إعداد وتحرير: صباح جلّول
جددت محكمة جنايات القاهرة في 27 أيلول/سبتمبر 2026، حبس كلًّ من حسن صابر الشاذلي، وعيد صابر الشاذلي، لمدة 45 يوماً، على ذمة تحقيقات القضية رقم 4489، لسنة 2026 - حصر أمن الدولة العليا، وتلك هي القضية نفسها التي اتُّهِمت فيها شقيقتاهما، إيمان وشيماء الشاذلي.
وفقاً لعدة منظمات حقوقية، منها الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، فإنّ الاتهامات في هذه القضية تشمل: الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر وإذاعة أخبار كاذبة، وهي الاتهامات النمطية المعتادة في قضايا أمن الدولة.
حسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير (AFTE) في مصر، أُلقي القبض على شيماء في 18 آب/أغسطس من منزلها بمحافظة الإسكندرية، بعد يوم واحد من إلقاء القبض على شقيقتها إيمان. وبقيت شيماء محتجَزة بشكل غير قانوني في مكان غير معلوم لذويها ومحاميها، إلى أن مثلت أمام النيابة، التي وجّهت لها اتهامات باستخدام حساب على شبكات التواصل الاجتماعي للترويج لأفكار جماعة إرهابية، وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن والنظام العام، كما واجهتها أثناء التحقيقات بأوراق مطبوعة أنكرت صلتها بها.
ما قصّة هذه العائلة إذاً؟ ولماذا اعتقل الإخوة فيها واحداً تلو الآخر، كأنّهم جماعة إرهابية منظَّمة، تهدد أمن مصر وشعبها؟
*****
الحقيقة هي أنّ القصة في مكانٍ آخر. بالتحديد، في العاصمة البريطانية لندن، حيث تعيش شقيقتهم منى الشاذلي، وهي مواطنة مصرية-بريطانية، مهندسة وناشطة سياسية، عُرِفت بنشاطها المعارض للحكومة المصرية، بالتحديد عبر نشرها لمقاطع فيديو وتعليقات سياسية عبر يوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي، تنتقد فيها بشِدّة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وسياساته، والداخلية المصرية.

فعلياً، ما تفعله منى لا يتجاوز حدود الكلام. هو مجرد بثّ لانتقادات صريحة من خارج مصر، مستفيدة من جنسيتها المزدوجة وإقامتها في مكان يسمح لها بهامش من التعبير الحرّ عن هذه الشؤون. تُدرِج المنظمات الحقوقية هذه القضية التي تطال أشقاءها وشقيقاتها في سياق "القمع العابر للحدود"، وهي سياسة واعية لاستهداف أُسر المعارضين في المنفى، للضغط عليهم وإسكاتهم ومعاقبتهم.
في هذه القضية بالذات، يمكن تلمّس الأدلّة على استخدام الإخوة وأفراد العائلة كوسائل ضغط، فقد تعامل الأمن مع هؤلاء الأفراد وكأنّ حبس كلّ منهم ورقة ضغط إضافية، إذ حدثت الاعتقالات في أوقات متفرقة على مدى سنوات.
أدرجَ الشقيقان سابقاً في القضية رقم 855 لسنة 2020، وأمضيا على ذمّتها ما يقارب ثلاث سنوات في الحبس الاحتياطي قبل إخلاء سبيلهما، ثمّ قُبض عليهما مجدداً في 19 أيار/ مايو 2026 من منزلهما، وبقيا محتجزَين بغير صفة قانونية لخمسة أيام، قبل عرضهما أمام النيابة، التي وجّهت إليهما التهم إيّاها، من دون أن تواجههما بأية منشورات بعينها، كأن الدليل على التهمة غير ذي أهمية.
هنا تأخذ القصة منحى مأساوياً آخر، فإبان اعتقال الأخوين، قدمت إيمان الشاذلي، الأخت الثانية التي تعيش في إنجلترا أيضاً، إلى مصر لرعاية والدتها المسنة واصطحابها لزيارة أبنائها في السجن، فما كان من السلطات المصرية إلا أن قبضت عليها هي الأخرى، في 16 آب/أغسطس الماضي، وحوّلتها إلى متهَمة في القضية نفسها. ثمّ بعد يومٍ واحد من اعتقالها، تمّ القبض على اختها شيماء فجراً من منزلها في الإسكندرية، ليصير الأربعة أشبه بـ"رهائن" لدى أمن الدولة.
العقاب بالوكالة: نمطٌ موثق
قد تكون قضية إخوة منى الشاذلي هي الأحدث، إلا أنها، للأسف، ليست استثناءً لَم يُرصَد له مثيل من قبل. فهي تندرج ضمن نمط وثَّقته منظمات حقوقية مصرية ودولية على مدى سنوات، يتمثل في استخدام أفراد العائلة للضغط على المعارضين الموجودين في الخارج. هي وسيلة تعتمدها الدولة المصرية لمدّ سطوتها وإحكام قبضتها الحديدية المطبقة على الأصوات داخل مصر إلى خارج البلاد، حيث لا صلاحيات قانونية وأمنية لها، وحيث لا تستطيع الوصول إلى المعارضين بالوسائل التقليدية: اعتقال، إخفاء قسري، وحبس.
في تقرير نشرته "هيومن رايتس ووتش" عام 2019، وثّقت – في حينه - 28 حالة لصحافيين وإعلاميين وناشطين سياسيين وحقوقيين مصريين يعيشون خارج البلاد، تعرّض في كلّ منها فرد أو أكثر من عائلاتهم داخل مصر للمضايقة أو التهديد أو الاعتقال أو إجراءات عقابية أخرى. وشملت الإجراءات مداهمات المنازل والاستجوابات والاعتقالات، بالإضافة إلى حظر السفر ومصادرة جوازات السفر. في 13 حالة من 28، وُجِّهت إلى أقارب المعارضين أنفسهم اتهامات، بينها "الانضمام إلى جماعات إرهابية ونشر أخبار كاذبة".
على سبيل المثال، في حالة هشام عبد الله وغادة نجيب، وهما معارضان مصريان كانا يعيشان في تركيا، اعتُقل شقيق هشام عبد الله وشقيقا غادة نجيب في مصر في صيف 2018. وبحسب شهادات نقلتها "هيومن رايتس ووتش"، ظلّ الثلاثة محتجزين في عزلة تامة لعدة أيام قبل عرضهم على النيابة، وأُدرجوا لاحقاً في القضية رقم 441 لسنة 2018. وقالت نجيب وزوجها إن أقاربهم لا علاقة لهم بنشاطهم السياسي بتاتاً، وإنّ ضباطاً أبلغوا العائلة صراحة بأن الاعتقالات مرتبطة بنشاطهما، كما طُلب من العائلة إيصال رسالة إلى الزوجين مفادها أن "يصمتا". كما مُنعت شقيقة نجيب من مغادرة مصر وصودر جواز سفرها.
في حالة أخرى، داهمت قوات مسلحة منزل والد المدوّن عبد الله الشريف في الإسكندرية عام 2019، وأجبرت والده وأفراداً آخرين من أسرته على تسجيل مقاطع فيديو ينتقدون فيها عبد الله، كنوع من التبرؤ منه، بعد نشره مقاطع على يوتيوب يتكلم فيها عن الفساد ومشاكل الإنفاق الحكومي.
عن مروة عرفة... وآلاف المسجونين
21-08-2025
سجينات الرأي في مصر.. أبواب الخروج والعودة
26-01-2023
قد تكون إحدى أشهر الأمثلة عن هذا النمط الرهيب، متمثلة في قضية عُلا القرضاوي، ابنة الداعية يوسف القرضاوي، وزوجها حسام خلف. فقد اعتُقل الاثنان في حزيران/يونيو 2017، أثناء إجازتهما في الساحل الشمالي، من دون مذكرة توقيف، بحسب تقرير لـِ"هيومن رايتس ووتش". احتُجز الاثنان في الحبس الانفرادي، فيما ربطت السلطات توقيفهما، بحسب المنظمة، بعلاقاتهما المفترَضة بجماعة الإخوان المسلمين وبوالد عُلا. وقد أمضت عُلا نحو عامين في الحبس الاحتياطي، إلى أن أُفرج عنها في 2019، بعد أن تجاوز احتجازها الحدّ الأقصى القانوني للحبس الاحتياطي. غير أنّ السلطات أعادت توقيفها في اليوم التالي مباشرة، ووجّهت إليها اتهامات جديدة، منها الانضمام إلى جماعة إرهابية ودعمها عبر "استغلال علاقاتها داخل السجن"!
في حالة الناشط المصري-الأميركي محمد سلطان، أخذ الضغط شكل اعتقال طال والده، ورُبِط احتجازه بنشاط ابنه في الولايات المتحدة. وفي 25 تشرين الأول/أكتوبر 2022، اعتُقل يوسف الغمري، نجل الإعلامي المعارِض حسام الغمري الذي يعيش خارج البلاد، من منزل الأسرة في الشرقية، واختفى لأكثر من شهر قبل عرضه على نيابة أمن الدولة. وبحسب تقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير، جاء ذلك بعد مشاركة والده في الدعوة إلى احتجاجات 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2022 التي شارك فيها مصريون مقيمون في الخارج. وفي أبريل/نيسان 2023، اعتُقل أيضاً شقيق حسام، محمد الغمري، ووجهت إليه اتهامات بالإرهاب وتلقي أموال من الخارج وتمويل جماعة داخل مصر.

تكرر النمط ذاته مع حملة اعتقالات شعواء، طالت ما لا يقل عن 12 من أفراد عائلة الصحافي والسياسي أحمد طنطاوي ومؤيديه، وذلك بعيد إعلانه نيته الترشح لرئاسة الجمهورية عام 2023.
كما وثق تقرير "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية والمبادرة المصرية لحقوق الإنسان، وغيرها من المنظمات الحقوقية عشرات الحالات التي استُخدِم فيها الآباء والأقارب للضغط على معارضين يعيشون خارج مصر، بما يكفي لتحديد نمطٍ واعٍ يشكّل أسلوباً أمنياً معتَمَّداً، يمكن تسميته بـ"العقاب بالوكالة". كما توضح الحالات سالفة الذكر، فإنّ هذا النمط لم يكن محصوراً بفترة زمنية محددة، بل هو ممتدّ ومتكرّر الاستخدام.
وهذا النوع من العقاب لا يتخذ شكلاً واحداً، فقد يكون اعتقالاً، أو حبساً احتياطياً، أو منعاً من السفر ومصادرة لجوازات السفر، أو مداهمة منزل، أو حتى تهديداً مباشراً أو غير مباشر. الهدف، في نهاية المطاف، هو جعل المعارض في الخارج واعياً لفكرة أن عائلته ليست بعيدة عن متناول السلطات وبطشها، وإعادة حساباته قبل التفوه بأي كلمة أو القيام بأي إجراء، وفي بعض الأحيان استدراجه للقبض عليه في مصر.
هوس بالتقاط الجميع!
ما يحدث مراراً وتكراراً هو جزء من آلية، يغذّيها الاستخدام المطوّل للحبس الاحتياطي لاستبقاء المعتقَلين بدون تهم واضحة أو أدلة، ولفترات زمنية ممتدة. في قضية الشاذلي بالذات، تمّ تدوير القضايا للأخوين، حيث نُقلا من ذمة قضية إلى أخرى.
في مقطع فيديو صورته منى الشاذلي بعد اعتقال إخوتها، قالت: "عارف لمّا حدّ يجرّب حاجة ويطلع معاه نتيجة عكس اللي هوّ عايزه، وبعدين يرجع تاني بعد 3-4 سنين، يعمل نفس الحاجة، وفي اعتقاده أنه سيحصل على نتيجة مختلفة. هوّ دا اللي عبد الفتاح السيسي بيعمله مع الثوار المصريين في الخارج. الهجوم على الأقارب والهجوم على البيوت، دا شغل قطاعين الطرق". وجّهت الشاذلي كلامها إلى الرئيس المصري، مؤكدة له أنها لن تخاف ولن تتراجع، وكشفت أنّ السلطات اعتقلت خالها الكبير في السن أيضاً وعذّبته قبل أن تطلِق سراحه، مع أنها لم ترَه منذ سنوات طويلة.
قالت الشاذلي، بانفعال في الفيديو، إنّ كل ما يعمله السيسي "عالبايظ"، أي بدون نتيجة، "لأنّ خلافي معك هو خِلاف عقائدي، هل تعلم ماذا تعني كلمة "عقائدي"؟ أنتَ بايع أرضي وقاتل شعبي، ومضحَّك علينا القاصي والداني"، حسب تعبيرها.
في التعليقات، تُلحَظ حسابات تبدو مشبوهة، تعلّق بالقول "أنتِ مريضة ودواؤك في مصر، فتعالي للعلاج"، وسوى ذلك من التهديدات المبطنة والمفضوحة. تحيل هذه الأجواء القمعية، من الاعتقالات إلى التهديدات الكلامية، إلى ذلك الهوس المتجذّر بالإمساك بكل كلمة يقولها أو فعلٍ يقوم به أي مصري في العالم، لا في مصر وحدها.
نذكر هنا ما حدث عند قيام الشاب المصري أنس حبيب، المقيم في هولندا، بإغلاق باب السفارة المصرية بالجنزير والأقفال، في 22 تموز/يوليو 2025، احتجاجاً على إغلاق مصر لمعبر رفح خلال ذروة حرب الإبادة الإسرائيلية. في اليوم التالي، 22 يوليو، داهمت قوات الأمن منزل خاله مختار طايل في البحيرة واعتقلته. وكان طايل، بحسب الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، يبلغ من العمر 68 عاماً، وعمل سابقاً مفتشاً في وزارة الصحة. ثم أُدرج ابنه عمر مختار في القضية نفسها، ووجهت إليهما اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها.

على أبوابها احتجاجاً على إبقاء مصر على إقفال معبر رفح.
تحاول السلطات المصرية ببساطة نزع تلك الامتيازات القليلة التي يحصل عليها المنفيون خارج البلاد، وأهمها شيء من حرية التعبير وممارسة دور سياسي معارِض بعيداً من إمكانية الاعتقال. لقد وجدت السلطات في سياسة ليّ الذراع، عبر إيلامهم بأحبائهم وعائلاتهم، وسيلتها المثلى!

