رسائل أبو سامح من خيمته في غزة

يقيم أبو سامح مع عائلته في خيمة قرب مدينة غزة، بعد دمار بيته قبل ثلاث سنوات. قبل ذلك كان أبو سامح يعمل سائقاً على شاحنة، وكانت حياته وإنْ متواضعة، إلا أنها كانت "عادية" ومستقرة.
يراسل السفير العربي بين الحين والآخر، بلغته هو، وحين يرغب بذلك، لتنفيس الضيق المهول الذي يشعر به، والبؤس والخوف الذي يلفه. هذه هنا رسائله الثلاث. بدءاً من احدثها.
فاتح المدرّس - سوريا

19 / 10 / 2026

مات الزمن في غزة 

في غزة اليوم ما عاد في وقت
الساعة انكسرت من أول صاروخ
الرزنامة انحرقت مع الدار
اليوم هو نفسه امبارح، هو نفسه بكرا
بتصحى الصبح بتسأل حالك هو اليوم سبت ولا ثلاثاء، ما حدا بيعرف
بتسأل احنا في شهر 10 وإلا 11 ما حدا مهتم
الزمن مات
النازح بطل يعرف عمر ابنه
ابنه اللي كان عمره 5 سنين قبل الحرب صار عمره 8 وهو لسه شايفه 5
لأنه ما في عيد ميلاد، ما في مدرسة، ما في صف جديد
العمر وقّف. الولد كبر جسمه بس ما كبر عمره...
والأقسى من هيك إنك انت بطلت انت.
قبل الحرب كنت تقول أنا فلان، المهندس ،المدرِّس، أبو فلان، صاحب المحل الفلاني،
اليوم انت ولا شي،
انت نمرة في كشف اسم في طابور تكية رقم خيمة،
كل أوراقك راحت،
هويتك تحت الردم، شهادتك الجامعية صارت رماد، عقد زواجك انحرق، طابو دارك اللي شقيت عمرك عليه صار تراب،
بتروح بدك تثبت انك متجوز بتقدرش،
بدك تثبت انه هاد ابنك بتقدرش،
بدك تثبت انه عندك بيت انقصف بتقدرش،
صرت انسان بلا دليل،
عايش بس ما بتقدر تثبت انك عشت،
موجود بس ما بتقدر تثبت انك موجود،
حتى الموت صار بلا تاريخ،
بيندفن الشهيد اليوم، وبنكتب على قبره "استشهد في الحرب"، لأنه ما حدا بيعرف في أي يوم مات،
بطّلنا نعرف ايمتى متنا وايمتى عشنا،
هادا مش نزوح
هادا محو،
وفي هذا البلد البائس لا فرق أن تستيقظ صباحاً او مساءً، أو الاّ تستيقظ ابداً
الله المستعان.. 

***

24 / 09 / 2026

الحياة في خيمة.

اكثر من 1000 يوم مدفونين واحنا صاحيين
غزة قبر اسمه خيمة

القبر النايلون
3 متر في 4 متر. 12 بني آدم مرميين فوق بعض زي الغنم في الشوال،
النايلون رقيق مقطّع، الهوا بفوت من الف فتحة، لا باب بيسكر ولا حيط بيستر،
اكثر من 1000 يوم واحنا بنتقلب في نفس القبر،
الصيف فرن 45 درجة، بتتنفس نار بتحرق صدرك، العرق بينزل من جسمك وبيلزق بجلدك وريحة الخنقة بتذبح،
الشتا ثلاجة مفتوحة، المي بتنقط من السقف نقطة نقطة، على عينك، على وجه ابنك، طول الليل وانت مش قادر تتحرك.

فرشتنا قبر ثاني
ما في تخت، ما في فرشة، بتنام على رمل بارد، على طين معجون بزفت، على حجار بتفوت بعظمك،
وضهرك مكسور، ركبتك بترج، رقبتك بتموت،
لو شتت الدنيا بتصحى تلاقي المي طالعة من تحتك، وحراماتك غرقانة، وابنك نايم في بركة مي،
وبالليل الفيران بتطلع من الزبالة، بتمشي على وجهك، والصراصير والبراغيث بتنام معك وبتشرب دمك ودم ولادك.

البرد بيذبح فينا
شهر 1 و 2 برا 8 درجات، جوا بتحسها صفر،
والولاد بترتجف شفايفهم وبتزرق وجسمهم تلج،
الام بتقلع حرامها وبتغطي ولادها، وبتنام مجمدة، وبتحضنهم بجسمها طول الليل عشان ما يموتوا بين ايديها،
الكحة بتقطع الصدر، التهاب رئوي، التهاب قصبات، سخونية ما بتنزل، وما في حبة اكمول، بنموت قدام بعض، ومش طالع بايدنا شي.

الحر بيخنقنا خنق
شهر 7 و 8 الشمس بتذوِّب النايلون من الساعة 7 الصبح،
الخيمة بتصير ساونا جهنم، النفس بينقطع، ريحة العرق والعفن بتخنقك،
والشايب بيوقع وبيغمى عليه، والرضيع بشرب مي وبستفرغها من الحر،
ما في مروحة، ما في كهربا، ما في نقطة هوا. الحل الوحيد تطلع تنحرق بالشمس برا.

كرامتنا انذبحت
أب عمره 40، وأم، وشب طول بعرض، وبنت عمرها 16، وولاد صغار كلهم، نايمين لازقين ببعض،
بدك تغير بنطلونك انفضحت، بدك تستر حالك ما في مكان،
بدك تبكي لحالك، المخيم كله بيسمعك، اي كلمة بينك وبين مرتك كل الخيام بتسمعها،
بطَّلنا بني آدمين، صرنا لحم مرمي فوق بعض،
بنتعفن واحنا عايشين،
والمي بتنزل، والغسيل ما بينشف، وريحة العفونة لازقة بجلدنا وبأواعينا،
الجرب نهش جسمنا، القمل عشش براس ولادنا، الدمامل والالتهابات بتاكل فينا،
الولد بيصحى الصبح جسمه كله دم من كتر القرص والحك، وبيضل ساكت عشان ما يوجع أمه بعياطه،
بنحك جلدنا لحد ما نجيب الدم، وما في صابونة، ما في دوا، ما في حدا سائل فينا،

مش بس راح البيت، راحت النومة، راحت الكرامة، راحت الانسانية،
اكثر من 1000 ليلة، واحنا بنشحد ساعتين نوم بدون نقطة مي على وجهنا، بدون برد يهز عضمنا، بدون حر يخنق روحنا، بدون ذل يذبحنا.

احنا مش ارقام على الشاشة
احنا اكثر من 1000 يوم عذاب وقهر وذل وموت بطيء
الله المستعان... 

***

01 / 07 / 2026

في غزة يفيض الماء "مجاناً" في كل زاوية.. لكنه يتدفقُ دماً فوق كرامتنا.

نحن أمام مشهدٍ شيطاني حيث تتحول نقاط التوزيع إلى ساحة إعدام ينهب فيها القويُّ حصته وحصة غيره بينما يقف الطفل والمسن والجريح عاجزين يرتجفون من الرعب ويراقبون حقهم في الحياة وهو يُنتزع بقوة الساعد.

لقد حملنا " الجرادل " حتى انحنت ظهورنا اليوم.

90 في المئة من أجسادنا مشوهة بمشاكل العمود الفقري، نحمل أثقالاً تفوق قدرة البشر تحت شمسٍ لا ترحم. . ومن أعياه الزحام والظلم يضطر مرغماً لشراء شربة ماء "مسمومة" برداءتها. يدفع ثمنها من قوته وقوت أطفاله ما بين 2 إلى 5 شيكل، ليشتري لنفسه لحظة صمتٍ بعيداً عن صراعات القبور.

في غزة نحن لا نُحضر الماء، نحن نُحضر " الذل " إلى بيوتنا. لقد تلاشت الرحمة وأصبح شريان الحياة هو ذاته المقصلة التي تنحر ما تبقى من إنسانيتنا ليبقى الضعيف عطشاناً محني الظهر ومسحوقاً بين فكي الموت.

هذه معاناتنا مع الخبز من قلب غزة:

الوقوف على نقاط توزيع ( WFP ) للحصول على ربطة خبز بـ 3 شيكل أصبح رحلة ذلٍّ لا تُطاق، حقول ألغام تفتقر لأدنى معايير الإنسانية، فلا احترام لكبير ولا رحمة بإمرأة أو مريض. الفوضى العارمة تحولت إلى مسالخ للكرامة.

عصابات تسيطر على المكان لتسرق الهواتف وتنهب الناس، وقد دفعنا ضريبة هذا الرغيف دماً. طُعنتُ شخصياً في ظهري بآلة حادة لأفسح لهم المجال قسراً، وبعد ايام ابني عاد يجرُّ خيبته بعد سرقة هاتفه وعودته بلا خبز.

لا جدوى من الشكوى أو التبليغ في مركز الشرطة، فالخطر يحيط بنا من كل جانب بسبب الاستهداف، والفوضى هي السيد. نُجبَر في النهاية على شراء ربطة الخبز من هؤلاء اللصوص أنفسهم بأسعار خيالية تصل الى 10 شيكل لنطعم أولادنا.

نعيش في حلقة مفرغة من الابتزاز والتهديد بين مطرقة الجوع وسندان القهر.

أصبح رغيف الخبز في غزة يُشترى بالدم والكرامة.

الله المستعان .. 

مقالات من فلسطين

محكومون بالمجاعة

في الأسبوعيْن الماضيين، أعلن المنسق الإسرائيلي عن أزمة جديدة. فوفق قوله، أجبرت حركة حماس التُجار الغزيين على دفع ضريبة تزيد على 10 آلاف شيكل على كُل شاحنة تجارية تعبُر إلى...

ثلاث سنوات.. أو ثلاثة دهور!

تبدّلَ كُلُّ شيءٍ في غزّة. كُلُّ ما يتخيّله العقل البشري وما لا يتخيّله. تحولت حياة الناس، في لحظة، من البيوت والشقق إلى الخيام، ومن الجدران إلى القماش، ومن الخصوصية إلى...

للكاتب/ة

تحية إلى ليلى شهيد

تلك هي ليلى شهيد، لمن عرفها عن قرب، كما لمن كان يعرفها عبر الأدوار بالغة الأهمية التي كانت تجيد الانتصار فيها. وسواء أكانت الصلة بين مأساة فلسطين المتجددة، وبين مأساتها...