مئزر الحكومة وعرايا الشهر الفضيل في العراق

أفقٌ آخرَ لرمضان العراقي هذا العام، أفقٌ قد لا يتكرَّر إلاّ كلّ ثلاثين عاماً. الشمسُ تنثرُ أسواط اللهب الخارق منذ الفجر وحتى المغيب، أسفلت الشوارع يمور تحت الأقدام محتفظاً بطبعات الأحذية.. إنها درجات الحرارة التي تجاوزت، حسب الأنواء الجويّة، خمسين درجة مئوية، لكن الناس صيام، فالصوم أحد الفروض التي تنجِّي من الجحيم، والجحيم هنا له أكثر من معنى وأكثر من مكان.الحوانيتُ تغلقُ أبوابها عند
2012-08-08

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
"المسحراتي" في مدينة الصدر، بغداد

أفقٌ آخرَ لرمضان العراقي هذا العام، أفقٌ قد لا يتكرَّر إلاّ كلّ ثلاثين عاماً. الشمسُ تنثرُ أسواط اللهب الخارق منذ الفجر وحتى المغيب، أسفلت الشوارع يمور تحت الأقدام محتفظاً بطبعات الأحذية.. إنها درجات الحرارة التي تجاوزت، حسب الأنواء الجويّة، خمسين درجة مئوية، لكن الناس صيام، فالصوم أحد الفروض التي تنجِّي من الجحيم، والجحيم هنا له أكثر من معنى وأكثر من مكان.
الحوانيتُ تغلقُ أبوابها عند الحادية عشرة صباحاً. إلا دكاكين الفقراء التي تجني طيلة ساعات النهار وبعض ساعات الليل ما يكفي لسدِّ الرمق. هنا، لا مكان للترف الرمضاني مهما كانت درجات حرارة الصيف، إنها معركة مستمرّة لأجل إسكات الأفواه الجائعة، وإن كانت معركة مع الطبيعة القاسية.
الصحنُ المشتركُ على مائدة العراق الرمضانية هو حساء العدس، وقد يختلف من حيث الإضافات بحسب الامكانات المادية، إذ يضاف للحساء لحم الخروف أو ربما الدجاج، وقد لا يضاف إليه شيء ويبقى العدس الأحمر سابحاً بمائه وبما يطوف على وجهه من بصل مقلي بالزيت. وهناك التمر واللبن اللذان يتسابقان إلى فم الصائم أحياناً قبل الماء. لكن الصحن الذي يُجمع العراقيون على تواجده يشهد غلاء فاحشاً، إذ ارتفع ثمن العدس هذا الرمضان ليصل سعر الكيلو الواحد منه الى 4 آلاف دينار (ما يعادل أكثر من 3 دولارات)، أي أكثر من ضعف سعره في الأيام الاعتيادية، فبات هديّة ثمينة تتبادلها العائلات طلباً للشكر، أو مدعاة للأجر الإلهي.
كما ارتفع سعر التَّمرُ الذي كان أوّل ما يفطر به الأولياء والخلفاء، والذي تشتهر أرض العراق بأنواعه النادرة، ربما لأن موسم قطافه لم يحن بعد كما يقول أصحاب البساتين، ما حدا بالتجار إلى استيراده من دول الخليج.

في ظهر بغداد القائظ، لا تعدم أن تجد شابّاً يتوسّل شرطياً أن يعفيه من الذهاب إلى مركز الشرطة ليدفع غرامة لقاء إفطاره المعلن، بتدخينه سيجارة في الشارع. إنه قانون لم تلغه الحكومات المتعاقبة، على الرغم من ادّعائها حريّة الفرد في عقيدته وفي اختياره. كما تشكو الشوارع التجاريّة المنتشرة في المدن العراقية من قلة روادها، الذي عززه قرار الحكومة غلق المطاعم خلال شهر رمضان، وهو محل خلاف كبير لكونه امتداداً لقرارات النظام السابق، ولا يتساوق مع مواد الدستور الجديد الذي يضمن حرية المعتقدات كما يضمن حرية ممارسة طقوس الأفراد. ومعروف أن المطاعم تشكل عصب حياة الشوارع التجارية الرئيسة في المدن.
قبيل الإفطار، وبغداد خالية تماماً من الناس، تتناهى إلى الأسماع تلاوات القرآن بمقامات عراقية أصيلة. وتتسلل الى الشوارع من نوافذ مطابخ البيوت روائح البصل المحروق، مضمخة بروائح الرز البرياني و"تشريب" اللحم والدجاج الزاخر بالدسم. ورغم كل شظف العيش، فما زال العراقيون يصرون على طبخة من "الضولمة" اللذيذة خلال الشهر، وهي التي يتطلب إعدادها وقتاً ومجهوداً خاصين.
لكن المشهد الذي يبقى شاخصاً وسط الصمت والروائح، هو للباعة المتجولين الذين يفردون ما خف وزنه من زادٍ على الأرصفة، بانتظار مدفع الإفطار، لأنهم لا يتحمَّلون تكاليف ذهابهم الى بيوتهم والعودة الى أرصفة الرزق، لذا سيبقون بانتظار أن يحل ضجيج العائلات مجدَّداً في الشَّوارع. القرارات المتخبطة التي تتضامن مع القيظ تجعل الشوارع مقفرة إلا من المتنزهين بسياراتهم الفارهة المبردة، والذين يسيرون في الشوارع كسائحين قادمين من مدن بعيدة. مما يوشح الشوارع بوحشة خاصة.
أفقٌ آخر لرمضان العراقي هذا العام، هو عودة التقاليد الاجتماعية في الولائم الرمضانية كما عودة موائد الرحمن في المساجد والحسينيات التي تعّد ولائم الإفطار للمصلين، ولائم طغت عليها هذا العام مطابخ العولمة، فهي بمجملها وجبات جاهزة ملفوفة بالنايلون، ضمن أطباق بلاستيكة تستخدم لمرة واحدة، عمادها أكلات الكباب العراقي وشاورمة اللحم أو الدجاج أو أنواع من الكبة، تضاف الى الرز الأبيض أو الأصفر الذي يملأ الصحون، وطبق الحلوى المكون من عدة قطع من "الزلابية" المُعدَّة من الدقيق والسكر والزيت، و"البقلاوة". هذا عن المصلين، فماذا عن العائلات؟ أغلبية العراقيين من الفقراء يتعففون عن ارتياد تلك الموائد، ثم إن تداخل العلاقات الاجتماعية في مناطق هذه المساجد والحسينيات يمنع افراد تلك العائلات من الذهاب للحصول على صحن من تلك الصحون. وهنا يبدأ دور المحسنين في توصيل الفائض الى بيوت المعوزين مباشرة. كما غالباً ما تحل الصلات العائلية الفرعية محل الحاجة للسؤال. وبموازاة موائد الرحمن تأتي في رمضان هذا العام ظاهرة سيارات الشحن التي توزع الماء المعلَّب والرز وزيت الطبخ في المناطق الفقيرة التي تقع في أطراف بغداد: تجّار ميسورون يقومون بهذا، لكن بعضهم استغل بضاعته المنتهية الصلاحية، ليحصل مقابلها على ثواب إلهي، قد يكون هو الآخر منتهي الصلاحية!
السابعة والربع مساء، يحين وقت الإفطار في بغداد. تناقل العائلات أصناف الطعام بين بعضها البعض. في الحارات الشعبية تمر الصواني من بيت الى بيت في حركة متقاطعة لا تهدأ. عزاء آخر للفقير المفتقد لحصته التموينية التي تعاني فساداً مالياً وإدارياً هائلين، والتي تعدُّ آخر ثوب على جسده.. وها هي الحكومة تجرده منه حتى في أيام الشهر الفضيل.
رمضان ولغة الطعام

مقالات من العراق

نوفمبر.. موعد للرحيل أو الهرب

ميزر كمال 2021-04-15

"عندما غادرتُ البلاد.. كنتُ أضع الحرب في حقيبتي"... سلسلة نصوص تروي العراق اليوم بعيون شاب من مدينة الرمادي غرب البلاد، حين اضطر لمغادرتها مكرهاً. كان لا بدَّ من الرحيل، وهذا...

للكاتب نفسه

العراق الشاب.. أعزلٌ في وجه "اللادولة"

عمر الجفال 2019-10-22

تندّر السياسيون على دعوات الشباب للتظاهر قبل انطلاقها بساعات. عاملوهم على أنّهم قاصرون. أطلقوا عليهم لفظ "العوام": لا يستطيعون تنظيم أنفسهم، غارقين في الجهل، يصعب فهم لغتهم التي يروّجون فيها...