"لجان المقاومة" اللاعب الجديد في المشهد السوداني

عن ظاهرة "لجان المقاومة" في السودان وتجربتها. وهي تتبنى تنظيماً أفقياً تطلق عليه "تنسيقيات" في مختلف المواقع الجغرافية. وكان اللجوء إلى هذا الشكل بدايةً لتحجيم المخاطر الأمنية أيام "نظام الإنقاذ"، وفيما بعد لصد محاولات التأثير من الأحزاب السياسية. وهذا إطار الفعالية السياسية للشباب.
2022-01-05

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
مظاهرات الخرطوم في تشرين الثاني 2021. الصورة من "ملف عن أفضل صور العام 2021" الذي أنتجه موقع "ميديابرات".

في يوم الحادي والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم، كانت المظاهرات تنطلق، كما ظلت منذ أسابيع، في شوارع الخرطوم منددةً بانقلاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورافعةً لصور الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء وقتها والمحتجز في منزله، على أساس رمزيته بالنسبة لمطلب "مدنية الدولة". ثم جاءت الأخبار بتوقيع حمدوك على الاتفاق السياسي مع البرهان، وتبعها سريعاً رد الفعل في المظاهرات نفسها، مندداً بالاتفاق وبحمدوك شخصياً. واللافت في هذا التحول السريع أنه لم ينتظر توجيهاً من قيادة سياسية حزبية أياً كانت، أو من المجلس المركزي لتحالف "الحرية والتغيير"، الذي شكل القيادة المدنية التي أطاحت بحكم الرئيس السابق عمر البشير، وشاركت في السلطة خلال العامين الماضيين.

 دينامية "الشارع" هذه تُعتبر من أبرز ملامح الحراك الشعبي المستمر بصورة أو بأخرى منذ العام 2018. وهذا خلافاً للانتفاضتين الشعبيتين السابقتين في 1964 و1985، عندما تمت الإطاحة بالنظامين العسكريين الأول والثاني. حينها انسحب الشارع من المشهد تاركاً الأمر للنخب السياسية لعمل ترتيبات الوضع الجديد. هذه المرة كان "الشارع" حاضراً، متمثلاً في استمرار الاعتصام أمام قيادة القوات المسلحة منذ الإعلان عن إزاحة الرئيس السابق البشير، ولفترة 52 يوماً متصلة، إلى أن وقع الفضّ الدموي للاعتصام فجر الثالث من حزيران/ يونيو 2019. ثم حضر الشارع في الترتيب لمليونية الثلاثين من الشهر نفسه، وهي ذكرى انقلاب نظام "الإنقاذ". وقد نجحت على الرغم من قطع الإنترنت، ومن ذكريات فضّ الاعتصام المريرة التي لم يكن قد مرّت عليها أربعة أسابيع. وقد أسهم ذلك في تعديل الميزان لصالح القوى المدنية، وتعميد "تحالف الحرية والتغيير" شريكاً للعسكريين في الفترة الانتقالية.

هذا الحضور شبابي في الأساس. وهؤلاء على استعداد لدفع حياتهم ثمناً. فمن جملة 54 شهيداً خلال فترة ثلاثة الأشهر الأخيرة، الذين لقوا حتفهم منذ انقلاب البرهان، فإن 13 في المئة منهم تقل أعمارهم عن 18 عاماً، و46 في المئة بين 18 و25 عاماً، و26 في المئة بين 26 و35 عاماً، وذلك وفق تقرير "لجنة الأطباء". وحصل هذا الوجود الشبابي بقيادة "لجان المقاومة" على اعتراف دولي، إذ دعاهم "فولكر بيرتس" الممثل الأممي في السودان، إلى اجتماع للبحث في الأزمة السياسية، لكنهم رفضوا الاجتماع به، واستعاضوا عن ذلك بإرسال خطاب يحمل وجهة نظرهم في ما يجري.

الملمح الثاني الجدير بالتسجيل، هو غياب أي مطالب ذات طبيعة اقتصادية في هذه المظاهرات، على الرغم من تصاعد التضخم إلى أرقام فلكية، والتردي الكبير في الوضع الاقتصادي. وقد أصبح التركيز على "مدنية الدولة"، وإبعاد العسكريين عن السلطة عبر الشعار الثلاثي "لا تفاوض، لا شراكة، ولا شرعية" معهم.

أما الملمح الثالث فيتمثل في النأي عن الأحزاب السياسية. ففي مطلع العام 2018، بدأت حكومة البشير في الرفع التدريجي للدعم عن بعض السلع، الأمر الذي دفع بالأحزاب السياسية المعارضة إلى الدعوة إلى مظاهرات منددة بتلك الإجراءات الاقتصادية. تلك الدعوات لم تنجح في جذب الناس، خاصة فئة الشباب، إذ لم يتعد حجم أفضل المظاهرات بضع مئات في أحسن الحالات. ويفسر هذا لماذا نجح "تجمع المهنيين" في استقطاب بعد جماهيري للمظاهرات التي كان يدعو لها كونه لا يعتمر القبعة الحزبية.

الجذور

يعود الموقف السلبي من الأحزاب بجذوره إلى العام 2013، عندما قمعت قوات الأمن في سلطة "الإنقاذ"، وبعنف مفرط التحركات الشبابية التي قادتها وقتها مجموعتا "قرفنا" و"التغيير الآن"، ولم تحظ بدعم سياسي يُذكر من الأحزاب التقليدية على الرغم من عمليات القتل المرتكبة، والتي راح ضحيتها حوالي 200 قتيل. ويعتقد على نطاق واسع أن وراءها "قوات الدعم السريع" التي كانت تستخدم سيارات بدون لوحات.

تعتبر دينامية "الشارع" من أبرز ملامح الحراك الشعبي المستمر بصورة أو بأخرى منذ العام 2018. وهذا خلافاً للانتفاضتين الشعبيتين السابقتين في 1964 و1985، عندما تمت الإطاحة بالنظامين العسكريين الأول والثاني. حينها انسحب الشارع من المشهد تاركاً الأمر للنخب السياسية لعمل ترتيبات الوضع الجديد.

الحضور شبابي في الأساس. وهؤلاء على استعداد لدفع حياتهم ثمناً. فمن جملة 54 شهيداً خلال فترة ثلاثة الأشهر الأخيرة، الذين لقوا حتفهم منذ انقلاب البرهان، فإن 13 في المئة منهم تقل أعمارهم عن 18 عاماً، و46 في المئة بين 18 و25 عاماً، و26 في المئة بين 26 و35 عاماً، وذلك وفق تقرير "لجنة الأطباء". 

وتجربة انتفاضة أيلول/ سبتمبر 2013 الموؤدة تعتبر إلى حد كبير البداية الحقيقية لتشكيل "لجان المقاومة"، إذ استفادت من الخبرات التي تراكمت منذ ذلك الوقت، بما فيها عمليات الاعتقال المستمرة، التي ساعدت في تسييس هؤلاء الشباب. وأسهمت من ناحية أخرى السياسات المالية والاقتصادية القاسية للنظام بعد انفصال جنوب السودان وذهاب عائدات البترول، في دفع الكثير من خريجي الجامعات إلى مراتب اجتماعية أدنى، والعمل في مهن يدوية مثلاً، أو سائقي حافلات صغيرة، بسبب تضاؤل فرص العمل، حيث يُقدّر حجم البطالة للذين أعمارهم بين 15 و24 عاماً بنحو 27 في المئة حسب إحصائية للبنك الدولي. لكنهم اكتسبوا خبرات نوعية في أركان النقاش السياسي في الجامعات، والتشبيك مع مجموعات أخرى على المستوى الأفقي، مستخدمين وبفعالية تطبيق "واتساب" الذي انتشر بصورة ملحوظة منذ العام 2018، مما وفر وسيلة تواصل واتصال مستقلة نسبياً عن السيطرة الحكومية.

تنطلق نظرة هؤلاء الشباب إلى نظام الإنقاذ ومن بعدِه - في الوضع الحالي - إلى العسكريين، من نقطتين وفرتا دافعاً قوياً لتشكيل هذا الوجود المؤثر في الشارع. أولهما الإحساس بالغبن الذي يرجع إلى وأد انتفاضة 2013، ثم إلى الفض الدموي لاعتصام القيادة في أواخر رمضان 2019، واستمرار تساقط الضحايا بعد انقلاب البرهان الأخير.

أما النقطة الأخرى فتتمثل في سيطرة المنظومة الأمنية بمختلف تشكيلاتها على مواقع مؤثرة في المشهد الاقتصادي، وذلك عبر شركاتها التي تتمتع بمختلف أنواع الدعم الحكومي، من إعفاء للجمارك وغيرها، بل واستخدام الإمكانيات الحكومية في النقل وتوفير الوقود.. إلى غير ذلك. ووفقاً للدكتور حمدوك، فإن نحو 82 في المئة من عائد المؤسسات الإيرادية تسيطر عليها شركات المنظومة الأمنية. ومع تزايد اللغط السياسي حول هذا الموضوع، ودخول الأمريكان على الخط، فقد بدأ التحرك وببطء بالحديث عن نقل الشركات العاملة في المجالات المدنية إلى الحكومة. ومع أن الأرقام تتضارب، إلا أنه ووفقاً لمعلومات غربية، فإن هناك حوالي 200 من شركات المنظومة الأمنية، منها ما يزيد على الثلاثين شركات قابضة، أي تضم أكثر من شركة. وحتى منتصف العام الماضي بلغ دخل هذه الشركات السنوي حوالي ملياري دولار بالسعر الرسمي وقتها، وهي تنشط في مختلف المجالات من تجارة الذهب والماشية والصمغ العربي، كما أنها تسيطر على 60 في المئة من تجارة الدقيق، ونسب كبيرة من سوق الاتصالات والعقار والجهاز المصرفي. وقبل بضع سنوات، أعلنت "شركة جياد"، وهي شركة قابضة تضم تحت جناحيها أكثر من عشرين شركة، أن أرباحها بلغت في عام واحد 360 مليار جنيه، أي بمعدل مليار جنيه ربح كل يوم.

وهكذا، فبالإضافة إلى الشعور بالغبن بسبب الدور المنسوب لهذه القوات في استهدافها للشباب، أصبح هناك عاملٌ آخر يتمثل في سيطرة هذه المنظومة على موارد مالية واقتصادية كان يمكن تخصيصها لتحسين الوضع الاقتصادي العام، وتوفير فرص للشباب ليتطلعوا بأمل إلى المستقبل بدلاً من الأفق المسدود القائم.

موقف سلبي

هذا الموقف السلبي يتجاوز العسكريين ليطال "قوى الحرية والتغيير" التي يرى الشباب و"لجان المقاومة" أنها لم تهتم بقضايا أساسية مثل إصدار نتيجة التحقيق في مجزرة فضّ الاعتصام الذي كان ينبغي أن يكتمل في ظرف شهرين، وها هو يتجاوز العامين ولم يصدر شيء بعد، مما يعطي الإحساس بوجود تواطؤ من قبل المدنيين، وكذلك عدم تشكيل المجلس التشريعي الذي كان يفترض تشكيله بعد ثلاثة أشهر من تشكيل أول حكومة. وعلى ذلك بعض الاتهامات بالفساد. 

وهو ما دفع ببعض المتظاهرين إلى الهجوم على بعض قيادات "الحرية والتغيير" الذين شاركوا في المظاهرات الأخيرة بعد انقلاب البرهان. وكانت أبرز مفاصلة بين الاثنين ما تمثل في رفض "لجان المقاومة" مقترح الحكومة الانتقالية أن تتحول إلى "لجان للتغيير والخدمات" تحل محل "اللجان الشعبية" التي كانت تعتبر ذراعاً لحزب الإنقاذ، المؤتمر الوطني.

وفقاً لرئيس الوزراء المستقيل، الدكتور حمدوك، فإن نحو 82 في المئة من عائد المؤسسات الإيرادية تسيطر عليها شركات المنظومة الأمنية. هناك حوالي 200 من شركات المنظومة الأمنية، منها ما يزيد على الثلاثين شركات قابضة، أي تضم أكثر من شركة. وحتى منتصف العام الماضي بلغ دخل هذه الشركات السنوي حوالي ملياري دولار بالسعر الرسمي وقتها.

تتبنى "لجان المقاومة" تنظيماً أفقياً تطلق عليه "تنسيقيات" في مختلف المواقع الجغرافية. وكان اللجوء إلى هذا الشكل بدايةً لتحجيم المخاطر الأمنية أيام "نظام الإنقاذ"، وفيما بعد لصد محاولات التأثير من الأحزاب السياسية. وعلى الرغم من ذلك، يُعتقد أن للحزب الشيوعي تأثيراً ما عليها، أكبر من غيره من الأحزاب، وذلك لسببين رئيسيين: فهو يتماهى مع "لجان المقاومة" في شعار اللاءات الثلاث التي تدعو إلى إقصاء العسكر من العملية السياسية، إذ تبنى هذا الموقف مبكراً مما أدى إلى انسحابه من "تحالف الحرية والتغيير". والسبب الثاني يتمثل في قدرته على العمل من خلال واجهات نقابية كما فعل مع "تجمع المهنيين" وتمكّنه من السيطرة على الجزء الأهم من التجمع الذي تصدر باسمه البيانات الداعية للمشاركة في المظاهرات.

هذا التنسيق بين لجان المقاومة والحزب الشيوعي وواجهاته، تمكن من إبقاء جذوة الحراك الشعبي مشتعلةً، بل ومن رفض مقترح "الحرية والتغيير" بالعودة إلى الوثيقة الدستورية وترتيبات ما قبل انقلاب البرهان، كما من تجاهل خارطة الطريق للخروج من الأزمة التي طرحها "حزب الأمة" وهو تجاهل أقرب إلى الرفض، الأمر الذي يجعل من الشارع رقماً صعباً عند تسويق أي تسوية سياسية له. وهذه أكبر معضلة تواجه البرهان حالياً، وليس أدلّ على ذلك من "التبادل" الحاصل للأدوار، إذ كانت "لجان المقاومة" تقوم بوضع المتاريس في الشوارع كي تعطل حركة سيارات الأمن والشرطة، بينما أصبحت الحكومة الآن تغلق الجسور وتقطع خدمات الإنترنت لإجهاض تحركات الشارع.

يعود الموقف السلبي من الأحزاب بجذوره إلى العام 2013، عندما قمعت قوات الأمن في سلطة "الإنقاذ"، وبعنف مفرط التحركات الشبابية التي قادتها وقتها مجموعتا "قرفنا" و"التغيير الآن"، ولم تحظ بدعم سياسي يُذكر من الأحزاب التقليدية على الرغم من عمليات القتل المرتكبة، والتي راح ضحيتها حوالي 200 قتيل. ويعتقد على نطاق واسع أن وراءها "قوات الدعم السريع" التي كانت تستخدم سيارات بدون لوحات.

يرى الشباب و"لجان المقاومة" أن "قوى الحرية والتغيير" لم تهتم بقضايا أساسية كإصدار نتيجة التحقيق في مجزرة فضّ الاعتصام الذي كان ينبغي أن يكتمل في ظرف شهرين، وقد يتجاوز العامين مما يعطي الإحساس بوجود تواطؤ من قبل المدنيين، وكذلك عدم تشكيل المجلس التشريعي الذي كان يفترض تشكيله بعد ثلاثة أشهر من تشكيل أول حكومة، وعلى ذلك بعض الاتهامات بالفساد.

لكن يبقى التحدي الرئيسي في كيف يمكن للجان المقاومة هذه أن تقدّم قيادةً قادرة على التعاطي مع الواقع السياسي المتأزم خارج دائرة الرفض. فتجربة الحكومة الانتقالية تشير إلى أنه من السهولة بمكان جمع الناس حول هدف سلبي مثل "تسقط بس"، الذي رُفع حتى تم إسقاط البشير، لكن إدارة الدولة تحتاج إلى أكثر من جمع الناس حول هدف سلبي مثل لاءات الشراكة والمفاوضات والشرعية... فهي تحتاج إلى برنامج عمل قابل للتطبيق.  

مقالات من السودان

السودان… تباشير تسوية أم نُذرها؟

اعتاد السودانيون منذ سنوات على استقبال الأعياد بقدر ضئيل من الأفراح يكاد يتلاشى تماماً في بعض مناطق السودان حيث تجري الدماء بشكل "معتاد" فغاب الفارق بين المآسي والأفراح. ومع ذلك...

للكاتب نفسه