هذا العام، الأمر الذي يعزز من حالة عدم اليقين، وغياب الاستقرار السياسي والاقتصادي مع استمرار دورة العنف في دارفور وبعض المناطق الأخرى. حالة الكساد الناجمة عن هذه الظروف مجتمعةً قد ترفع نسبة التضخم التي قدّر التقرير أنها بلغت 377 في المئة، وأما انخفاضه فمرتبطٌ بتمكّن الإجراءات الحكومية من تحقيق قدر من الاستقرار السياسي والأمني.  

مقالات من السودان

السودان… تباشير تسوية أم نُذرها؟

اعتاد السودانيون منذ سنوات على استقبال الأعياد بقدر ضئيل من الأفراح يكاد يتلاشى تماماً في بعض مناطق السودان حيث تجري الدماء بشكل "معتاد" فغاب الفارق بين المآسي والأفراح. ومع ذلك...

للكاتب نفسه