أطلِقوا سراح العَشرة!

أين هم الناشطون المخطوفون والمخفيون، وما مصيرهم؟ السلطة الفعلية في شرق وجنوب ليبيا، التابعة للواء خليفة حفتر، اختطفت عشرة نشطاء، هم أربع رجال وستة نساء ينتمون إلى ثماني جنسيات مختلفة، كانوا على متن قافلة الصمود البرّية، وكانوا متوجهينالى سرت للتفاوض مع سلطاتها المحلية بشأن عبور القافلة.
2026-06-18

شارك
من مسيرة يوم السبت 13 حزيران/يونيو 2026 للمطالبة بإطلاق سراح ناشطي قافلة الصمود المغاربية المحتجزين في ليبيا (الصورة عن صفحة هيئة الصمود المغاربية على انستغرام).
إعداد وتحرير: صباح جلّول

ليس الاحتلال الإسرائيلي وحده الذي يقف عائقاً أمام وصول قوافل وأساطيل التضامن مع غزة إليها، فمن يراجع الواقع يلحظ أنّ المشاركين والمشاركات أوقِفوا عدة مرات، في بلدان عربية، خلال رحلاتهم المختلفة المتوجهة إلى غزة المحاصرَة. في حزيران/يونيو 2025، منعت مصر المشاركين في "المسيرة العالمية إلى غزة" من الوصول إلى رفح على حدود القطاع، وأُرسِل "البلطجية" لضرب المشاركين في أماكن تجمعهم في مشهدٍ مخزٍ. كذلك رحّلت مصر العشرات ممّن قدموا من مختلف أنحاء العالم بعد وصولهم إلى مطار القاهرة، مانعة إياهم حتى من دخول الأراضي المصرية، على الرغم من حصولهم على التأشيرات المناسبة من السفارات المصرية في بلدانهم. في تلك الفترة، كان من المقرّر أن تلتقي "قافلة الصمود المغاربية" بقافلة "المسيرة العالمية إلى غزة" في مصر، وهو ما لم يحدث وفق المخطط، لأن السلطات في شرق ليبيا أوقفت القافلة قبل وصولها إلى مدينة سرت، ومنعتها من التقدّم.

لكنّ ما حدث حينها، على بشاعته، لا يصل إلى كارثية ما حدث في 24 أيار/مايو الماضي فبالتوازي مع خطف البحرية الإسرائيلية للمشاركين في أسطول الصمود الثاني في عرض البحر، كانت مجموعة تابعة للقوات المسلحة العربية الليبية (LAAF)، وهي السلطة الفعلية في شرق وجنوب ليبيا (التابعة للواء خليفة حفتر)، تخفي قسراً عشرة نشطاء، هم أربع رجال وستة نساء ينتمون إلى ثماني جنسيات مختلفة، كانوا على متن قافلة الصمود البرّية. حدث ذلك أثناء عبورهم المنطقة المعروفة باسم "5+5"، فيما هم متوجهون إلى مدينة سرت للتفاوض مع السلطات المحلية بشأن السماح بمرور القافلة. فأين هم الناشطون المخطوفون، وما مصيرهم؟

المحتجزون العشرة في ليبيا... (ملصق من تنسيقية الصمود المغاربية)

تحت راية قافلة الصمود العالمية، دخل 231 ناشطاً دولياً منطقة قرب مدينة سرت بغرض العبور وإكمال الطريق إلى غزة. ضمت القافلة سبع سيارات إسعاف، و20 منزلاً متنقلاً، و10 شاحنات محملة بالمساعدات، بالإضافة إلى طواقم طبية ومهندسين وحقوقيين وتربويين. ما كان يميّز هذه القافلة عن سواها هو رغبتها بتقديم الخدمات الملحة التي تشهد نقصاً مريعاً في غزة، لا توزيع المساعدات والتضامن الرمزي فحسب، على أهمية ذلك طبعاً.

حسب الجهات المنظِّمة للقافلة، كان المشاركون يحملون تأشيرات دخول مناسبة، كما كانوا على تنسيق مسبَق مع الجهات المعنية لتأمين مرور القافلة. غير أنّ سلطات شرق ليبيا تتهم القافلة بعدم امتلاك التصاريح الأمنية لعبور مناطق سيطرتها. وعلى ذلك، لم يكن في حسبان منظمي القافلة أن يحدث ما قامت به القوات المسلحة الليبية من تفكيك مخيّمهم وطردهم برمي القنابل المسيلة للدموع وبقوة السلاح، وصولاً إلى اختطاف بعضهم ممن كانوا متوجهين لاجتماع تفاوضي بشأن إذن العبور.

وإذ أجبر معظم المشاركين على العودة إلى طرابلس تحت تهديد السلاح، بقي عشرة منهم، وهم من إسبانيا وبولندا والولايات المتحدة والأرجنتين وأوروغواي والبرتغال وتونس وإيطاليا، محتجزين في قبضة قوات حفتر، والحالُ كذلك حتى الساعة.

بعد أيام من إخفائهم القسري، تبيّن أن المخطوفين خضعوا لاستجواب من قبل النيابة العامة في ليبيا، التي أمرت بحبسهم احتياطياً على ذمة التحقيق في تهم ملفّقة تتعلق بالـ"التجمهر دون تصريح". حسب بيان لمنظمة العفو الدولية "آمنستي"، وهو مؤشر خطير قد يعرّضهم لعقوبة السجن التي تصل إلى ستة أشهر و/أو دفع غرامة مالية. وقد أشارت منظمة العفو بالفعل لتجديد السلطات في شرق ليبيا احتجاز أعضاء القافلة العشرة لثلاثين يوماً إضافياً بقرار صدر الأسبوع الماضي، وطالبت بإطلاق سراحهم فوراً، من دون قيد أو شرط.

أعلام رفعها مشاركون في قافلة الصمود في مخيمها قرب سرت (الصورة: وكالة الأناضول)
المخيم قرب سرت حيث انتظرت القافلة العبور، وحيث تعرضت لهجوم القوات المسلحة الليبية (الصورة: وكالة الأناضول)

بين أول حزيران/يونيو الحالي والرابع منه، دخل المعتقلون (وتتراوح أعمارهم بين 30 70 عاماً) إضراباً عن الطعام، اعتراضاً على احتجازهم غير القانوني ومنعهم من التواصل مع محاميهم وعائلاتهم. وهو ما أكدته منظمة العفو الدولية، معربة في هذا السياق عن مخاوفها بشأن الوضع الصحي لبعض المحتجزين، خصوصاً بعد تسجيل حالات إغماء وانخفاض حاد في مستوى السكر في الدم لدى آخرين.

جاء ردّ الخارجية الليبية متمسكاً بموقفٍ متعنّت، قائلاً إنّ "احترام السيادة الوطنية التي تحكم حركة الأفراد عبر الحدود أمرٌ غير قابل للتفاوض"، رافضة حتى اللحظة إطلاق المعتقلين.

في المقابل، عبّر بعض الناشطين الذين شاركوا في عدة أساطيل إلى غزّة لموقع "ميدل إيست آي" عن استياء من افتقار الرحلة البرية للتخطيط الكافي لاحتمالية الاحتجاز أو المواجهة مع قوات حفتر، وتأسف أحدهم لأن التركيز الذي ينبغي أن ينصبّ على مواجهة إسرائيل والوصول إلى غزة بات في ليبيا عوض ذلك، جاعلاً تحقيق الهدف مستحيلاً.

أمّا هيئة الصمود المغاربية، وهي إحدى الجهات الرئيسية المنظمة للقافلة، فأصدرت بياناً في أواخر شهر أيار/مايو حاولت فيه توضيح ما قررت بشأن الحادث الخطير في ليبيا، جاء فيه: "بعد تقييم شامل للواقع الميداني والإنساني والأمني، تقرر عودة جميع الوفود والمشاركين إلى بلدانهم، مع بقاء عدد محدود من مسؤولي القافلة لمتابعة تسليم المساعدات الإنسانية ومواصلة الجهود القانونية والدبلوماسية المتعلقة بالمعتقلين العشرة".

مساعٍ للحلّ

مع تزايد المخاوف حول أوضاع ومصير الناشطين المحتجزين، تتكثّف المساعي الرسمية والمطالبات الشعبية للضغط من أجل إطلاقهم.

خرج المتضامنون مع قافلة الصمود ومختطفيها إلى السفارات والممثليات الدبلوماسية الليبية في دول عدة، ونُظّمت تظاهرات للمطالبة بإطلاقهم وبحصولهم على حقوقهم برؤية محاميهم.

في وقفة تضامنية في العاصمة التونسية، تحدث والد أشرف خوجة، أحد المحتجزين من القافلة، سائلاً "ما ذنب هؤلاء العشرة؟... إنّ ذنب ابني الوحيد هو أنه اختار أن يقف مع المحاصَرين والمجوّعين. اليوم يُحتجَز في سجون شرق ليبيا".

وأمام القنصلية الليبية في إسطنبول، طالب عشرات المتظاهرين بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الناشطين. وجاء في بيان المنظِّمين أنهم قرروا تصعيد حملات الضغط الرقمي ومتابعة التحركات الشعبية، فيما أعلن بعض الناشطين إضراباً تضامنياً عن الطعام للمطالبة بحصول رفاقهم على الدعم القانوني والطبي.

من الوقفة في تونس العاصمة المطالبة بإطلاق سراح ناشطي قافلة الصمود المغاربية المحتجزين في ليبيا (الصورة عن صفحة هيئة الصمود المغاربية على انستغرام).

على الجبهة الرسمية، تمكّن القنصل العام الإيطالي في بنغازي، فيليبو كولومبو، من زيارة مواطنين إيطاليين من محتجزي قافلة الصمود البرية العالمية، وذلك بعد ضغط من هيئة "غلوبال صمود إيطاليا" على السلطات الإيطالية، بعد أن ألغيت إحدى جلسات الاستماع إلى أقوالهم ومُنعوا من لقاء المحامين.

بالتوازي مع ذلك، أعلن وزير الخارجية الإيطالي سعي بلاده للتوسط لإطلاق سراح كلّ المحتجزين، مع العلم أن إيطاليا لا تعرف بعد ماهيّة التهم الرسمية الموجهة إليهم.

تواطؤ خفي

تتردد أخبار، منذ سنوات، عن تعاون قوّات خليفة حفتر مع إسرائيل، عبر تدريب الأخيرة للمسلحين وتزويد حفتر بالسلاح. قال صحافيون إسرائيليون أن حفتر التقى بعناصر من الموساد بين عامي 2017 و2019، كما كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن زيارة صدام حفتر، ابن اللواء خليفة حفتر، إلى تل أبيب على متن طائرة خاصة عام 2021. وعلى الرغم من أن الطرفين يحرصان على إبقاء العلاقة خفية، إلا أن دلائل هذا "التعاون" موجودة ومتزايدة، فهل تكون إحداها متمثلة بإيقاف قافلة من سيارات الإسعاف والأطباء والمحامين المتجهين إلى غزة المحاصَرة والمبادَة، فيما تولّى جيش الاحتلال البحر؟

أما نحن، فنضمّ صوتنا إلى حملة المطالّبة بإطلاق المناضلين فوراً، ومن دون شرط.

التضامن ليس جريمة!

مقالات من ليبيا