"الرفاق النواب"، والمعادلة الشعبية المصرية الراجحة

لم يفشل نواب تكتل "25-30" بالوصول الى البرلمان نتيجة رفضٍ شعبي، ولكن الصورة شملت أطيافاً عدة للفساد، من شراء خانة الترشح عن الحزب الموالي للسلطة بملايين الجنيهات، واستخدام المال السياسي لشراء الأصوات، والارتكان للأجهزة وإدارتها للعبة، والتزوير الرسمي على الشاشات.
2020-12-14

منى سليم

صحافية من مصر


شارك
النائب أحمد الطنطاوي خلال حملته الانتخابية.

جاءت المعادلة هذه المرة أقرب للاكتمال. تبدّت ثنائية "الولد والبلد" في بهاءٍ متعارف عليه عبر الأجيال. ذات يوم، أعارني صديق قصة "سره الباتع" للروائي المصري "يوسف إدريس"، وحين انتهيت من قراءتها سألني: "هل السلطان حامد بطل شعبي حقيقي؟ أم أن ما هو مقصود واستثنائي هو قوة هذا الشعب المخادع الذي يعطي انطباعاً لمستبدّيه أنه شديد البلادة، خانع، فيعمهون في طغيانهم بينما هو يستعد لكي يمضغهم على مهل؟". أحسنَ صديقي في وصفه الذي كان قبل حبسه بأيام، وحين خرج بعد عامٍ سألني: "وما الذي تعرفينه عن حقيقة هذا النائب الشاب الذي قال إنه لا يحب الرئيس؟". قلت: "سنعرف خلال الأيام، فالفلاح الشاب حامد لم يكن سلطاناً، ولكنها إرادة الناس حين أوفى بطلها ووهب لها إرادته، فأبدعت هي في مددها، وأقامت له مقاماً على امتداد القرى والبلدان".

***
لم تبدأ "القصة" من هذا اليوم الذي التقطتْ فيه الأذن المرتعشة تحت القبة كلمات الاعتراض الأعلى، وإعلان اللاحب، مع مناقشة التعديلات الدستورية التي تسمح ببقاء الرئيس لسنوات مديدة بالحكم، ولكن جاءت البداية بإعلان 25 نائباً تشكيل تكتل معارض باسم "25 - 30 "، تيمّناً بالثورة المصرية التي أقسموا على احترام مبادئها، مع انعقاد أولى جلسات مجلس النواب قبل خمسة أعوام.

وانتهت القصة قبل أيام بإعلان نتائج الجولات الانتخابية في عدد من المحافظات المصرية لتشكيل مجلس جديد. فمن أصل الـ 25 نائباً المذكورين، وهم لم يمثلوا أكثر من 2.7 في المئة من إجمالي قوة البرلمان المصري، لم يمر لجولة الإعادة غير 9 منهم، وتم الإعلان عن نجاح اثنين فقط.

لم يحدث هذا نتيجة رفضٍ شعبي، ولكن شملت الصورة أطيافاً عدة للفساد، من شراء خانة الترشح عن الحزب الموالي للسلطة بملايين الجنيهات، واستخدام المال السياسي لشراء الأصوات، والارتكان للأجهزة وإدارتها للعبة، والتزوير الرسمي على الشاشات.

توالت المشاهد على امتداد شهرين، وجاء أكثرها فجاجة بإعلان خروج النائب "أحمد الطنطاوي"، ابن محافظة كفر الشيخ في دلتا مصر، من السباق، رغم حقيقة ما هو مثبت وفق محاضرَ رسمية ـ حصلت عليها حملته وحملات المنافسين ـ من حصوله على المركز الأول بفارق شاسع، كما كانت نتائجه بالجولة الأولى.

جاء التزوير هذه المرة على مرأًى ومسمعٍ من الجميع، مسجَّلاً بالصوت والصورة. وقد استمع القضاة لمطالب النجاة، وبدلاً من أن يمتثلوا لاسم العدل المثبت على شارة فوق صدورهم، اختاروا النزول بصمتٍ من على المنصة، في مشهد لا يليق إلا بمن هو مهزومٌ مدحور.

قلتُ ذلك، فتعجب صديقي: "كم أنتِ غريبة! هناك بينهم من يذعن ويحكم بالإعدام على أرواحٍ مشفوع لها بأدلة البراءة". فاستغفرت.

***

انتهت القصة، ولكن من يدري؟ فقد تكون من فصلٍ واحد بالنسبة لبعضهم ويكتفي بما تقدم، أو تصبح فصلاً تتلوه فصولٌ أخرى وفق مواقيت السعي والاجتهاد لدى آخرين.

وحتى يتضح هذا، سيبقى ما هو مسجلٌ، فالمؤكِدَ أن هؤلاء "الرفاق النواب"، بصفتهم معارضين، جمعتم عدة محطات رئيسية فاصلة اجتهدوا فيها من أجل تقديم موقف رصين. فبالإضافة إلى رفض وتقديم بدائلَ لرزمة من القوانين المعيبة في مجالات الصحة والتعليم والسياسات الاقتصادية والإنفاق العام، خاضوا مواجهات كبرى في قضايا عظمى، كرفض اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين للملكة السعودية، والاعتراض على مسار التفاوض حول سد "النهضة" الإثيوبي، واحتمالات تأثيره الكارثي على مياه النيل، وأخيراً الاستفتاء على تعديلات دستورية تحد من استقلال القضاء والإعلام، وتسمح باستمرار رئيس الجمهورية في الحكم حتى عام 2030.

هم "هيثم الحريري"، "أحمد الشرقاوي"، "نادية هنري"، "ضياء الدين داود"، "محمد فؤاد"، "محمد عبد الغني"، وغيرهم ممن هتفوا هتافهم الشهير تحت القبة "مصرية.. مصرية". وتبقى تجربة كل منهم على حدا محل تقييم، سواء فيما يتعلق بمواقفه العامة وممارسته للمعارضة باعتبارها، كما قال عنها المؤرخ اليساري "هوارد زِن"، أعلى درجات الوطنية، أو عن دوره الخدمي داخل دائرته وعلاقته بأهلها.

وقد خاضوا جميعاً الانتخابات عام 2020، وقدموا خلالها لوحات تفاعل شعبية بارعة، وانضمَّ إليهم آخرون من الأسماء المعروفة التي حظيت بدعم قوًى سياسية مدنية محاصرة، وآخرون انبلجوا من أراضٍ جديدة، واستطاعوا بشكل مستقل تقديم تجاربَ لافتة، حتى وإن لم تكلل بالفوز. وللأسف شحت إلى حد الكآبة معاركُ المرشحات النساء.

أما ملف الكشف عن التزوير، فقد انتقلت مصر من حيّز ذكرى أسوأ انتخابات برلمانية شهدتها البلاد عام 2010 (البرلمان الأخير في عهد مبارك) إلى تجربة السلطة الحالية وحزبها الرسمي "مستقبل وطن"، ليقدموا ما هو أشد سوءاً، حيث لم يعد هناك حاجة لإغلاق اللجان وتسويد البطاقات وإضافة أسماء المتوفين، فالأرقام سيتم تغييرها علناً رغم أنف المحتجين.

عشرات الطعون تقدم بها عددٌ كبير من أعضاء التكتل وغيرهم، ممن وقع تزوير إرادة الناس التي اختارتهم، وعلى الرغم من هذا، نجحت أسماء قليلة أعلنت انضمامها للمعارضة. استطاعوا حشد الالتفاف الشعبي بشكل مبهر، ولحسن الحظ لم تتلق اللجان العامة اتصالات هاتفية حول مصير ما حصدوا من أصوات.. ولكن من يعرف القادم؟ من يعرف من قد يخرج من بين الصفوف التي ستتراصص تحت القبة، ويعيد للذاكرة تجربة النائب المشاغب الذي طالما ظهر وتكرر على امتداد السنوات.

***

يشارك صديقي الآخرين في تقييم كل اسم ممن سبق على حدا، وكان لديه موقف من جدوى خوض الانتخابات كاملة، لكن ما نتفق عليه أنا وهو، ويجمعنا دوماً دون اختلاف، هو هذه النظرة التي لا تتبدل حول قدسية "قوة الناس"، الشعب الذي غنّى له "نجم" و"إمام":

دار الفلك في مغزلك \ طول السنين ما أمهلك
يا ناسج الروح في الحياة \ الحب لك والخلد لك
أنت الأزل وأنت الأبد \ والهالك اللي يجهلك
يا شعب يا روح الوجود \ الحكم لك والملك لك

حضروا على الرغم من الهموم التي تغرقهم في تفاصيل يومهم، أيّاً كان مستوى بيوتهم وحال جيوبهم. حضروا على الرغم من معرفتهم أن الدفاتر ليست دفاترهم، وأن أصواتهم ـ كما حياتهم ـ قابلةٌ للطمس داخل صندوق عربة الترحيلات الأزرق، أو صندوق الانتخاب الشفاف.

حضروا بنسبة لا تتخطى الـ 30 في المئة، سواء جاءت من تلقاء نفسها، أو أن هناك من حاول حشدها مقابل حفنة من الجنيهات. ففي كلا الحالتين، لم يستطع أحد خنق الحمامة البيضاء التي سيخرجها الحاوي من جعبته، ولكن هذه المرة خلف الستار. فقد حصل البسطاء على الوجبة والجنيهات، ومنحوا أصواتهم وفق معادلتهم الخاصة. ملؤوا الخانات الثلاث، فواحدة للنائب المعارض الشاب الذي يدركون أسباب اختيارهم له دون هتافات. وبشيء من التوازن والدهاء منحوا من يحاولون شراءهم بعض المساحات.

حضروا فتجسدت المعادلة المجربة عبر السنوات، حيث الانحياز كاملاً لمن يقدّم ما يكفي من مسوغات عن سلامة الضمير وحسن الرؤية وقوة الثبات. وهكذا استطاع الشعب الذي "يرتدي عباءة جحا وهو صلاح الدين" كما يقول عنه الشاعر "مريد برغوثي" أن يجبر ثلة المسيطرين على الالتجاء للتزوير غير الرصين.

ولا عجب أن يتم تسريب فيديو لأحد هؤلاء المزورين يرطن فيه بكلمات تعبّر عن الغيظ الشديد، ويقول دون مواربة: "البلد اللي مادتش صوتها لرجالة الحزب مش هتشوف خدمات وهتروح للبلد اللي جنبها".

***

وإن كان هذا حال البلد، فقد اتفق معي صديقي أخيراً حول "الولد"، وهو ما لا يحدث كثيراً، لكنه بكى هذه المرة بعد إعلان النتيجة، شعر بالحسرة وقال: "ليلة حزينة".

لم أبادله البكاء، فقد سكنتي طمأنينةٌ ما. فهذا الذي تتم محاولة قصف حلمه، يتشارك الطريق، ويتقاسم الوجع مع ذلك الشاب الذي كان يلوح له من الباب الخلفي للقطار، وهو يحمل بعض البضاعة البسيطة المثبتة على ورقٍ مقوًى، وقد ألصق على ظهره صورة النائب وشعاره "على الرغم من الألم يحيا الأمل".

يحكي "أحمد" في حوارٍ تم بثه على صفحته قبل ليلة من بدء الانتخاب، أنه في ذلك اليوم قد عبر ما يفصل بينهما من قضبان السكك الحديدية، وعرف أن الشاب حاصلٌ على شهادة جامعية، وقال: "هذا الشاب كان يحمل في يده ورقة لها وجهين، الأول هو "العيش" بالبضاعة البسيطة التي يحاول بيعها، والثاني هو "الحرية" التي يتلمّسها باختياره لي وإعلانه عن ذلك، ليس لأني سأستطيع في حال فوزي تغيير إرادة البرلمان كاملةً لتصب في مصلحته، ولكن لأنه باختياره لي ينتصر لنفسه، يفرض هو وغيره إرادتهم في وجه الإرادة المُملاة". أضاف: "أنا أعلم حجمي تماماً، ولا أنخدع بحجم المحبة والتأييد الذي ألاقيه، فهذا ليس لشخصي، فلست صاحب بطولة خارقة، ولكن الناس ينتصرون لأنفسهم باختياري، ينحازون لما أسميه دائماً اختيار التغيير الآمن، ويرون بي وبغيري لهم عنواناً. هذا ما يجب أن يفهمه من هم في السلطة بدلاً من أن يجرّوا البلد كلها لطرقٍ وعرة، وعليهم ألا يطمعوا كثيراً في صبر الناس".

رؤية يضيف لها صديقي: "نعم هو ابن فكرة شعبية لامعة، لكن شخصه بالتأكيد عامل حاسم، وتعجبني بشكل خاص لغته فهي حاضرة وهادرة". قلت له: "نعم لكن ما استوقفني به أكثرَ هو الخطوات". فقد بزغ اسم النائب الشاب مع كلماته الشهيرة تحت القبة فى حزيران/ يونيه 2019، لكنه لم يتوقف عندها، بل انتقل بعدها ليترجم ما أصبح واضحاً جلياً للناس: هو لا يعارض من أجل المعارضة، وليس بمعارضة كرتونية، أو ديكورية مصطنعة لتحسين وجه النظام".

انخرط سريعاً عقب هذا التاريخ في مساعي تشكيل تحالف سياسي يضم نواباً حاليين وأحزاباً مدنية مصرية وأسماءً شبابية ثورية. وكان الاسم المختار "تحالف الأمل"، وقد تم ضربه سريعاً، والقبض على عدد من قياداته الشابة، بل وعدد من الأصدقاء المقربين للنائب والعاملين بمكتبه كرهائنَ بدلاً عنه، لما يتمتع به من حصانة قضائية تمنع القبض عليه.

على الرغم من الألم، انتقل بعدها للخطوة التي رأى بها استكمالاً لطريق لا بديل من قطعه بإطلاق مبادرةٍ شاملة للإصلاح السياسي والاقتصادي تبدأ بالدستور، وتنتهي بدعوة رئيس الجمهورية لانتخابات رئاسية مبكرة، وضعها تحت تصرف البرلمان، واختار لها اسم "الطريق الثالث". لم يعلن رفاقه النواب تبنيهم للمبادرة، لكنهم تبنوا موقف الدفاع عنه، بعد التهديد بإحالته للجنة قانونية تمهيداً لفصله بتهمة زعزعة السلم العام.

لم تتمكن أي من محاولات التغيير الآمن تلك من الخروج للنور، أظلمت أيامه هو كثيراً، ولم يلتجئ لمدارة ذلك، أعلن للجميع أنه يسكنه الوجع على من دفعوا عنه ثمن المحبة، ويشعر بالمسؤولية عن آلاف غيرهم لا يعرفهم.

وكان السؤال الصعب كيف يكمل؟ هل عليه مسؤولية أن يكمل؟ أم أن عليه مسؤولية الانسحاب حتى لا يدفع غيره مزيداً من الأثمان؟ اعتملت داخله أفكاره حتى خرج بقرار ترشحه وشعاره، واختارت له السلطة مصادفةً رمزاً انتخابياً معبراً، فكان "الشمعة".

يقول صديقي: "خاض معركته عن الناس بجدارة وجسارة"، قلت له: "فضح بلا مواربة كل أشكال الاستباحة الرخيصة والتجارة"، وصف البعض أداءه الأخير بالحدة والعنف، فقال لهم هذا وقتُ الحسم، وهكذا اضطرت السلطة لإسقاطه، وإعلان أنه ليس مسموحاً له بالمرور.

في لحظة الإعلان، استدعيتُ اللغةَ التي مدحها صديقي، توقفت مع كلمة مسجلة للنائب قبيل الانتخاب، قال لوجه السلطة: "تستطيع أن تسحق قلبي لأنه ملكي، لكن لا تستطيع أن تثني إرادتي لأنها ملك الناس".

مازلتُ أراجع الكلمة وأتأملها، وأقول ليس أمراً غريباً، أو غير مبرر أن تحصد واقعة إسقاطه ردة الفعل الكبيرة والاستثنائية تلك. ليس أمراً غريباً، أو غير مبرر أن يسير هو ذاك الطريق، وأن يسير من كانوا قبله، ووهبوا إرادتهم مثله. ليس غريباً أن يحدث كل ذلك وما سوف يأتي.

مازلتُ أراجع المشهد كاملاً، وأتمنى أن أرسل له ولكل من يدفع ثمنَ رسالة تقول "ما حُرمتَ ولكن رُحمت، فاسجد لله حمداً يسبغ عليك حُلماً".

***

حاشية لا بد منها

مقالات ذات صلة

يخشى صديقي كثيراً هذه الأيام من الزجّ به مرة أخرى وراء القضبان، ويخشى الكثيرون على الطنطاوي ورفاقه من السجن، وأخشى أنا أن تنتهي بي هذه السطور أو غيرها أيضاً إلى السجن. لكن "الرئيس الذي لا يحبه أحمد" لا يأبه بهذه المخاوف كثيراً، ولا يعرف من أين يأتي الغرب ـ مثل فرنسا التي كان يزورها منذ أيام ـ بتلك الأرقام عن سجناء الرأي في مصر، من أين جاؤوا بتقديرات تفوق الـ 50 ألفاً! وقد حرص أن يسجل اعتراضه، وحاول كسب تأييدهم لمنطقه القادم من الشرق، فقال "لدينا، الأمن والاستقرار هما الأولويات، وليس هذا الحديث المبالغ به عن الحريات".

ليته مبالغٌ به، ليته محضُ فتاءات.

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

رفاق اللحظات الأخيرة

منى سليم 2021-03-11

من الإسكندرية إلى القاهرة إلى السويس، كانوا وكانت "يناير". 1050 شهيداً مسجّلون بشكل رسمي في الدفاتر على مدار الثمانية عشر يوماً، لكلٍ منهم رفيق أو أكثر، شهدوا ما جرى، وأصبحوا...