بين رام الله ومريد البرغوثي، تَعْبر كل العواصم والمدن ولا تصل!

المسافة من القاهرة إلى رام الله قصيرة، أو أنها كانت، ومن رام الله إلى بيروت أقصر.. لكن الاحتلال الاسرائيلي يمكنه أن يوسّع المسافة بين المسجد الاقصى وكنيسة القيامة في قلب القدس، حتى يتعذر قياسها بأسماء الأماكن، ويصبح فرضاً العودة إلى التاريخ والى أسباب القوة، لا الجغرافيا.
2021-02-16

شارك
مريد البرغوثي ورضوى عاشور وابنهما تميم البرغوثي.

"أنتِ جميلة كوطنٍ محرَّر وأنا متعبٌ كوطن محتل"..
*مريد البرغوثي

بين الناس من يكفي أن تلتقيه مرة حتى تشعرك الالفة التي تشد واحدكما إلى الآخر بانكما "صديقا عمر"، وان كلا منكما يشعر بالآخر ويفهمه.. ولقد التقيت الكاتب والاديب والمناضل مريد البرغوتي في مرات عدة، أولها في القاهرة وكانت المضيفة الاديبة خلقاً وكتابة رضوى عاشور، والتي غادرت منذ زمن، الأسرة التي صنعتها المصاهرة الفلسطينية – المصرية، تقدم نموذجاً بسيطاً وفذاً لأمة العرب، كما نرتجيها جميعاً.

كان عقد الزواج بين هذا اللاجئ الفلسطيني الذي يتخذ من قلمه جواز سفر بسيطاً، يتكون من كلمتين: زوجتك نفسي.. فاذا ما جاء الجواب هتف الحبيبان: لتكن لنا الدنيا.

كان العاشقان اللذان سيغدوان بعد ذلك زوجين تحتضنهما القاهرة يحلمان باستكمال العرس في فلسطين..

وهكذا انصرف الكاتبان إلى تطريز قصة حبهما، بهدوء وعلى مهل، لأن "التحرير" آتٍ من البعيد البعيد، من خلف الذاكرة والذراع والقلم، لذا كانت له محطات مبشرة بالفتح كما كانت له انتكاسات تعيد صياغة موضوع التحرير بحروف من جمر لا يمسها الا المؤمنون الصابرون والذين يعرفون أن قضيتهم أكثر تعقيداً من مقاومة المحتل، ومن الاندفاع إلى القتال العشوائي واستهلاك الطاقة في مواجهات هائلة الدوي لكنها قليلة المردود. 

****

كان المدخل الشرعي للنصر تفكيك المشروع الصهيوني باستذكار بداياته، سواء تلك المتصلة بالتحولات التاريخية والمحطات الفاصلة للحركة الصهيونية، ولتفكك أو استنزاف الرابط بين عرب الصحراء وعرب البحر، بين عرب السيف وحرب المدفع، بين العرب الأسرى والمرتهِنين لإرادة الغير، والعرب الأحرار الذين لا يملكون غير ذاكرتهم حافظة للتاريخ وغير زنودهم التي تتشوق إلى السيوف، وبين أمانيهم التي تتطلع إلى القيادة المؤهلة.

ولسوف يمضي وقت طويل قبل أن ينتبه العرب، ومعهم السلطان العثماني إلى أن الحركة الصهيونية قد سبقتهم بالفكر ثم بالتنظيم ثم بنسج التحالفات من اجل حرب ستمر بتحولات كثيرة، وبعواصم عديدة قبل المباشرة في خوض معركة "تحرير الارض" لبناء الدولة الصهيونية في فلسطين، وعلى الارض المقدسة، بقوة التحالفات الدولية، سياسياً، والتحضير العملاني على أرض فلسطين، ثم في عواصم التواجد اليهودي، وعبر خطاب الحركة الصهيونية الذي غادر التمني ولغة الأحلام، واندفعت قيادته إلى نسج التحالفات وكسب المناصرين والمؤيدين، ومن ثم استقطاب "المضطهدين" وضحايا العداء ذي التاريخ الملتبس وإن هو جمع بين الدين والسياسة، وبين اعادة رسم الجغرافيا على هدى التخيل، وكان لا بد أن يصير السلاح حقيقة فوق أرض فلسطين.

بالمقابل كانت القيادات العربية، التي اصطنع الاجنبي غالبيتها، تعيش احلام اليقظة المستمدة من تاريخ الفتوحات ونشر الدين الحنيف، وانما هذه المرة بملك وامراء وشيوخ قبائل، وبجهل وأمية وغربة عن العصر والقوى التي تتقدم لتهيمن على العالم القديم.

على ماذا استند الشريف حسين وهو يعلن الثورة العربية العظمى ضد العثمانيين، قبل ان يطلق الامير عبد الله ليتخذ من الاردن مركزاً لإمارته، والامير فيصل إلى سوريا ومعها بيروت لتكون مملكته، قبل أن تصدمه الحقيقة التي تعامى عنها، انه قائد بلا قضية وبلا جيش وبلا سلاح.. لذا فانه قد هرب من مواجهة جيش الاحتلال الفرنسي حين تقدم من لبنان إلى دمشق، متخطياً "الحاجز المسلح" في ميسلون، ليحاول تقطيع سوريا إلى ثلاث دول على قاعدة مذهبية (السنة والعلويون)، قبل أن تتصدى له فتكشف مشروعه الثورة الشعبية (1925) في سوريا جميعاً، والتي اكد خلالها السوريون انهم شعب واحد في وطن واحد.. ومن ثم في دولة واحدة.

في هذه الاثناء كان البريطانيون ينالون فلسطين الجائزة لانتصارهم في الحرب العالمية الأولى (بالشراكة مع فرنسا).. ومع فلسطين شرقي الاردن الذي اقتطع من الارض السورية لتقام امارة للأمير عبد الله ابن الشريف حسين..

ثم يسحب الامير فيصل ابن الشريف حسين من دمشق، بعدما احتلت فرنسا سوريا، لينصّب ملكاً على العراق الذي سيوضع تحت الوصاية البريطانية.

صار عرب المشرق خاضعين لاستعمارين اثنين: فرنسا في لبنان وسوريا، وبريطانيا في الاردن والعراق (فضلاً عن مصر.. وعن شبه الجزير والخليج العربي).

وفي حين كان الامراء والشيوخ ينالون الجوائز البريطانية والفرنسية على شكل "دول" يحكمها المندوب السامي (البريطاني أو الفرنسي) كانت الحركة الصهيونية تبذل جهوداً يومية وتنسج علاقات وتحالفات دولية لاستخلاص كيانها في فلسطين، ليكون دولتها: إسرائيل.

****

.. ولقد يمم مريد البرغوثي وجهه نحو القاهرة، وفيها عاش سنيناً طويلاً، خصوصا وانه قد تزوج فيها الروائية رضوى عاشور.

المسافة من القاهرة إلى رام الله قصيرة، أو أنها كانت، ومن رام الله إلى بيروت أقصر..

لكن الاحتلال الاسرائيلي يمكنه أن يوسع المسافة بين المسجد الاقصى وكنيسة القيامة في قلب القدس حتى يتعذر قياسها بأسماء الأماكن ويصبح فرضاً العودة إلى التاريخ والى أسباب القوة، لا الجغرافيا.

.. وهكذا كان لا بد من أن يغادر مريد البرغوثي القاهرة إلى بيروت، ومن بيروت إلى عمان، ومن عمان إلى القدس حتى يصل إلى رام الله.

كانت زوجته رضوى عاشور التي صارت وطنه وصار بيتهما في القاهرة، وجهة الكتًاب والادباء والفنانين العرب.. وصار لهما في بيروت "فرع" متمثلاً في ابنهما تميم الذي أراد الاستقلال مبكراً فجاء إلى بيروت حيث درس وعمل بجد في مؤسسة دولية لها اهتمامها الخاص بفلسطين..

لكن المآسي لا تجيء فرادى.. وهكذا مرضت رضوى عاشور، وأحاطها الادباء والكتًاب في القاهرة، مصريين ومن سائر الاقطار العربية، حيث تحول البيت إلى عاصمة للحزن العربي: فقد رحلت رضوى عاشور.

صار الزوج مريد البرغوثي الفلسطيني المفرد في القاهرة
وصار الابن تميم البرغوثي موظفاً أممياً مركزه بيروت التي درس فيها..
وحين صار الأب وحيداً جاء إلى بيروت ليسكن قريباً من تميم!
... وحين قرر العودة اخيراً، لم يجد رام الله.

مريد البرغوثي يرى كل رام الله

هو الآن في رام الله.. هو الآن يرى كل رام الله.

كان ضروريا ان "يرى" مريد البرغوثي مدينته، أرضه، جنته المفقودة، بعد ثلاثين دهراً من الغربة، لكي تنز جراحه فيكتب أجمل قصائده في ديوانه النثري الجديد "رأيت رام الله". وهو دقيق في عنوانه كما في السرد المفصّل للتمييز بين "العودة" وبين "الزيارة"، بين "الاستعادة" وبين "رؤيتها"، بكل ملاعب الصبا وعبق الذكريات ونشوة الشعور بالانتساب الى التراب والحجارة وشبابيك البيوت المهجورة، بعين الحنين المقيم بينما صاحب الارض "عابر"، جاء بإذن موقوت، ينسرب من بين أصابعه كالرمل، ليرميه وهو في مسقط رأسه حيث كان دائماً: في الغربة الموحشة: 

"الغربة لا تكون واحدة. انها دائما غربات. غربات تجتمع على صاحبها وتغلق عليه الدائرة. يركض والدائرة تطوقه. عند الوقوع فيها يغترب المرء في أماكنه وعن أماكنه. أقصد في نفس الوقت...".

بعد ثلاثين عاما من التشرد في أرحام ذوي القربى كما في المنافي البعيدة، وبموجب إذن خاص، وتحت لافتة "لمّ الشمل"، وفي ظل التوهم بأن بعض فلسطين قد "أعيد"، بشكل ما الى أهله، وقامت فيه "سلطتهم"، يمشي مريد البرغوثي المرحلة العسكرية: من الخارج الى الداخل... ولكنه لا يجد داخلاً!

"أخيرا، ها أنا أمشي بحقيبتي الصغيرة على الجسر الذي لا يزيد طوله عن بضعة أمتار من الخشب، وثلاثين عاماً من الغربة...
كيف استطاعت هذه القطعة الخشبية الداكنة ان تقصي أمة بأكملها عن أحلامها؟! ان تمنع أجيالاً بأكملها من تناول قهوتها في بيوت كانت لها؟! انني لا أشكرك أيها الجسر القليل الشأن والأمتار. لست بحراً ولست محيطاً حتى نلتمس في أهوالك الأعذار. لست سلسلة جبال تسكنها ضواري البر والغيلان، غيلان الخرافة، حتى نستدعي الغرائز والوقاية دونك...
لكنك من صنع نجارين تعساء يضعون المسامير في زوايا الشفاه والسيجارة على الأذن.. هل أخجل منك أم تخجل مني؟! أي حرج هذا؟
انني لا أسامحك، وأنت لا تسامحني..."

يدخل مريد البرغوثي في جرحه رويداً رويداً. الأرض هي الأرض، لكن كل من فيها وكل من فوقها وكل ما عليها قد تغيّر بحيث يكاد ينكرها وتكاد تنكره لأنها ستفترض انه قد تنكّر لها.

ما تبقّى له فيها هو الماضي العاجز عن تجديد نفسه والامتداد داخلها ليكون الحاضر والمستقبل. وهو يحاول ان يرمم نفسه في ذاكرته: ولكن أين الذين كانوا سيكونون فيها وبها ومنها وستكون وتبقى بهم؟!

الباقون هم الذاهبون قريبا الى الموت ومعهم حسرة الذين غابوا ولم يعودوا.

الباقون هم الذين حاولوا بأجسادهم، بأنفاسهم، بصمودهم لكل أنواع العذاب ان يستبقوا لها هويتها.. ولكن موعدهم مع الرحيل قد اقترب ولم يعد من يفترض أن يعودوا، ومن عاد من أولئك جاء بلا الماضي، تقريباً.. عاد وذاكرته مشحونة بأمكنة اخرى، فلم يعد لدير غسانة ومضافتها ودار رعد ودار الصالح ومدرستها وطرقاتها الترابية مكان فسيح يصلح نقطة انطلاق لاعادة وصل ما انقطع!

العائد "يعرف ان يكون محباً آمناً ومحبوباً خائفاً. انه يدنو كلما نأى وينأى كلما دنا. كل بيت هو لغيره أيضا".

حتى بيته هنا، بل لا سيما بيته هنا، هو لغيره أيضاً، بل انه وفي معظم فلسطين قد غدا لغيره فقط، وصار عليه ان يتنقل هو بين بيوت لغيره، وفي صدره يتلاشى ذلك الاحساس الهادئ والثابت بأنّ له هو بالذات بيتا ليس لغيره اي "حق" فيه ولو ملك أعظم اسلحة الأرض فتكاً!

..."واذا كان شاعراً كان غريبا هنا، عن أي هنا في العالم".

من الصعب تلخيص ذلك الطوف من المشاعر والعواطف والاحزان، من اللهاث واللهفة والمرارة والوجع، من الشوق والحنين والرعب والانسحاق والخيبة، وقد اطلقه مريد البرغوثي غزيراً دافقاً يروي به مأساة شعب وأمة شاردة عن ذاتها، ومع كل تحفظه، وقراره الواعي بالابتعاد عن التقديم السياسي في هذه اللحظة تحديدا، فان ملاحظاته السريعة تكفي.

عشية الوطن الذي كان، الحلم الذي كان..

بسطور قليلة مبعثرة، بوعي، هنا وهناك، يلخص مريد البرغوثي المأساة السياسية الجديدة للفلسطيني داخل أرضه وفي ظل "سلطته".

"فالمسيء محصن،
"والجسم الأعظم من المثقفين الفلسطينيين اقترب من السلطة أكثر مما ينبغي له. ارتاح على مقاعدها، ولذ له ان يقلدها ويتماثل مع صفاتها. كثير من المؤيدين والمعارضين تشابهوا عند هذه النقطة. ما زلنا نتصرف كقبيلة... حتى المخطئ يمكن النظر اليه كضحية أيضا. الكل مهدد والكل عرضة للموت والاصابة والاهانة على الحدود وفقدان من يحب وما يحب".
"كانت الصورة قبل عودة المنظمة صورة الفدائي، البطل، الضحية. الآن ها هو الفدائي ذاته مكبلا باشتراطات اعدائه يمارس سلطته المباشرة على المواطن العادي، على الاعمام والاخوال والطلاب والدكاكين والمرور والاستثمار و...".

عشية انتهاء الزيارة الى العمر الذي كان، الوطن الذي كان، الحلم الذي كان، انهالت على الشريد الطريد والمهدد بأن يبقى كذلك، الاسئلة:

"عبرت الجسر المحرّم علينا، وفجأة انحنيت ألملم شتاتي، كما ألمّ جهتَي معطفي الى بعضهما في يوم من الصقيع والتلهف، أو كما يلملم تلميذ أوراقه التي بعثرها هواء الحقل وهو عائد من بعيد..
.."في عمان سأنتظر تصريح ولدي تميم.
"سأعود معه الى هنا. سيراها. سيراني فيها. وستسأل كل الاسئلة بعد ذلك.
"الليلة وكل من في البيت نائم، والصباح وشيك، اسأل سؤالاً لم تجد لي الأيام جواباً عليه حتى هذا المساء:
"ما الذي يسلب الروح ألوانها؟!
ما الذي، غير قصف الغزاة، أصاب الجسد؟!"

في "العودة الى رام الله" لا ينسى مريد البرغوثي من عمره الفلسطيني احداً ولا شيئاً. كل فلسطينيّاته وكل فلسطينيّه شديدي الحضور. غسان كنفاني، ناجي العلي، وطوابير الشهداء، لا سيما من قضى منهم، أما من ينتظر فبوسعه أن ينتظر أكثر.

ومع ان شقيقه "منيف" تشف ملامح الشهيد فيه حتى يكاد يكون الفلسطينيين جميعاً، فان الآخرين لا يغيبون مع ذلك، فإن "الفلسطيني" يرتحل بعيداً عن "العربي" وأحيانا يكاد يواجهه.

واذا كانت البداية "في ظهيرة ذلك الاثنين الخامس من حزيران 1967" يوم أصابت مريد البرغوثي الغربة، فماذا عن سائر العرب؟ ولماذا التمييز بين الغربات وبين المتغربين فوق أرضهم ومن أرضهم!

للحظة، يبدو وكأن فلسطين قد ضاعت والعرب قد هُزموا لأن مريد البرغوثي قد كتب الشعر.

حسنا ها هي نكبة اخرى في الطريق بعدما قرر مريد البرغوثي ان يكتب نثرا أجمل من الشعر بعدما رأى رام الله، ولم ير القدس!

ومثلنا مثلك يا مريد، لا فرق بين برغوثي مقيم وبرغوثي مشرد:

" والليل حولي لا يمر/ وليس حولي من يواجعني..
ويكذب (صادقاً)/ من أجل روحي
أو يلوم هشاشتي حتى ألومه
أما المسافة بين أحبابي وبيني
فهي أقبح من حكومة..
والأرض لا ترحل.
والأرض تحترف انتظار الأهل،
والبداية ان نعود الى أنفسنا فتقصر الطريق إليها.
دخان طائر في المطارات الغريبة..السفر سباق مع الخيال.
الحب أسرع من الطائرة، والشوق أقوى من التوقع.
تعبر ثلاث قارات وأنت تحاول كسر جدار قوقعتك بحثاً عن الدهشة التي غادرتك منذ زمن بعيد، وبعدما غرقت في البلادة اليومية الطاحنة". 


وسوم: العدد 435

مقالات من العالم العربي

اليمن: المناخ وسيل "جبل اللوز" يتربّصان بصنعاء العاصمة

ظل البناء المرتجل يسبق المخطط الحضري بخطوات، خاصة مع ارتباطه بحجم نفوذ ملاّك الأراضي والمستثمرين في العقارات. وشكّلت الهجرات الداخلية إلى العاصمة طيلة ثلاثة عقود، إضافة لموجات النزوح مؤخراً، ضغطاً...

للكاتب نفسه

دول آبار النفط والغاز تتهاوى

طلال سلمان 2020-11-18

اليوم، بتنا نفهم حرص المستعمر- بريطانيا بالأساس - على إقامة دول تتضمن رمالها أو سواحلها احتمالات بوجود النفط والغاز. فاذا ما ظهر هذا او ذاك من أسباب الثروة كانت لغير...