وهم الاستقرار في ليبيا

ليس لتحالف دبيبة-حفتر أن يُمثّل أيّ مصالحة وطنية أو استعادة للسيادة. بل يُخاطر بتشكيل نظام سياسي لا تصوغه المصالح الليبية، بل النفوذ الخارجي، لا سيما نفوذ الإمارات العربية المتحدة التي اتّسع حضورها في المشهد السياسي والعسكري الليبي على نحو مطرد خلال العقد الماضي.
2026-08-27

عبد الله الماعزي

كاتب من ليبيا


شارك
عبد الحميد دبيبة وخليفة حفتر

لأكثر من عقدٍ من الزمن، تعاملت القوى الأجنبية مع ليبيا لا كوطن ذي سيادة ينبغي أن يُعاد بناؤه، بل كفضاء استراتيجي ينبغي أن يُدار.

ويبدو، اليوم، أنّ عدداً متزايداً من الدبلوماسيين والفاعلين الإقليميين يرون في التوافق السياسي بين عبد الحميد دبيبة وخليفة حفتر آخر وصفة لتحقيق "الاستقرار". ويتنامى النظر إلى هذه التسوية، في أوساط السياسة الخارجية، على أنّها واقعية براغماتية: طريقة لاحتواء الصراع، وتأمين إنتاج النفط، وكبح الهجرة، والحيلولة دون انهيار الدولة.

غير أنّ كثيراً الليبيين يرون في هذا الأمر شيئاً أشد خطورة.

ليس لتحالف دبيبة-حفتر أن يُمثّل أيّ مصالحة وطنية أو استعادة للسيادة. بل يُخاطر بتشكيل نظام سياسي لا تصوغه المصالح الليبية، بل النفوذ الخارجي، لا سيما نفوذ الإمارات العربية المتحدة التي اتّسع حضورها في المشهد السياسي والعسكري الليبي على نحو مطرد خلال العقد الماضي.

لا يقتصر الخطر على أنّنا إزاء صفقة أخرى بين مراكز قوى متنافسة. بل يتعدّى ذلك إلى أننا إزاء توطيد لأركان نظام يجري فيه التفاوض على مستقبل ليبيا في ظلّ رعاية أجنبية.

ما يصفه الفاعلون الدوليون بأنّه "استقرار" قد يكون، في الواقع، نظاماً سلطوياً مدعوماً من الخارج تحت مسمّى آخر.

إنَّ المنطق الذي يقف وراء هذه المقاربة هو منطق مألوف. إذ يرى صنّاع السياسة الخارجية أنّ ليبيا لا تستطيع تحمّل حرب أخرى. وأنّ إنتاج النفط يجب أن يتواصل من دون انقطاع. وأنَّ الهجرة باتجاه أوروبا يجب أن تبقى تحت السيطرة. وأنّ النفوذ الروسي ينبغي أن يُحّدّ منه. وأنَّ الفصائل المسلحة تجب إدارتها وليس تفكيكها.

في هذا الإطار، يصبح الاستقرار هو الهدف الأسمى، حتى لو أتى على حساب السيادة والشرعية والتطور الديمقراطي.

لكنَّ واقعاً أكثر إثارة للقلق يكمن تحت اللغة البراغماتية: إذ يُنظر إلى ليبيا على نحو متزايد لا كبلد له تطلعاته السياسية الخاصة، بل كملف جيوسياسي يجب أن يُدار وفقًا لأولويات قوى خارجية.

ما يصفه الفاعلون الدوليون بأنّه "استقرار" قد يكون، في الواقع، نظاماً سلطوياً مدعوماً من الخارج تحت مسمّى آخر. إذ يرى صنّاع السياسة الخارجية أنّ ليبيا لا تستطيع تحمّل حرب أخرى. وأنّ إنتاج النفط يجب أن يتواصل من دون انقطاع. وأنَّ الهجرة باتجاه أوروبا يجب أن تبقى تحت السيطرة. وأنّ النفوذ الروسي ينبغي أن يُحّدّ منه. وأنَّ الفصائل المسلحة تجب إدارتها وليس تفكيكها.

هذه المقاربة ليست طارئة ولا حديثة العهد. فمنذ انهيار الدولة الليبية في عام 2011، دأب الفاعلون الخارجيون على صوغ مسار البلاد، بتسليح الوكلاء، وتمويل السلطات المتنافسة، والتلاعب بالمؤسسات، والتدخل تحت ستار الوساطة.

لم تكن النتيجة استقرار البلاد، بل كانت اضمحلال السيادة الليبية على نحو مطرد.

يعكس التفضيل المتصاعد لاتفاق دبيبة وحفتر المنطق الفاشل ذاته. فهو يفترض أنّ مستقبل ليبيا يمكن ضمانه من خلال صفقات بين شخصيات نافذة وشبكات مسلحة، لا من خلال المهمة الأصعب بكثير المتمثلة في إعادة بناء مؤسسات وطنية شرعية.

غير أنَّ أزمة ليبيا ليست مجرد نزاع بين نخب متنافسة.

إنّها انهيار الثقة بين المواطنين والدولة. إنّها تفتت الهوية الوطنية، وعسكرة الحياة السياسية، وتحويل المؤسسات العامة إلى أدوات للمحسوبية وسيطرة الفصائل.
لا يمكن لأيّ تحالف مدعوم خارجياً بين سماسرة متخندقين أن يحلّ هذه الانقسامات العميقة. قد يُجمّد مثل هذا الاتفاق الصراع مؤقتاً، في أحسن الأحوال. لكنّه يُخاطر، في أسوأها، بمأسسة انقسامات ليبيا وتقديمها على أنّها مصالحة.

تدافع الحكومات الأجنبية عن هذه الترتيبات على أنّها ممارسات واقعية. لكن واقعية بالنسبة إلى من؟

من المؤكّد أنّها ليست واقعية بالنسبة إلى الليبيين العاديين الذين ما زالوا يعانون انعدام الأمن الاقتصادي، والفساد، والشلل السياسي، والنزوح، والتهديد المستمر بتجدد العنف، في حين تفشل "الحلول" المتتالية المرعيّة دولياً في بناء دولة فاعلة وذات سيادة.

منذ انهيار الدولة الليبية في عام 2011، دأب الفاعلون الخارجيون على صوغ مسار البلاد، بتسليح الوكلاء، وتمويل السلطات المتنافسة، والتلاعب بالمؤسسات، والتدخل تحت ستار الوساطة. ما يسميه الفاعلون الخارجيون استقراراً غالباً ما يكون مجرد إدارة لاختلال: نظام يكفي لاستمرار صادرات النفط والحيلولة دون الانهيار التام، لكنه لا يكفي لإحداث تحوّل يهدّد المصالح المستفيدة من الوضع الراهن.

لا يُعفي أيٌّ شيء من هذا الطبقةَ السياسية الليبية من المسؤولية. يتحمّل الفاعلون الليبيون قدراً هائلاً من اللوم عن الفساد، والفصائلية، ودوام الصراع. لكنّ الاعتراف بالإخفاقات الداخلية لا يستلزم الصمت عن العواقب المدمرة للتلاعب الخارجي المتواصل.

ما يسميه الفاعلون الخارجيون استقراراً غالباً ما يكون مجرد إدارة لاختلال: نظام يكفي لاستمرار صادرات النفط والحيلولة دون الانهيار التام، لكنه لا يكفي لإحداث تحوّل يهدّد المصالح المستفيدة من الوضع الراهن.

هذا هو التناقض الجوهري في السياسة الدولية تجاه ليبيا. القوى ذاتها التي لا تني تتحدث عن الديمقراطية وبناء الدولة، غالباً ما تبدو أشدّ ارتياحاً للتعامل مع سلطات مشرذَمة يمكن الضغط عليها، والتفاوض معها، والتأثير فيها على انفراد.

إنَّ ليبيا ذات سيادة حقيقية - موحدة سياسياً، ومستقلة مؤسسياً، ومسؤولة أمام مواطنيها - كانت لتمتلك حتماً حرية أكبر في انتهاج سياسات لا تتوافق دوماً مع الأولويات الخارجية.

لهذا السبب، ينظر كثير من الليبيين إلى الوساطة الدولية بعين الشك. فالمسألة لم تعد تقتصر على تدخل أجنبي بالمعنى التقليدي، بل تعدّت ذلك إلى تطبيع نظام يجري فيه التفاوض على مستقبل ليبيا في الخارج، في حين يُختزل الليبيون أنفسهم إلى مجرد متفرجين على قرارات تصوغ مصيرهم الوطني.

لا يُعفي أيٌّ شيء من هذا الطبقةَ السياسية الليبية من المسؤولية. يتحمّل الفاعلون الليبيون قدراً هائلاً من اللوم عن الفساد، والفصائلية، ودوام الصراع. لكنّ الاعتراف بالإخفاقات الداخلية لا يستلزم الصمت عن العواقب المدمرة للتلاعب الخارجي المتواصل.

لن تُحَلّ الأزمة الليبية بهندسةٍ دبلوماسية أو بصفقات نخبوية تهدف بالدرجة الأولى إلى إرضاء مصالح أمنية خارجية. كما لا يمكن أن تُحَلّ بترتيبات انتقالية لا نهاية لها تسندها رعاية دولية.

ليست ليبيا بحاجة إلى وصفة سياسية أخرى تُدار من الخارج، بل هي بحاجة إلى إعادة بناء بطيئة وعسيرة للشرعية الوطنية من الداخل.

هذا يعني مصالحة حقيقية، ومساءلة مؤسسية، وتوزيعاً عادلاً للموارد، واستعادة للمواطنة فوق الولاء الفصائلي. كما يعني إعادة بناء الثقة بين الليبيين أنفسهم، لا مجرد التفاوض على تسويات مؤقتة بين مراكز القوى المتنافسة.

يتطلب الأمر، قبل كل شيء، استعادة مبدأ كان قد تآكل باطّراد خلال العقد الماضي: مستقبل ليبيا ملك لليبيين، لا للعواصم الأجنبية، ولا للرعاة الإقليميين، أو للوسطاء الدوليين الباحثين عن "حلّ براغماتي" آخر.

في النهاية، يجب أن توفِّر انتخابات حرّة ونزيهة الأساس لاستعادة الشرعية. لكنّ اغتيال سيف الإسلام القذافي، الشخصية المحورية في العملية الرئاسية التي انهارت في عام 2021، يُلقي بظلاله الثقيلة على إمكان وجود تنافس ديمقراطي حقيقي في ليبيا اليوم.

لا يمكن للانتخابات أن تكون ذات مصداقية حين تُمارس المشاركة السياسية تحت وطأة التهديد المستمر بالإكراه أو الإقصاء أو العنف.

  • ترجم النص عن الانجليزية، ثائر ديب

مقالات من ليبيا

أطلِقوا سراح العَشرة!

2026-06-18

أين هم الناشطون المخطوفون والمخفيون، وما مصيرهم؟ السلطة الفعلية في شرق وجنوب ليبيا، التابعة للواء خليفة حفتر، اختطفت عشرة نشطاء، هم أربع رجال وستة نساء ينتمون إلى ثماني جنسيات مختلفة،...

للكاتب/ة

اختطاف ليبيا

ويلٌ لأمة تستقبل حاكمها بالتطبيل وتودِّعه بالصَّفير، لتستقبل آخر بالتطبيل والتزمير... ويلٌ لأمة مقسمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمّة.جبران خليل جبرانوصلتني مؤخّراً رسالة من عبد المجيد العقيلي...