في القطيعة بين القلم والمحراث

لم يخطر على بال أحد أن راتب الوظيفة الحكومية يمكن أن ينقطع. وعندما انقطع في العام 2016، لم يجد ملايين الموظفين ما يأكلون. تحديداً، لم تجد الحكومة التي انفلقت نصفين، ما تطعم به رعاياها غير مساعدات الإغاثة الدولية. وهنا بالضبط، تجسدت فداحة النتيجة الحتمية للقطيعة بين القلم والمحراث.
2021-01-03

لطف الصرّاري

قاص وصحافي من اليمن


شارك
قرية في "تهامة" اليمن

كبلد ذي أغلبية مسلمة، ظل التعليم في اليمن على مدى مئات السنين يبدأ بالقرآن الكريم، ويختتم به، بغض النظر عن مستوى إجادة الطالب للقراءة والكتابة. ذلك أن الغرض من تعليمه يتمحور حول معرفة قراءة القرآن، وتهجئة وثائق ملكيات الأرض، وإذا كان أحد أهالي منطقته مغترباً خارج اليمن أو في عدن، سيكون الشخص المتعلم مفيداً في قراءة رسائله لأسرته والرد عليها.

إذا ما استثنينا الهامش غير الملحوظ للتعليم المهني الذي أنشأته سلطات الاستعمار البريطاني في عدن، والعثماني في صنعاء، فقد كان استمرار الطالب في الدراسة بعد مرحلة القرآن، يتجه نحو العلوم الشرعية: الفقه، الحديث والتفسير.. وهكذا تؤهل البلاد قضاتها وحكّامها، والكادر الإداري للدولة. يعتمد ذلك بالطبع، على استجابة الطالب للتعلّم ومكانة أسرته في المجتمع، أو المكانة التي تسعى لاكتسابها. على أنه في فترات من تاريخ اليمن، كان هناك إخباريون ومؤرخون مثل الحسن الهمداني وبهاء الدين الجندي وعمارة اليمني... وغيرهم، كما وجدت مدارس مبكرة لعلم الكلام، كـ"المعتزلة" و"المُطرّفِية، وكلا الفرقتين تعرض أفرادهما للتنكيل والقمع، فيما تعرض أفراد فرقة "المطرّفية" للإبادة - حسب المرويات التاريخية.

التعليم الحديث

بدأت المدارس الحديثة بالانتشار في جميع مناطق اليمن، منذ أربعينات وستينات القرن العشرين الفائت، لكن العقود التي سبقت ذلك، شهدت ظهور شخصيات تنويرية غالباً ما تلقوا تعليمهم خارج البلاد. وعلى الرغم من إسهام أولئك التنويريون في إنضاج إرادة المجتمع ورغبته، وبالأخص فئة الشباب، في حياة مواكِبة لحركة التطور في العالم، إلا أن كبار السن – الآباء - ظلوا ممانعين بصلافة لحركة التحديث، سواء في التعليم أو غيره من مظاهر بناء الدولة وتطوير النظم الاجتماعية. ليس غريباً أن تلك الممانعة لا تزال تحتفظ بصلافتها حتى الآن. فقد حظيت منذ البداية بدعم الغالبية العظمى من مشائخ القبائل وعلماء الدين، الذين تولوا مناصب قيادية في الدولة أو تمركزوا في موقع المرجعية الحاكمية كزعماء للمجتمع ومتحدثين باسمه أمام الحكومة. هذا الوضع لا ينطبق على جنوب اليمن قبل العام 1990، حيث كان التوجه الاشتراكي للدولة قد تمكن من تفكيك المشيخات والسلطنات وصهْرها في إطار هوية مواطنية معقولة. غير أن ثلاثين سنة من الوحدة وسوء إدارة الأزمات السياسية والإصرار على ممانعة التحديث والارتياب منه، كانت كفيلة بإرباك كل محاولات بناء الدولة وتنمية المجتمع.

يقوم المشيخ في اليمن على امتلاك أراضي واسعة تصل بعضها في سهول تهامة إلى مستوى إقطاعيات، وخلال مئات السنين من تعسر الانتقالات السياسية في البلاد، تعددت أنظمة وأشكال الحكم التي تعاملت مع التعليم والتنمية المجتمعية كآخر اهتماماتها. الصراع وتثبيت ركائز السلطة القاهرة لا تزال أولوية حتى بالنسبة لقادة الدولة وجهازها الإداري الذين تلقوا تعليماً حديثاً خلال الستين سنة الماضية.

ما الذي حدث؟

على الرغم مما أسفر عنه التعليم الحديث من تطور إيجابي في البنية الاجتماعية عموماً، والقبلية على وجه الخصوص، إلا أنه لا يزال تطوراً شكلياً في معظمه. ومع ذلك أظهرت الحرب الدائرة خلال ست سنوات في البلاد، أن البنية الاجتماعية لم يكن ينقصها وقت طويل حتى تصبح أكثر مرونة تجاه التحديث. مواقف الجيل الثاني من مشائخ القبائل وعلماء الدين إزاء ارتداء البنطلون والتصوير، يمكن أن يكون مثالاً جيداً على هذه المرونة، خاصة إذا ما عرفنا أن الجيل الأول كانوا يحرّمون التصوير ويعتبرون ارتداء البنطلون نوعاً من الانحلال الأخلاقي. كانت إحدى نقاط معارضتهم للتعليم الحديث أنه يجبر الطلبة على ارتداء البنطلون، الذي يرتديه المدرسون أيضاً. وحتى العام 2011، عاد خطاب المرجعية الحاكمية - الدينية والقبلية - لتحذير الناس من التأثّر بـ"المُبَنطَلين"، وهي إشارة إلى دعاة التحديث. ومع اندلاع الحرب في العام 2014، وتفاقمها في العام 2015، سالت الحداثة التي كانت في طور التشكل، كما يسيل محتوى بيضة كسرت قشرتها قبل الأوان.

يقوم المَشيخ في اليمن على امتلاك أراضي واسعة تصل بعضها في سهول تهامة إلى مستوى إقطاعيات. وخلال مئات السنين من تعسر الانتقالات السياسية في البلاد، تعددت أنظمة وأشكال الحكم التي تعاملت مع التعليم والتنمية المجتمعية كآخر اهتماماتها. الصراع وتثبيت ركائز السلطة القاهرة لا تزال أولوية حتى بالنسبة لقادة الدولة وجهازها الإداري الذين تلقوا تعليماً حديثاً خلال الستين سنة الماضية.

المحاربون في كل دورة عنف لم يعتنوا بشيء أثناء استراحاتهم مثلما اعتنوا بمراكمة حصصهم من الامتيازات، ومنها حيازة الأراضي والنفوذ. الأراضي زرعها الفلاحون من الرعية الفقراء، والنفوذ ساعد في إنشاء مصالح تجارية أضيفت بالتراكم فوق حيازة الأراضي، كما ساعد في تدريس أولاد النافذين وكبار الملاّك في جامعات أجنبية بغرض تأهيلهم لتولي مناصب قيادية في الدولة

ما من شك في أن حركة التحديث في اليمن اتسمت بالبطء الشديد، وبالعدائية تجاه الطابع التقليدي لأنماط الحياة. وإلى ذلك، طالما أصيبت جهود البناء والتنمية بالتآكل عند كل مخاض متعسر ودامٍ للانتقال السياسي. المحاربون في كل دورة عنف لم يعتنوا بشيء أثناء استراحاتهم مثلما اعتنوا بمراكمة حصصهم من الامتيازات، ومنها حيازة الأراضي والنفوذ. الأراضي زرعها الفلاحون من الرعية الفقراء، والنفوذ ساعد في إنشاء مصالح تجارية أضيفت بالتراكم فوق حيازة الأراضي، كما ساعد في تدريس أولاد النافذين وكبار الملاّك في جامعات أجنبية بغرض تأهيلهم لتولي مناصب قيادية في الدولة. في الواقع، تبنت الدولة أيضاً ابتعاث طلبة متفوقين للدراسة في الخارج، لكنها لم تهتم بتطوير التعليم العالي داخل البلد، أو بخلق فرص عمل. ولاحقاً توسع نشاط النافذين إلى إنشاء شركات تجارية لاستيراد كل مستلزمات الحياة، بما في ذلك الغذاء. هذا التوجه سحب نفسه على كبار وصغار ملاك الأراضي والطبقة الوسطى من المجتمع، وصار التعليم بالنسبة له رمزاً للوجاهة الاجتماعية التي يوفرها جني المال أيضاً، وهكذا صارت البلاد برمتها سوقاً كبيراً للبضائع المستوردة. وسنة بعد أخرى، تقاطرت الأجيال إلى المدارس والجامعات من أجل الحصول على شهادة علمية فقط، ليس مهماً أن يعمل حاملها في التخصص الذي درسه، بل الحصول على وظيفة حكومية تضمن راتباً مستمراً مدى الحياة. لم يخطر على بال أحد أن راتب الوظيفة الحكومية يمكن أن ينقطع. وعندما انقطع في العام 2016، لم يجد ملايين الموظفين ما يأكلون. تحديداً، لم تجد الحكومة التي انفلقت نصفين، ما تطعم به رعاياها غير مساعدات الإغاثة الدولية. وهنا بالضبط، تجسدت فداحة النتيجة الحتمية للقطيعة بين القلم والمحراث.

ألم تكن هناك كليات للزراعة؟

بالطبع هناك واحدة في جامعة صنعاء وأخرى في جامعة عدن وثالثة في جامعة إب ورابعة في جامعة حضرموت وخامسة في جامعة ذمار وسادسة في جامعة صعدة، وكل هذه الكليات أنشئت بالتتالي منذ العام 1970. وعلاوة على ذلك، يعود إنشاء أول مدرسة زراعية في صنعاء إلى العام 1936.

المشائخ وعلماء الدين كانوا يحرّمون التصوير ويعتبرون ارتداء البنطلون نوعاً من الانحلال الأخلاقي. كانت إحدى نقاط معارضتهم للتعليم الحديث أنه يجبر الطلبة على ارتداء البنطلون، الذي يرتديه المدرسون أيضاً. وحتى العام 2011، عاد خطاب المرجعية الحاكمية - الدينية والقبلية - لتحذير الناس من التأثّر بـ"المُبَنطَلين"، وهي إشارة إلى دعاة التحديث.

غير أن إنشاء الجامعات والكليات ليس كل شيء. فكلية التربية استحوذت على الغالبية العظمى من الملتحقين بعد قرار الحكومة الاستغناء عن المدرسين العرب ومعظمهم مصريين بطبيعة الحال. وإلى ذلك، ارتبطت دراسة الطب والهندسة والعلوم العسكرية والشريعة والقانون، بتعزيز الوجاهة الاجتماعية.

____________
من دفاتر السفير العربي
أقاليم اليمن الستة
____________

ولأن أكثر من ثلثي اليمنيين يعملون في الزراعة، كان من المستحيل أن يفكر أبٌ مزارع في إلحاق ابنه بكلية الزراعة ليؤهله من أجل تطوير مزرعته. هو يريده أن يكون مثل ابن فلان الطبيب أو الطيار أو المهندس... أما بقية التخصصات فإنها ستفضي به إلى البطالة، وهذا ما حدث فعلاً مع زيادة عدد المتخرجين من كليات التربية والآداب والتجارة. ولأن الحكومات المتعاقبة لم تضع في حسبانها زيادة عدد المتخرجين من الجامعات، ارتبط التعليم في أذهان الآباء الذين يمولون تدريس أولادهم، بالبطالة. فالحكومة التي اعتادت استيعاب مخرجات التعليم العالي ضمن كادرها الوظيفي، لم يعد فيها وظائف شاغرة، ومؤسسات القطاع الخاص تطلب أعداداً محدودة للغاية من الموظفين، ناهيك عن أن أرباب الأعمال باتوا يؤهلون بعض أولادهم في تخصص التجارة وإدارة الأعمال. وحدهم المزارعون والحرفيون من يرون أن توريث مهنهم لأولادهم هو نوع من الشقاء، وأنهم إذا كانوا مضطرين لفعل ذلك، فسوف يعلمونهم على أيديهم دون الحاجة لدراسة متخصصة. إضافة لقلة اهتمام الحكومة، يأتي هذا التفكير كأحد أسباب ضآلة نسبة الملتحقين بكليات الزراعة، وعدم وجود تخصصات لدراسة تطوير الصناعات الحرفية. أما غالبية هذه النسبة الضئيلة، فيدرسون إما من اجل العمل في مصانع الأغذية الخفيفة، أو في البستنة وتنسيق الحدائق، وهذا بالطبع، حدث بعد أن امتلأت وزارة الزراعة ومكاتبها بالمتخصصين وغير المتخصصين ضمن كادرها.

مقبرة للمتخصصين الزراعيين

فؤاد نور الدين مهندس زراعي تخرج في جامعة صنعاء تخصص وقاية نبات، ثم حصل على وظيفة في مكتب الزراعة بمحافظة صنعاء. قدم فؤاد وزملاؤه الإرشاد للمزارعين لسنوات، لكنه يصف العمل في المكتب الحكومي بالمقبرة للمتخصصين. حاول فؤاد وبعض زملائه كسر سور هذه المقبرة بإنشاء مشروع خاص كان عبارة عن مشتل لإنتاج "زهور القطف" في العاصمة. وهو يستدل بهذه التجربة على المعوقات التي تواجه قطاع الزراعة في اليمن بصورة عامة. بعد ثلاث سنوات طالبهم مالك الأرض التي أنشئ عليها المشتل، بإخلائها لأنه يريد أن يشيد عليها بناية. لم يكن سهلاً على فؤاد نقل المشتل، لكنه تمكن من نقله إلى مكان آخر، وهناك بدأ بمواجهة صعوبات أكبر تتعلق بشحة المياه وعدم وجود "أمهات جيدة" للغرس لاستبدال القديمة. صمدت زهور فؤاد ثلاث سنوات أخرى قبل أن تذبل جميعها. يقول فؤاد: "مثل هذه المشاريع يتم استنزافها ثم تموت دون عائد حقيقي". ومع ذلك، يتذكر تلك التجربة بحميمية من يحب فعلاً الارتباط بالشجرة والأرض، ويؤكد أنه استفاد منها كثيراً من ناحية تطوير خبراته.

ارتبطت دراسة الطب والهندسة والعلوم العسكرية والشريعة والقانون، بتعزيز الوجاهة الاجتماعية. ولأن أكثر من ثلثي اليمنيين يعملون في الزراعة، كان من المستحيل أن يفكر أبٌ مزارع في إلحاق ابنه بكلية الزراعة ليؤهله من أجل تطوير مزرعته. هو يريده أن يكون مثل ابن فلان الطبيب أو الطيار أو المهندس..

اليمن واحدة من الدول ذات المعدلات المتدنية للغاية في الدخل والناتج المحلي الإجمالي. وفي العام 2018، أفادت إحصاءات للبنك الدولي بأن نسبة البطالة فيها بين للنساء وفئة الشباب بلغت 18 في المئة للأعوام من 2011-2015. هذه الإحصاءات تضمنت أيضاً أن نسبة الفقر في المناطق الريفية في اليمن بلغت في العام 2005، 40.1 في المئة، مقابل 20.7 في المئة في المناطق الحضرية. كانت الزراعة لتقوم بدورها كما ينبغي في نقل اقتصاد اليمن إلى مستوى الأمان، لكن الحكومات المتعاقبة لم تهتم لذلك، بحسب تأكيد المهندس علي هائل القدسي.

تخرج المهندس القدسي في جامعة خوركوف بالاتحاد السوفييتي أواخر ثمانينات القرن العشرين، وعمل في وزارة الزراعة بصنعاء، كما في مؤسسات دولية. لكن هذا المهندس الزراعي المحب لغرس الأشجار في الأرض، لا يستطيع إخفاء شعوره بالأسى لوضع القطاع الزراعي في بلاد يخيم فوق سكانها شبح الجوع بينما تنهشهم حرب مستمرة منذ ست سنوات.

______________

*الصورة للمصورة الامريكية بيغي كراوفورد، وهي اختصت بتصوير اليمن ولديها أرشيف صور عن البلاد محفوظ في مكتبة جامعة هارفارد.

مقالات من اليمن

اليمن: المناخ وسيل "جبل اللوز" يتربّصان بصنعاء العاصمة

ظل البناء المرتجل يسبق المخطط الحضري بخطوات، خاصة مع ارتباطه بحجم نفوذ ملاّك الأراضي والمستثمرين في العقارات. وشكّلت الهجرات الداخلية إلى العاصمة طيلة ثلاثة عقود، إضافة لموجات النزوح مؤخراً، ضغطاً...

للكاتب نفسه

اليمن: المناخ وسيل "جبل اللوز" يتربّصان بصنعاء العاصمة

ظل البناء المرتجل يسبق المخطط الحضري بخطوات، خاصة مع ارتباطه بحجم نفوذ ملاّك الأراضي والمستثمرين في العقارات. وشكّلت الهجرات الداخلية إلى العاصمة طيلة ثلاثة عقود، إضافة لموجات النزوح مؤخراً، ضغطاً...