إعداد وتحرير: صباح جلّول
تشارك "مدرسة السيرك الفلسطيني" في دورة هذا العام من مهرجان "إدنبرة فرينج" في العاصمة الاسكتلندية، وهو أحد أهم مهرجانات فنون الأداء عالمياً، تأسس في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1947، كحدثٍ عفوي، يجمع فنانين ومؤدين لم يكن لعروضهم مكان في المهرجانات الدولية، فأقاموا مهرجاناً سمّوه بالانكليزية "فرينج" أي "الهامش"، وأبقوا الاسم كجزء من هوية المهرجان، حتى بعد أن مأسسوه وحوّلوه إلى منصة كبيرة بحضور دولي، تأكيداً على اهتمامهم بأصوات "الهامش".
إلى الآن، يعتمد "منتدى مهرجان فرينج"، المسؤول عن تنظيم المهرجان، سياسةً قائمة على فتح الباب للفنانين لسرد قصتهم، متخلياً عن معايير الاختيار والتصفية التقليدية للمشاركين. و"مدرسة السيرك الفلسطيني" واحدة من تلك المجموعات الفنية التي تمتلك قصة تُطالِب بمساحةٍ لتُروى، أتوا بعرضهم المعنون "خطوة ونصّ"، المستوحى من حركات الدبكة الشعبية الفلسطينية، وعناصر ثقافية فلسطينية متعددة، ليقدّموه في مهرجان "إدنبرة فرينج" على مدى ثلاثة أسابيع (بين 8 و28 آب / أغسطس الحالي)، وبشكل يومي، عبر عروضٍ تناسب كافة الأعمار، وبالتعاون مع منظمة الإغاثة الطبية لفلسطين.
شكراً لأنّك تجعلنا نضحك
28-04-2016
يتبنى عَرض "خطوة ونص" اتجاهاً معاصِراً في مقاربته لفنون السيرك الأدائية، بحيث تتقدم القصّة وتظهيرها بشكل درامي ذي معنى على الحركات البهلوانية المُبهرجَة التي يكون غَرَضها الإبهار البصري والترفيه فحسب، فيستخدم مهارات المؤدين وفنون التوازن والرقص والمرونة ليحكي قصة إنسان فلسطيني في دوّامة ما يواجهه من تحديات، قد تفقده توازنه، أو تمثل عوائق أو فرص للمقاومة والصمود وإعادة المحاولة...

مدرسة السيرك الفلسطيني، تأسست عام 2006، ومقرها بيرزيت شمال مدينة رام الله في الضفة الغربية، وهي تعرِّف عن نفسها على موقعها كـ "منظمة غير ربحية ملتزمة بتمكين المجتمعات من خلال فنون السيرك".
"سيرك؟"، قيلَ لهم ذاتَ مرّة، "هل هذا فعلاً ما تحتاجه فلسطين الآن؟". يقول مدير السيرك الفلسطيني محمد رباح في مقابلة مع موقع مجلة "فيست" (Fest) المختصة بصحافة المهرجات الفنية، إنّهم كانوا يجيبون على هذا السؤال بالقول إنّ "تحويل المستحيل إلى ممكن، والإصرار على أنّ عالَماً آخر ما زال ممكناً، هو بذاته فعل تحرري"، وزرْع هذه الرؤية في النفوس جزءٌ من عمل السيرك.
تنفيس نفسي ومسؤولية اجتماعية
"السيرك للجميع" واحد من المبادئ التي تقول مدرسة "سيرك فلسطين" إنها معنية بتطبيقها.
خلال عام 2025، استفاد 4506 أشخاص من البرامج التعليمية للسيرك، المنتشرة في مختلف مناطق فلسطين، عبر ورش وأنشطة مجتمعية، وبرامج متخصصة لتعزيز المهارات الفنية. من ضمن هؤلاء 1960 طفلاً وطفلة في غزة تمّ الوصول إليهم من خلال التدريب المتنقّل في القطاع المحاصَر والمُباد. تتعاون "مدرسة السيرك الفلسطيني" مع "مدرسة غزة لفنون السيرك" و"مدرسة صنّاع الأمل" في ورش أو مخيّمات تهدف إلى توفير بيئات للتنفيس النفسي للأطفال بشكل خاص.



من ورشة لِـ"مدرسة صناع الأمل" بالتعاون مع "مدرسة السيرك الفلسطيني" في غزّة. (عن صفحة "مدرسة صناع الأمل" على انستغرام)
كذلك تخصص المدرسة برنامجاً دامجاً لذوي الإعاقة في التدريب الأدائي المتلعق بالسيرك، هو برنامج "شَغَف"، الذي يعمل على كسر الفكرة القائلة بأنّ فنون الأداء مساحة خاصة بمن يتمتع بالمعيارية الجسدية والتمكن الجسماني الكامل حصراً.
أمّا برنامج "شهيق"، فهو مساحة للفتيات والسيدات اللواتي تواجهن تحديات اجتماعية. ويوظف البرنامج فنون السيرك الأدائية كأداة لإعادة بناء الثقة من خلال التعبير الفني الجماعي.
سِيرك الأوقات الصعبة
في المقابلة التي أجرتها مجلة "فيست" مع مدير السيرك الفلسطيني محمد رباح، يقول الأخير إنّ الدبكة، تلك الرقصة التي تستحضر روحاً جماعية قوية، وتتمثّل عبر أجيال تضرب الأرض بالأقدام بقوة، تعبيراً عن التجذر فيها، "بها روحٌ جماعية تحمينا. لقد عانى الفلسطينيون كثيراً، لكن إحدى طرق مقاومتنا هي البقاء كجماعة معاً".
ما تقدّمه فلسطين إلى العالم
17-08-2023
يتحدث رباح عن قرار واعٍ بالعمل في مختلف أنحاء فلسطين، خلف نقاط التفتيش والمعابر، عبر التشبيك مع مدرِّبين في الضفة والقدس وغزة. "نحن نعمل في كل مكان تقريباً في فلسطين مستخْدِمين آليات الشراكة هذه، وهي بحدّ ذاتها رسالة سياسية، فالاحتلال يحاول تفتيتنا جغرافياً، ونحن نريد للشباب الفلسطيني أن يجتمعوا معاً، كما نريد كسر عزلتنا عن العالم"، يقول رباح للمجلة.

من ضمن الفنانين والمؤدين والمدرِبين من تعرّض لتعذيبٍ داخل السجون الإسرائيلية. منهم من استشهد أحد أفراد عائلته، وكلّهم خبر جانباً من جوانب العيش تحت الاحتلال. جلّهم مُعرَّض لصعوبات التنقل داخل فلسطين أو خارجها، لكنّ ثمّة شبكات من الأمل والمثابرة تجعل مما أُنجِز ممكِناً.
"سيرك؟".. لمَ لا؟ فالأوقات الصعبة هي الأوقات التي ينبغي فيها التمسك بالتأثير المجتمعي، وفي هذا ما مِن أثرٍ "ضئيل".



