إعداد وتحرير: صباح جلّول
"عندما قال لنا الضابط الإسرائيلي إنه من غير المسموح لنا أن نرسم بالألوان الأحمر والأخضر والأسود والأبيض، كان قبلها حاول أن يقنعنا بأن نرسم زهوراً ونساءً جميلات. أعتقد أنني سأرسم أزهاراً ونساء جميلات في المستقبل، بعد أن تتحرر فلسطين."
هذا ما قاله الفنان الفلسطيني سليمان منصور (1947- 2026) مرّة في مقابلة مع قناة الجزيرة، مجيباً عن سؤالٍ حول القمع الإسرائيلي للتعبير الفني عن فلسطين.
في الرابع والعشرين من آب/ أغسطس الجاري، رحل سليمان منصور عن عالمنا جسداً، تاركاً وراءه إرثاً فنياً هائل الثراء والتنوع. مَن تابع أخباره في الآونة الأخيرة رأى في الصور رساماً لم يثنِه هزال الجسمِ وكثرة أنابيب المستشفيات والأمصال عن الإطباق بيده على ريشته ومتابعة الرسم، بحيث يمكن القول فعلاً، لا مبالغةً، إنّه رسم فلسطين حتى الرمق الأخير.
رحيل ليلى الشوّا.. ولكن إرثها حاضر
27-10-2022
"أطالِب بنفَسي"... فتحي غبن الذي رسم هويّة البلاد
02-03-2024
وُلد سليمان منصور عام 1947 في بيرزيت، في الضفة الغربية، عاش طفولته في ضواحي القدس مع والدته، بعد أن فقد والده طفلاً في الرابعة من العمر. تحت الاحتلال، درس في أكاديمية بيتسلئيل للفنون والحرف، وبعد تخرجه، نشط في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي في بناء لغة بصرية متكاملة للتعبير عن نضال الشعب الفلسطيني، أرضه وناسه، مدنه وقراه، دفئه وغربته، فيندر أن تجد موضوعاً أو ثيمة لم تتطرق إليها أعماله الغزيرة، حتى ليمكننا القول إنه صاغ قاموساً بصرياً هائلاً لفلسطين، تتربع فيه أشجار الزيتون وحبّات الليمون والعيون الزيتية والتطريز، لا كرموز اختزالية سريعة الهضم (كما يحدث أحياناً في انزلاق بعض الاجتهادات البصرية التي تبغي الترميز، فتخرج مُفرَغة من معناها وثقله)، وإنما كعناصر فلسطينية عُضوية، وجودها هو وجود فلسطين والإنسان الفلسطيني، بجمالها وألمها معاً. هذا ما نجح سليمان منصور في بنائه عبر السنين، حتى صار لكل جانب من جوانب الحياة الفلسطينية لوحة تعبر عنه...

ترأس سليمان منصور "رابطة الفنانين الفلسطينيين" بين عامي 1986 و1990، كما درَّس في جامعات فلسطينية عدة، وأسهم في بناء حركات ثقافية وفنية متعددة في الضفة الغربية، مبدياً اهتماماً في ما هو أكثر من مجرد إنتاج أعمال فنية فلسطينية، بل في خلق مناخٍ لمناقشة وتعريف الإبداع تحت نير الاحتلال.
في ظلال الانتفاضة الأولى، شارك سليمان منصور في تأسيس حركة "نحو التجريب والإبداع" الفنية عام 1989. أراد الفنان، رفقة عدة فنانين فلسطينيين منهم نبيل عناني وفيرا تماري وتيسير بركات، أن يرافقوا انتفاضة شعبهم بانتفاضة فنية تعكس اللحظة الثورية الكبرى: "منذ عدّة سنوات وأنا أبحث، كغيري من الفنّانين في الأرض المحتلّة، عن أسلوب فنّي محلّي مميَّز، وقد تنقّلت في بحثي هذا من مدرسة فنيّة إلى أخرى، مُستعمِلاً المواد الخام المعروفة المتواجدة في الأسواق، لكنّي لم أستطع أن أصل إلى شيء. وجاءت الانتفاضة وجلبت معها فلسفة الاعتماد على الذات، وبدأ الناس يزرعون أرضهم ويشترون من المنتوجات المحليّة، ويحتجّون على الاحتلال بأساليب ومواد وأدوات محليّة. وشعرتُ حينها بضرورة التعامل مع اللّوحة من نفس المنطلق وبالفلسفة ذاتها"، قال سليمان منصور عن تلك الحركة.
في بيان الجماعة التأسيسي، صرّح الفنانون بأنهم اختاروا خوض "مغامرة البحث الجمالي، ومحاولة الارتقاء بالرؤية الفنيّة إلى مستوى يؤكّد حريّة الفنّان الداخليّة، وقدرته على استشراف الجمال والحقيقة، في خضمّ نضاله اليوميّ لنيل الحريّة". وبالفعل، لجأت جماعة "نحو التجريب والإبداع" إلى استخدام الأرض الفلسطينية ذاتها مادة خام للوحاتهم: التراب والطين، الحنة والبنّ والزيت، مقاطعين المواد الأولية المستوردة من الخارج، ومقاطِعين جماليات العين الغريبة عن فلسطين أيضاً.
وعى سليمان منصور مبكراً أن فنّه هو طرحٌ سياسي أيضاً، وساهم عبر أعماله والتزامه، بإثارة هذا الوعي لدى جيل آخر من الفنانين الفلسطينيين. وهذا الدليل على أثره وأثر الفن الفلسطيني في النفوس، جليٌّ في قيام سلطات الاحتلال باستدعائه، مع الفنانين التشكيليين نبيل عناني وعصام بدر، لتحذيرهم ومنعهم من استخدام ألوان العلم الفلسطيني في لوحاتهم، حتى لو كانوا يريدون رسم بطيخة، لا أكثر. تقع المفارقة بأن البطيخة، بحملها لألوان العلم الفلسطيني، تحوّلت بعد الإبادة الإسرائيلية في غزة، رمزاً عالمياً لفلسطين، وفي لحظة ما، سمح الرمز بعودة العلَم نفسه إلى الظهور بوضوح أكبر في ساحات مدن العالم، ليتمَ تجاوز الرمز بالعودة إلى الأصل.

لم يقتصر تأثيره على الفنانين في فلسطين والمنطقة العربية، بل ساهمت لوحاته التي انتشرت بسهولة في أرجاء العالم في إثارة فضول جديد حول قضية فلسطين، قبل السابع من أكتوبر وبعده، حتى أنه قال مرّة أنّه شعر بإنجازٍ عظيم عندما تعرَّف إلى شباب من أميركا وأوروبا قالوا له أنهم لم يزورا فلسطين ولكن "من خلال لوحاتك صرنا نحب فلسطين".
وكذلك تشهد لمسيرته وأثره العميق لوحته الأشهر "جبل المحامل"، التي يحمل فيها رجل عجوز "بقجة"، كتلك التي يحملها المهاجر من بيته قديماً، فيضع فيها ما تيسر من أغراضه للانتقال، لكنها على شكلِ عَينٍ، وتحمل بداخلها مدينة القدس بأكملها، تزيِّن وسطها قبة الصخرة، كأنّ الفلسطيني إذا أُجبر على حمل ما تيسّر من بيته، حمل البيت كله، حتى لو كان ثمن ذلك احتمال أثقالٍ لا تُحتمَل...

في المقابلة المذكورة أعلاه مع قناة الجزيرة، تلك التي وعد فيها سليمان منصور بأنه سيرسم الزهور والجميلات بعد تحرر الوطن، تعاجله المذيعة بسؤال: "هل تؤمن أنك سترى تحرير فلسطين؟"، ليردّ مبتسماً بالقول: "لقد وُلدت قبل النكبة بعام، ولا أعرف لماذا، لكنني دائماً ما أشعر بأن فلسطين ستتّحرر بعد وفاتي بعام".
"آرت زون فلسطين" واستعادة الفنّ من الإبادة
05-12-2024
ولعلّه جوابٌ ساحِر رغم ما فيه من مرارة. أن يرفض المرء فقدان الأمل لمجرد أن موته ممكنٌ قبل التحرير، ولأن التحرير مسار طويل وشاق وقد لا يسعفنا الوقت لنشهد آخر فصوله، فيفضِّل أن يُبقي في نفسه أملاً بأن عمر الاحتلال زائل بعد زواله، كأن عمره نَذرٌ لحرية شعبه وبِشارة حرية آتية...
***
مختارات من لوحات الفنان الراحل:



