خارج التغطية القانونية.. داخل السجن الكبير: حكايات نساء عالقات في العراق

عند نشوب خلافات، تُحوِّل المنظومة التنفيذية الزوجة البالغة العاقلة إلى ما يشبه "القاصر الإداري"، إذ يمنح النظام للزوج الكفيل سلطة التحكم بتجديد أوراقها أو منعها من السفر والتنقل. وفي حالات التعنيف أو الهجران، يتحول هذا القيد الإداري إلى أداة احتجاز، تضع المرأة أمام خيارات قليلة: إما الغرق في غرامات مالية متراكمة، وقرارات منع من الدخول، أو مواجهة انسداد الأفق والتنقل بطرق غير قانونية للنجاة بنفسها.
2026-10-01

أماني الحسن

باحثة وصحافية من العراق


شارك
هيف كهرمان - العراق

تُطبّق القوانين والتعليمات الإدارية المتعلقة بالإقامة والكفالة في العراق على جميع الزوجات الأجنبيات من دون استثناء، حيث تضع أطراً تنظيمية صارمة ترتبط فيها الإقامة الشرعية وحرية التنقل بـ "الكفيل". كما تشترط هذه القوانين إقامة المرأة في العراق لمدة خمس سنوات، في ظل زواج متصل وليس منفصلاً، للحصول على الجنسية العراقية. لكن هذه المنظومة التنفيذية تحوِّل الزوجة البالغة العاقلة عند نشوب الخلافات إلى ما يشبه "القاصر الإداري"، إذ يمنح النظام للزوج الكفيل سلطة التحكم بتجديد أوراقها أو منعها من السفر والتنقل. وفي حالات التعنيف أو الهجران، يتحول هذا القيد الإداري إلى أداة احتجاز، تضع المرأة أمام خيارات قليلة: إما الغرق في غرامات مالية متراكمة، وقرارات منع من الدخول، أو مواجهة انسداد الأفق والتنقل بطرق غير قانونية للنجاة بنفسها.

وهذا ينطبق على جميع المتزوجات من عراقيين، أجانب كُنّ أو من جنسيات عربية. وكنموذج ومثال، نتناول هنا الزوجات السوريات تحديداً، بالنظر إلى التصاعد الملحوظ في نسب الزواج بين عراقيين وسوريات خلال السنوات الأخيرة، ما جعل هذه الفئة الأكثر تأثراً وانتشاراً في المشهدين الاجتماعي والقانوني. وتظهر المؤشرات الرقمية الرسمية حجم هذه الظاهرة، إذ أعلن السفير السوري في العراق، عن تسجيل قرابة 5000 عقد زواج رسمياً بين الطرفين خلال عام 2023 وحده. وعلى الرغم من غياب البيانات التراكمية الشاملة لإجمالي الزوجات السوريات المقيمات، فإن الإحصائيات المحلية تعكس هذا المنحنى المتصاعد، إذ تسجّل محافظة بابل وحدها ما متوسطه 10 حالات إقامة شهرياً، لسوريات متزوجات من عراقيين (حوالي 51 حالة خلال 5 أشهر فقط من العام 2023)، لتضاف إلى أرقام سابقة وثقت تسجيل أكثر من 400 عقد زواج رسمي بين الطرفين خلال خمس سنوات.

القانون

بموجب قانون إقامة الأجانب رقم 76 لسنة 2017، الذي دخل حيز التنفيذ بعد صدوره في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2017، ونشره في جريدة الوقائع العراقية العدد 4466 بتاريخ 23 تشرين الأول/أكتوبر 2017، رسّخ المشرِّع العراقي نظام الكفالة بشكل صريح من خلال المواد 11 و12 و13، التي تُلزِم الكفيل بضمان صِحة المعلومات، وإحضار المكفول أو تسفيره عند الاقتضاء، وتمنع المكفول من العمل لدى غير كفيله. وعلى الرغم من أن المادة 21 تمنح المرأة الأجنبية المتزوجة من عراقي حق الإقامة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، والمادة 9 تعالج حالات الوفاة أو الطلاق، إلا أن التطبيق العملي يجعل الزوج هو الجهة الوحيدة القادرة على تجديد أوراقها ومنعها من السفر والتنقل.

فخ عقود الزواج الخارجية والأثر الجيلي

تزوجت أم حسين وهي امرأة سورية مقيمة في البصرة بزواج غير مسجّل في المحكمة، اذ عقدت شرعياً في سوريا، وجاءت إلى العراق بعد 2003. وبعد أن أنجبت طفلين، هجرها زوجها، واختفى من دون أن يترك لها وثائق ثبوتية. واجهت الأم صعوبات بالغة في استخراج أوراق لابنها، واضطرت - منتِجة الدائرة نفسها! - إلى تزويج ابنتها القاصر لابن عمها خارج المحكمة أيضاً.

تقول أم حسين: "ترِكنا بلا أوراق ولا إثبات وذهب إلى ألمانيا.. لم أستطع إدخال ابنتي إلى المدرسة أو استخراج أوراق ثبوتية لها. ووجدت نفسي مجبرة على تزويجها لابن عمها، خارج المحكمة، لمجرد حمايتها وسترها، لأننا بلا وجود قانوني هنا. أما ابني فقمت بتسجيله باسم عمه لغرض الدخول إلى المدرسة".

تجسد حالة أم حسين المأزق الأكثر تعقيداً للزيجات غير المسجلة رسمياً، إذ يشير المحامي لدى محكمة استئناف بغداد، محمد جمعة، إلى أن " زواج العراقي من امرأة غير عراقية خارج أطر المحكمة، من دون المبادرة إلى تصحيح وضعها القانوني، يتركها عرضة للتخلي في أية لحظة. لتفجأ المرأة لاحقاً بتراكم غرامات مالية طائلة جراء مخالفة الإقامة في الإقليم، أو بفرض غرامات وقرارات منع من الدخول في بغداد، فضلاً عن ضياع الحقوق المدنية للأطفال نتيجة هذا الإهمال القانوني المبكر" .

تزوجت أم حسين، وهي امرأة سورية مقيمة في البصرة، بعقد شرعي في سوريا، غير مسجّل في المحكمة، وجاءت إلى العراق بعد 2003. بعد أن أنجبت طفلين، هجرها زوجها، واختفى من دون أن يترك لها وثائق ثبوتية. واجهت الأم صعوبات بالغة في استخراج أوراق لابنها، فسجّلته على أسم عمه، واضطرت - منْتِجة الدائرة نفسها! - إلى تزويج ابنتها القاصر لابن عمها خارج المحكمة أيضاً.

 القانون هنا يعاقب الضحية، إذ تنقلب التعليمات الإدارية النافذة لتوصِم الزوجة المهجورة بصفة "المخالِفة لقانون الإقامة". تقع المرأة هنا في فخ مزدوج: استغلال اجتماعي وسلطوي يمارسه الزوج / الكفيل من جهة، وعقاب مالي وإداري، تُوقِعه مؤسسات الدولة من جهة أخرى، عبر الغرامات المتراكِمة وقرارات المنع من الدخول، مما يسلبها قدرتها على الشكوى والمطالبة بحقوقها. 

يُظهِر امتناع الزوج عن تسجيل عقد الزواج أو تصحيح الموقف القانوني للزوجة، ممارسة صريحة للعنف الرمزي، حيث يُستخدَم القانون عبر آلية الكفالة كأداة هيمنة تُبقي المرأة في حالة "تعليق"، ويتحول عقد الزواج غير المسجل من ميثاق حماية، إلى عقد مؤقت بلا التزامات، يُتيح للرجل ممارسة الهجران والتخلي من دون تبعات حقوقية.

الخطورة الأكبر في هذا النمط تتجلى في امتداده الجيلي. فحرمان الأبناء من الوثائق الثبوتية، يجردهم من حق المواطَنة والتعليم والخدمات الأساسية، مما يحوّلهم إلى أفراد غائبين رسمياً عن مؤسسات الدولة. هذا الاحتجاز الاجتماعي يفرز سلوكيات تعويضية اضطرارية، من مثل لجوء الأم المنْهَكة إلى تزويج ابنتها القاصر خارج المحكمة أيضاً، لتُعيد الأسر المتضرِرة إنتاج "حلقة الفقر والغياب القانوني" نفسها، كآلية دفاعية أولية لمواجهة التهميش.

الحصار الجغرافي وقيد "الكفيل"

تزوجت "بنين" (27 عاماً) في الأنبار، وتعرضت بعد فترة للهجران من الزوج، وتعيش اليوم حالة تعليق كاملة داخل المحافظة، حيث يمتنع زوجها عن تجديد إقامتها أو منحها إذن السفر.

تقول بنين: "أمي تتصل بي منذ أيام، وهي مريضة وسوف تموت ولن أراها، وأنا مسجونة هنا، لا أستطيع الحركة أو السفر إلى كردستان أو سوريا للقائها".

بموجب قانون إقامة الأجانب رقم 76 لسنة 2017، رسّخ المشرِّع العراقي نظام الكفالة بشكل صريح. والكفيل هو الزوج. يفرز هذا الاحتجاز الاجتماعي سلوكيات تعويضية اضطرارية، من مثل لجوء الأم المنْهَكة والمتروكة، إلى تزويج ابنتها القاصر خارج المحكمة أيضاً، لتُعيد الأسر المتضرِرة إنتاج "حلقة الفقر والغياب القانوني" نفسها، كآلية دفاعية أولية لمواجهة التهميش.

المشكلة الأكبر بحسب القانونية والناشطة في حقوق المرأة، مروة عبد الرضا، هي "غياب أي مسار استثنائي ضمن تعليمات مديرية الإقامة، يمنح الزوجة الأجنبية الحق في تجديد إقامتها، أو نقل كفالتها ذاتياً عند إثبات التعنيف أو الهجران". وعلى الرغم من أن القضاء العراقي يتيح إمكانية تصديق العقود الشرعية الخارجية، إلا أن السلطات الإدارية لا تعترف بتلك العقود لإصدار الإقامة، ما لم تقترن بتصديق الزواج رسمياً من محكمة الأحوال الشخصية.

يشير المحامي محمد جمعة إلى أن هذا الحصار هو نتيجة مباشِرة لتعامل التعليمات مع المرأة كـ"قاصر إداري"، إذ يؤكد أن "التعليمات لا تسمح للزوجة بمغادرة العراق إلا بوجود الكفيل / الزوج الذي عليه أن يوافق على المغادرة.. القانون هنا يعاقب الضحية، وحتى تستطيع الرجوع إلى أهلها تحتاج إلى مخالفة القانون فتغادر تهريباً، وهذا وضع غريب جداً".

____________
من دفاتر السفير العربي
التفاوت: مكانة النساء بين "الاعتقاد" الشائع والسائد وبين الواقع والوقائع
____________

تتجلى في هذه الشهادة مفارقة انحراف الوظيفة الاجتماعية للقانون، فبدلاً من أن تمثِّل التشريعات وسيلة لحماية الفئات الأكثر استضعافاً، وتفكيك بنى استغلالهن، تنقلب التعليمات الإدارية النافذة لتوصم الزوجة المهجورة بصفة "المخالِفة لقانون الإقامة". تقع المرأة هنا في فخ مزدوج: استغلال اجتماعي وسلطوي يمارسه الزوج / الكفيل من جهة، وعقاب مالي وإداري، تُوقِعه مؤسسات الدولة من جهة أخرى، عبر الغرامات المتراكمة وقرارات المنع من الدخول، مما يسلبها قدرتها على الشكوى والمطالبة بحقوقها، ويجبرها في النهاية على الانكفاء داخل شبكات الهشاشة غير الرسمية.

جغرافية العقاب الإداري والتكييف التشريعي للاحتجاز

تتجلى ثغرات المنظومة القانونية في تباين آليات العقاب الإداري بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، حيث تتضاعف كلفة "التبعية للكفيل". ففي بغداد والمحافظات، يُلزِم قانون الإقامة رقم 76 لسنة 2017 الزوجة المخالفة بدفع غرامة مقطوعة قدرها 500 ألف دينار عراقي، يرافقها قرار إداري بـ "المنع من الدخول" عند المغادرة، مما يضعها أمام خيار الإبعاد القسري والحرمان من العودة. أما في إقليم كردستان، فيأخذ الاحتجاز الإداري وضعاً مالياً أكثر قسوة، عبر آلية الغرامات التراكمية اليومية، إذ يُفرض مبلغ يومي يتراكم مع كل يوم تأخير، ليتجاوز خلال سنوات الهجران ملايين الدنانير، مما يُعجِز الضحايا عن سداده، ويُغلق أمامهن منافذ المغادرة الرسمية تماماً.

أما المشكلة الأكبر بحسب القانونية والناشطة في حقوق المرأة مروة عبد الرضا/بغداد فهي :غياب أي مسار استثنائي ضمن تعليمات مديرية الإقامة، يمنح الزوجة الأجنبية الحق في تجديد إقامتها، أو نقل كفالتها ذاتياً عند إثبات التعنيف أو الهجران" .

وعلى الرغم من أن القضاء العراقي يتيح إمكانية تصديق العقود الشرعية الخارجية، إلا أن السلطات الإدارية لا تعترف بتلك العقود لإصدار الإقامة ما لم تقترن بحجة تصديق زواج رسمية من محكمة الأحوال الشخصية. وفي ظل بطء إجراءات التبليغ القضائي، وتعمّد الأزواج المماطلة أو الاختفاء، تظل المرأة معلّقة في مساحة فاصلة، بين بطء النص القضائي وقسوة التنفيذ الإداري، لتتحول من ضحية تعنيف أسري إلى متهَمة بمخالفة قوانين الدولة.

شلل قانوني وعزلة مستمرة

في المحصلة، لا تمثِّل أزمة الزوجات غير العراقيات في العراق مجرد تعثر في استكمال أوراق إدارية أو تجديد بطاقات إقامة، بل هي تعبير صريح عن تخلف التشريع عن مواكبة التحولات الاجتماعية الواقعية، حيث تحول نظام الكفالة المعتمد إدارياً، من أداة للتنظيم إلى آلية هيمنة تُسلب المرأة حريتها وأهليتها القانونية، وتختزلها في موقع "التابعة" لزوج يملك سلطة إبقائها أو منحها حريتها.

إن وضع اليد على هذه الأزمة يكشف عن تناقض بنيوي عميق: فبينما يُفتَرض بالقوانين أن تكون الملاذ الأول لحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتفكيك بُنى التعنيف والاستغلال، تنقلب التعليمات الإدارية النافذة في العراق لتقف في صف الكفيل ضد الضحية، فتجرِّم المرأة المهجورة، وتلاحقها بالغرامات، والمنع والاحتجاز الجغرافي. وفي هذا الفراغ الفاصل بين صلف القوانين وتخلي الأزواج، تتلاشى الحقوق الأساسية للأمهات والأطفال، ليبقى خيارهن الوحيد للنجاة متمثلاً في العيش في الظل، أو المخاطرة باتباع مسالك غير قانونية، تعيد إنتاج هشاشتهن من جديد.

مقالات من العراق

العراق إلى كأس العالم: دموع وهلاهل

فؤاد الحسن 2026-09-03

المنتخب الذي مَثَّل العراق في العام 2007 كان عالَماً موازياً للعراق، سواء عن قصد، كما يحدث في نظام المحاصصة على "مكونات" الشعب العراقي - التسمية التي يفضِّلها الساسة عوضاً عن...

للكاتب/ة

قراءة في كلفة عام من تطبيق قانون الأحوال الشخصية الجديد في العراق، وقصص ضحاياه

تُظهِر التعديلات الممتدة والممارسات القضائية كيف تُوظِّف الدولة والأحكام التقليدية مفهوم "الولاية الجبرية" كتقنية لإخضاع النساء، حيث يُعاد حصر موقع المرأة في خانة الوعاء الرعائي المجرد من الحقوق السياسية والقانونية...

العودة من برزخ الموت في العراق: ناجيات من "غسل العار" يكسرن جدار الصمت

في بعض الحالات، كهذه المنشورة هنا، تتحوّل العائلة من مساحة حمائية مفترضة إلى أداة تنفيذية أولى، والى الشرطي الحارس للمنظومة البطريركية، فتنهار قيمة "القرابة الدموية" أمام سلطة "الامتثال الجماعي"، حيث...