أربعة أشهر بلا حرية ولا راتب: التكلفة الاجتماعية والقانونية لعِدَّة الأرامل

"لا تجب العِدَّة على اليائسة في الطلاق، لكنها تجب حتماً في الترمل". وأما عدِّة المطلقة فتمتد إلى ثلاثة أطهار، وغاية الإلزام فيها هو استبراء الرحم، من دون أن ترافقه أية شعائر للحداد أو التفجع، بينما تتفرد عِدَّة الوفاة بفرض "الحِداد"، الذي يعني شرعاً مجرد "عدم التزين وتجنب الاحتفالات والمكياج" حزناً على الزوج. غير أن "الثقافة الشعبية حولت هذا الحداد إلى طقس عبور أشد وضوحاً وقسوة، بسبب تراكمات ترى في زواج الأرملة إهانة للزوج، وهي نزعة تملُّك ترغب في بقاء المرأة بلا زواج حتى بعد رحيل زوجها". هذا ما تأكده الدكتورة بتول فاروق، أستاذة الفقه في جامعة الكوفة، بخصوص الفارق بين عِدَّة الطلاق وعِدَّة الوفاة في الفقه الإمامي.
2026-10-22

أماني الحسن

باحثة وصحافية من العراق


شارك
سيروان باران - العراق

في ميسان، إحدى مدن الجنوب العراقي، كانت فاطمة (امرأة خمسينية) تخوض رحلة التعافي من مرض السرطان الذي أصابها عام 2021. كان جسدها ينبض بالأمل، لكن رحلته الشاقة فرضت عليها بروتوكولاً طبياً متصلاً، متمثِّلاً في إجراء فحوصات ومراجعات دورية كل شهرين، لمنع أية عودة خفية للأورام. غير أن هذا الجدول الطبي المتصل، الذي يتعلق بحياتها مباشرة، توقف فجأة.

رحل زوجها، ودخلت المرأة في فترة "العِدّة والحداد". وفي لحظة فارقة، رجَحت كفة السطوة الاجتماعية والالتزام العرفي على كفة السلامة الجسدية، إذ أُجبرت على تأجيل مراجعاتها الطبية الضرورية؛ تجنباً للخروج ومقابلة الأطباء الرجال، ولخشية التصادُم مع نظرة مجتمعية، تحظِّر على الأرملة الظهور في الفضاء العام.

لم يكن الامتثال هنا مجرد قسوة شكلية، بل تحول إلى تهديد صريح لحياة امرأة صمدت في وجه السرطان، لتجد نفسها محاصَرة بين متطلبات التعافي الجسدي وكلفة الرقابة العُرفية، التي تجعل مجرد الذهاب إلى الطبيب فعلاً يتطلب إخفاء الملامح كلياً بالنقاب والكمامة والجوارب والكفوف. أدى هذا التضييق في إحدى المرات إلى تعثرها وسقوطها في الشارع، في إشارة مكثفة إلى ما يمكن أن يجلبه تقييد حركة النساء باسم العرف من أضرار مادية وجسدية.

عدَّة الطلاق وعدَّة الترمل

تقول في هذا الصدد الدكتورة بتول فاروق، أستاذة الفقه في جامعة الكوفة، متحدثة عن الفارق بين عدة الطلاق وعدة الوفاة في الفقه الإمامي: "لا تجب العدة على اليائسة في الطلاق، لكنها تجب حتماً في الترمل". وتؤكد د. بتول أن عدِّة المطلقة تمتد إلى ثلاثة أطهار وغاية الإلزام فيها هو استبراء الرحم، من دون أن ترافقه أية شعائر للحداد أو التفجع، بينما تتفرد عدة الوفاة بفرض "الحداد"، الذي يعني شرعاً مجرد "عدم التزين وتجنب الاحتفالات والمكياج"حزناً على الزوج. غير أن الدكتورة تُشير مباشرة إلى أن "الثقافة الشعبية حولت هذا الحداد إلى طقس عبور أشد وضوحاً وقسوة، بسبب تراكمات ترى في زواج الأرملة إهانة للزوج، وهي نزعة تملُّك ترغب في بقاء المرأة بلا زواج حتى بعد رحيل زوجها".

ليست الشعائر المشدَّدة نمطاً مُعبِّراً عن المجتمع العراقي كله، حيث أن البيئات الاجتماعية تتباين في التعاطي مع فترة العِدَّة. ففي المراكز الحضرية والمدن، تتراجع هذه المظاهر الحادة (كالحفاء أو العصابة)، لتقتصر على الالتزام بشرط عدم التزين أو ارتداء الملابس الداكنة. هذا التعدد يوضِّح أنالممارسة هنا عائدة الى أنها "عادات وتقاليد محلية"، تتغير بتغير الجغرافيا والطبقة الاجتماعية، وهو الفارق بينها وبين "القانون والتشريع" الممتد بأثره الموحَّد على الجميع.

إذا كانت العادات والتقاليد تتفاوت بين منطقة وأخرى، إلا أن المنظومة التشريعية والقانونية النافذة في العراق تفرض واقعاً موحَّداً وصارماً على جميع النساء العاملات من دون استثناء. إذ تجبر الارملة على أخذ اجازة بلا راتب، سواء في القطاع العام أو الخاص، لمدة أربعة اشهر وعشرة أيام، وهي مدة الحِداد بحسب العرف. وهكذا تتبنى الدولة، ومعها المنظومة الاجتماعية، الجانب الضابط لحركة المرأة، بينما تتنصل كلياً من استحقاقاتها المادية والتكافلية.

وتتقاطع هذه التفرقة مع تمييز مجتمعي حاد. فالطلاق يصنَّف غالباً في الوجدان الجمعي كـ"تمرد أو خروج عن المألوف"، فلا تُفرَض على المطلقة شعائر التفجع أو إظهار الحزن، كونها لا تُعامَل كـ"منكوبة". في المقابل، يُنظَر إلى وفاة الزوج كفاجعة قسرية، تُجبَر الأرملة فيها على خوض حداد شكلي صارم يُطالبها، بحسب العرف، بترك الزينة وإثبات الوفاء المطلق لـ"سيد البيت" الراحل، تحوَّل فيه الفقه إلى طقس عبور محكوم بمركزية ذكورية، تُفرَض فيه ثقافة الحزن بحسب مقاييس المجتمع الذي توجد فيه المرأة .

الرقابة على الجسد بين المركزية العُرفية وتعدد التقاليد

تتسع مساحة التضييق العرفي، وتكتسب طابعاً استعراضياً شديد الحدِّة في البيئات العشائرية والأهوار جنوب العراق. ولا تكتفي التقاليد المحلية بفرض الاعتكاف داخل البيت، بل تفرض تعديلات قسرية على هيئتها، كإجبارها على شد "العصابة" على رأسها، وإنزالها لتغطي الحواجب والجبهة بالكامل.

و الملمح الأشد قسوة في بعض مجتمعات الأهوار يكمن في حرمان الأرملة من ارتداء الأحذية، وسيرها حافية القدمين طوال فترة الحداد، كرمزية مشدَّدة على "انعدام الرفاهية"، وتجريد الذات من أي مظهر من مظاهر الإقبال على الحياة.

غير أن هذه الشعائر المشدَّدة ليست نمطاً معبِّراً عن المجتمع العراقي كله، حيث أن البيئات الاجتماعية تتباين في التعاطي مع فترة العدة. ففي المراكز الحضرية والمدن، تتراجع هذه المظاهر الحادة (كالحفاء أو العصابة)، لتقتصر على الالتزام بشرط عدم التزين أو ارتداء الملابس الداكنة. هذا التعدد يوضِّح الفارق بين "العادات والتقاليد المحلية"، التي تتغير بتغير الجغرافيا والطبقة الاجتماعية، وبين "القانون والتشريع" الممتد بأثره الموحَّد على الجميع.

يبقى السؤال المفتوح أمام المنظومة التشريعية والمجتمع: إلى متى يُترَك العُرف المحلي ليختطف المقاصد الدينية، ويظل القانون متخلياً عن الأرامل العاملات، لتجد المرأة نفسها مفروضٌ عليها دفع ثمن الفقد والامتثال من صحتها وحريتها وأمنها المعيشي؟

تفسر الدكتورة لاهاي عبد الحسين الدعمي، الأستاذة في علم الاجتماع السياسي، الخضوع الجماعي لشعائر الحِداد الحادة، بوصفه نتاج تضامن بين المؤسسات العرفية والمجتمعية، وتقول: "يتضامن المجتمع بمؤسساته الدينية والعرفية ضد المرأة، فيفرض تقاليد لإظهار سطوته وتمكّنه منها، وإلا فإنها تُعاقَب بالشك في إخلاصها وتُحرَم حتى من التعاطف مع وجع فقدها" . وتضيف د. لاهاي في تحليلها لظاهرة تماهي النساء معه: "هن مغلوبات على أمرهن، ويقبلن ذلك حمايةً لمكانتهن الاجتماعية". وفي مجتمع يشجِّع الرجل الفاقد لزوجته على التعافي السريع والزواج بأخرى، يصبح الامتثال لطقوس الحداد الشديدة هو الدرع الوحيد للأرملة؛ لحماية سمعتها ومكانتها من الطعن الأخلاقي.

الغياب القانوني: أربعة أشهر بلا أجر ولا حماية

إذا كانت العادات والتقاليد تتفاوت بين منطقة وأخرى، فإن المنظومة التشريعية والقانونية النافذة في العراق تفرض واقعاً موحداً وصارماً على جميع النساء العاملات من دون استثناء.

تسرد آية (28 عاماً) من الناصرية قصة والدتها الموظفة الحكومية: "أمي لم تخرج من البيت لمدة أربعة أشهر وعشرة أيام، أُجبرت على الأسود التام وحُرِمَت من المعطرات ورؤية أقاربها. وعلى الرغم من كونها موظفة، إلا أنها اضطرت إلى أخذ إجازة بدون راتب. توفي والدي ولم يكن الراتب التقاعدي قد صدر بعد، فكان انقطاع راتب أمي سبباً في أزمة معيشية حادة ألمّت بنا".

تفسر الدكتورة لاهاي عبد الحسين الدعمي، الأستاذة في علم الاجتماع السياسي، الخضوع الجماعي لشعائر الحِداد الحادة، بوصفه نتاج تضامن بين المؤسسات العرفية والمجتمعية: "يتضامن المجتمع بمؤسساته الدينية والعرفية ضد المرأة، فيفرض تقاليد لإظهار سطوته وتمكّنه منها، وإلا فإنها تُعاقَب بالشك في إخلاصها وتُحرَم حتى من التعاطف مع وجع فقدها".

هناك تناقض بين توفر اليقين الطبي بواسطة التحاليل والسونار، وجمود الممارسة، وهو ما يثبت أن الأزمة ليست في التطبيق الشرعي بحد ذاته، بل في تحول "العُرف" إلى سلطة ضاغطة، تُفرِّغ الأحكام الدينية من مقاصدها العقلانية والتكافلية، بالتزامن مع قُصور تشريعي يمتنع عن توفير الحماية المالية للذين يمتثلون للقانون.

في الأنظمة التي تُعرِّف بنيتها التشريعية بوصفها قائمة على قيم الشريعة والتكافل، يُفترَض أن تُكفل للمرأة، سواء المطلقة او الأرملة، مظلة حماية اقتصادية تُعِينها على تجاوز فاجعة الفقد والالتزام بالواجبات الدينية، من دون أن تدفع ثمن ذلك من قوت يومها. غير أن الواقع يكشف عن انفصام كبير، إذ تتبنى الدولة والمنظومة الاجتماعية الجانب الضابط لحركة المرأة، بينما تتنصل كلياً من استحقاقاتها المادية والتكافلية.

في هذا السياق، تُسلط المحامية مروة عبد الرضا الضوء على الحقيقة التشريعية الصريحة، التي تضع النساء العاملات تحت ضغط معيشي مباشر، مؤكدةً أن "القانون العراقي لا يمنح إجازة عدّة مدفوعة الأجر للأرملة". وتوضح عبد الرضا أن هذا الفراغ لا يستثني أحداً، إذ تُجبر المرأة، سواء كانت تعمل في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص ، على "أخذ إجازة بدون راتب"، تمتد طوال فترة الأربعة أشهر والعشرة أيام.

يضع هذا النص التشريعي النافذ النساء المعيلات أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانصياع للضغط الاجتماعي ولزوم البيت، مع تحمل تبعات العوز المالي وانقطاع الدخل، وإما الخروج إلى العمل، لكسب القوت اليومي، ومواجهة الوصم الاجتماعي، الذي يلاحق الأرملة في حال "كسرها" لطقوس الحِداد.

بين اليقين الطبي والجمود التشريعي

تأتي دقة الفحوصات الطبية الحديثة (من تحاليل رقمية وسونار) لتصنع يقيناً بيولوجياً لحظياً بشأن وجود الحمل أو نفيه، وهو المقصد الأصلي الفقهي من العِدة (استبراء الرحم). وعلى ذلك، يظل العزل الاجتماعي والضغط القانوني مستمرين بالشدة نفسها .

إن هذا التناقض بين توفر اليقين الطبي وجمود الممارسة يثبت أن الأزمة ليست في التطبيق الشرعي بحد ذاته، بل في تحول "العُرف" إلى سلطة ضاغطة، تُفرِّغ الأحكام الدينية من مقاصدها العقلانية والتكافلية، بالتزامن مع قُصور تشريعي يمتنع عن توفير الحماية المالية للذين يمتثلون للقانون.

ويبقى السؤال المفتوح أمام المنظومة التشريعية والمجتمع: إلى متى يُترَك العُرف المحلي ليختطف المقاصد الدينية، ويظل القانون متخلياً عن الأرامل العاملات، لتجد المرأة نفسها مفروضٌ عليها دفع ثمن الفقد والامتثال من صحتها وحريتها وأمنها المعيشي؟

مقالات من العراق

إحدى وجوه قتل النساء في العراق!

فؤاد الحسن 2026-10-08

إن رفضت البنت الزواج، فهي قد تُصبح معرَّضة للقتل، و"محظوظة لأن هناك مكاناً يحفظ عظامها" كما قال واحد من أقارب إحدى الضحايا لأمها، بعد أن قُتِلت نتيجة رفضها الزواج المدبَّر...

خارج التغطية القانونية.. داخل السجن الكبير: حكايات نساء عالقات في العراق

عند نشوب خلافات، تُحوِّل المنظومة التنفيذية الزوجة البالغة العاقلة إلى ما يشبه "القاصر الإداري"، إذ يمنح النظام للزوج الكفيل سلطة التحكم بتجديد أوراقها أو منعها من السفر والتنقل. وفي حالات...

للكاتب/ة

خارج التغطية القانونية.. داخل السجن الكبير: حكايات نساء عالقات في العراق

عند نشوب خلافات، تُحوِّل المنظومة التنفيذية الزوجة البالغة العاقلة إلى ما يشبه "القاصر الإداري"، إذ يمنح النظام للزوج الكفيل سلطة التحكم بتجديد أوراقها أو منعها من السفر والتنقل. وفي حالات...

قراءة في كلفة عام من تطبيق قانون الأحوال الشخصية الجديد في العراق، وقصص ضحاياه

تُظهِر التعديلات الممتدة والممارسات القضائية كيف تُوظِّف الدولة والأحكام التقليدية مفهوم "الولاية الجبرية" كتقنية لإخضاع النساء، حيث يُعاد حصر موقع المرأة في خانة الوعاء الرعائي المجرد من الحقوق السياسية والقانونية...

العودة من برزخ الموت في العراق: ناجيات من "غسل العار" يكسرن جدار الصمت

في بعض الحالات، كهذه المنشورة هنا، تتحوّل العائلة من مساحة حمائية مفترضة إلى أداة تنفيذية أولى، والى الشرطي الحارس للمنظومة البطريركية، فتنهار قيمة "القرابة الدموية" أمام سلطة "الامتثال الجماعي"، حيث...